الذّاكرة في الحكي الرّوائي

تأليفعبد الرحيم جيران

 

يُعَدُّ سؤال الذاكرة من الأسئلة الإشكاليّة التي تتعاطاها معارف شتّى، منها ما هو علميٌّ تجريبيٌّ، ومنها ما هو فلسفيٌّ، ومنها ما هو نفسيٌّ، بل منها ما هو إبداعيٌّ صرف. لكنّ ما ينبغي إقراره- وسيكُون بمثابة خلفية تعمل وراء ما يُصار إليه في هذا الكتاب من وجهة نظر- هو عدُّ الذاكرة غير مُنفصِلة عن وجود الكائن الحيّ في العالم؛ فهي تتّصل بالتكوين العضويّ من جهة، وبعلاقة هذا التكوين بالحياة من جهة أخرى. والمقصود بهذا أنّها شديدة الصلة باختبار استمرار القدرة على التعرّف في اتجاهيه: التعرّف إلى الذات وتعرّف العالم، بما يعنيه هذا من ضمان الوحدة التي تمنح الكائن الحيّ تماسكه الأساس. لن نُعالج سؤال الذاكرة انطلاقًا من وجهة نظر تُسلِّم بصحّة توجّه نظريّ دون آخر؛ أمرٌ من هذا القبيل سيكُون بمثابة إعفاء الذاكرة نفسها من أن تكُون كما هي: دليلٌ مُركَّب يحمل في طيّاته تعقيد الحياة نفسها. ما سنعمل عليه هو اختبار وجهات نظر مُتعدِّدة من خلال مُساءلتها، وتبيّن حدودها، والتجديل بين المُمْكِنات التي تطرحها أمامنا. وليس من سبيل في هذا غير فحص المفاهيم والتسميات في ضوء طاقتها التحديديّة نظرًا وإجراءً، والذهاب بالإشكالات والعوائص apories التي نُصادفها في الطريق- حسب ما يسمح لنا به الجهد- نحو التخوم التي تجعل منها قابلة لأن تمنحنا فرص أخرى للوقوف عند ما ظلّ التباسًا يحتاج إلى إظهاره، إلّم يكن من المُمْكِن تجاوزه. ولا يخلو عملنا في هذا الاتجاه من استعادة الأسئلة وتوزيعها في هيئة عناوين تتدرّج نحو الأساس، ولم يكن مُمْكِنًا الذهاب توًّا إلى العلاقات التي تفرضها الذاكرة مع معارف تتقاسم معها ماصدقها extension (الزمن)، والمفاهيم التي تستلزمها، أو تتداخل معها، من دون التمهيد لهذا بمحورين هامّين: الجانب الفلسفيّ والجانب النفسيّ؛ فهذان الأخيران يسمحان بتوفير الأرضية الأساس التي يُقام عليها كلُّ نقاش في الموضوع. ولم تكن الغاية ماثلة في مُحاولة تذويب الفروق بينهما؛ فهما يتّخذان لهما- وفق منطلقاتهما الابستمولوجيّة- جدوليْ أعمال مُختلفيْن، بقدر ما كانت ماثلة في البحث عمّا يجعلهما يتكاملان في النهاية على مُستوى مُلامسة التعقيد الذي تتميّز به الذاكرة.

     لم نكن نمتلك- في هذا الإطار- غير تتبّع مسير كلّ من المحوريْن (الفلسفيّ والنفسيّ)، بالوقوف عند المحطّات الهامّة المُؤثِّرة فيهما. وقد سمحت لنا الاستراتيجية المنهجيّة التي اتّبعناها- والتي سنتحدّث عنها في ما سيأتي- اقتراحَ مُلتقى تقاطع، وبخاصّة في المنحى النفسيّ، يسمح بتضافر النفسي والفلسفي في تأويل فعل الذاكرة؛ حيث تلتقي حماية الوجود بفعلي الاستذكار والتذكّر. ولم نُفضِّل- في هذا السياق- تغليب أصل المُشكلة الذاكرتيّة أو بدايتها في نقاشها، فربّما كانت البدايات تختلف، أو هي مُجرَّد استئنافات في الزمن تتدرّج بهذه المُشكلة من انبثاقها الأوَّليّ البسيط إلى ظهوراتها الأكثر تعقيدًا وإشكالية. وفي إطار هذه الاستراتيجية المنهجيّة سنجعل من الأفق الذي من المفروض أن تسير نحوه هذه الدراسة الناظم الأساس لعملنا. ومن ثمّة كان لا بدّ أن يُفضي هذا الاختيار المنهجيّ إلى البحث في تنامي الأسئلة، وتطوّرها بدءًا من أهداف تفسيريّة، وما كنّا لنفعل هذا من دون عرض أهداف أخرى ترتبط باستراتيجيات نظريّة سابقة. وسيتّضح هذا حين نأتي إلى منحى الذاكرة النفسيّ. وتجدر الإشارة في هذا الجانب إلى أنّ الاستراتيجية المُتّبعة في طرح إشكالات الذاكرة لا تستحضر الأسئلة النظريّة الأسس إلّا وهي داخلة في علاقة مع الموضوع الأساس لهذه الدراسة؛ أي علاقة الذاكرة بالحكي. ومن ثمّة كانت الاختيارات في صوغ النقاش مُوجَّهة- منذ البداية- صوب ما بمُستطاعه أن يخدم أهداف هذا الموضوع المُحدَّد. بمعنى أنّ كلّ هدف آخر قد يَرِد في أثناء الطروحات النظريّة ليس مقصودًا في ذاته، بل هو خادم للهدف الاستراتيجيّ العامّ للدراسة. وقد كان التوجّه المنهجيّ الذي تحتكم إليه هذه الدارسة قائمًا على التأمّل النظريّ في مسألة الذاكرة، وتمّ هذا التأمّل وفق المُزاوجة بين نوعين منه: تأمّل وجهات النظر السابقة، وتأمّل ظاهرتيّ يجعل من التفكير في مُواجهة موضوعه في إطار الخبرة الذاتيّة. غير أنّ هذا التأمل لم يكن كافيًا وحده، ولهذا كنّا نلجأ إلى التقليد الذي تتميّز به الفلسفة التحليليّة التي تجعل من الأمثلة اللغويّة نماذج للتفكير، على أساس التفكير فيها بوصفها قضايا، وقد كنّا نختبر التأمّل في ضوئها لنرى مدى صلاحيته في ضوء ما تختزنه اللغة وجملها من تجربة حيّة.  

     لماذا نصوص علوية صبح الروائيّة؟ ربّما كان الاختيار في البدء نابعًا من المُصادفة، لا أقلّ ولا أكثر، بل لم يكن موضوع الكتاب، ولا الكتاب نفسه مطروحيْن في جدول عملنا، كما أشرنا إلى هذا في التصدير، لكن ما أن تحوَّل الأمر إلى انشغال علميّ تولَّدت قناعة الموضوع وإشكاليته الأساس. وهو ما يُوحي به العنوان الفرعي للكتاب "الإتيان إلى الماضي من المُستقبل"، فهناك نمطان من الحكي الروائيّ: إمّا أن يُعاد بناء الماضي في هيئة تراوح بين الحاضر بوصفه لحظة تلفّظ والماضي من دون مُراعاة التعاقب، أو بمُراعاته. ويتمّ في الشكليْن معًا الإتيان إلى الماضي من الحاضر. لكنّ هناك شكلًا ثالثًا يتمثّل في اعتماد الشكليْن مع الإتيان فيهما إلى الماضي من المُستقبل. وهذا ما تقوم عليه بنية الذاكرة في روايات علوية صبح الثلاث؛ فالذاكرة تُحكى انطلاقًا من حاضر يجري تُمثِّله لحظة التلفّظ السرديّ بامتياز، لكنّ هذا الحكي نابع من شبه إرادة تتّجه نحو المستقبل، ومُحفَّز بدءًا منها. ولا يُهمُّ ما إذا كان شكل هذه الإرادة قائمًا على استهداف استثنائيّ أم لا، بقدر ما يُهمّ كونه يُعَدُّ سببًا في استعادة الماضي ومُبرِّراتها. ومن ثمّة يُؤتى إلى الماضي سرديًّا من فعل جارٍ يتّجه نحو المُستقبل، ولا يحصر نفسه في الحاضر.  

     ما الذي كان يشغلنا في التطبيق؛ أي في الجانب الإجرائيّ من هذا البحث؟ ليس بالضرورة تلبية حاجات نظريّة مُسبقة، ولا تعليق كلّ بعد نظريّ أو أيَّ حكم. فقد عملنا على خلق نوع من الذهاب والإياب بين النظري والتطبيقي على نحو يعمل فيه الواحد منهما على تصحيح وجهة الآخر. وما كنّا لنسلك هذا الطريق لولا الخيار المعرفيّ الذي ننطلق منه، وهو خيار التجديل المُتضافر؛ فحتّى في الحالات التي يُستبعد فيها كلّ تصوّر نظريّ قبليّ لا يُمْكِن مسح ما بالذهن من تصورّات نظريّة فهي حاضرة حتّى في حالة نفيها، ولا يُمْكِن أيضًا صناعة فكر نقديّ أو أدبيّ من دون مفاهيم، ولا يُهمّ هنا الطريقة التي نُوظِّفها بها. وقس على هذا مسألة تعليق الحكم كما تذهب إلى ذلك الظاهرتيّة؛ فلا وجود لهذا الإمكان إلّا خارج اللغة، وهذا مُستحيل، لأنّ تعليق الحكم يُعَدُّ حكمًا، ولأنّ اللغة التي نستعملها تتضمّن الأحكام، ولأنّ أيّ نفي لأيّ حكم لا يحدث إلّا بإدراك هذا الأخير والوعي به، وبمُحتواه. وينبغي فهم كون اصطدام الوعي بالشيء مع تعليق كلّ حكم يتمّ من خلال حركة النفي التي تصير مُكوِّنا من مُكوِّنات هذا الشيء وقد صار من مُمتلكات الوعي. كما أنّ كلّ نصّ أبداعيّ- ملموس فردانيّ هو صياغة فنّيّة لأسئلة مفهوميّة، لا تَرِد كما هي فيه، وإنّما على نحو مُجسَّم. ولهذا يكُون لزامًا على المُحلِّل أن يمتلك القدرة على الاهتداء إلى المفهومات التي تعود إلى أسئلة الكتابة التي تظلّ خلفيةً غير مُصرَّحٍ بها، وإلى مفهومات الأدب التي تُهيمِن في عصر ما، وتصير مُوجِّهة للإبداع والنقد معًا. كلّ قول يدَّعي بأنّ النصّ هو مُجابهة مع الفراغ والبياض هو مُجرّد تطرّف ظرفيّ ناجم عن توه ما في النظر. وممّا لا يُمْكِن التغاضي عنه في هذا الجانب أنّ هناك نصوصًا لا يُستهان بقّلتها تعمل على الإشارة أحيانًا بطرائق ذكيّة إلى بعض من هذه المفاهيم بذكرها مع التلميح إلى الغاية منها من طريق الإشارة غير المُباشرة، كما هو الحال بالنسبة إلى الرواية الثالثة "اسمه الغرام" لعلوية صبح التي نجد بها ذكرًا لمفاهيم أسس في تفكّر روائية الذاكرة، ومن ضمنها كلّ الألفاظ التي هي مُشتَّقة من لفظ "ذكر" والتي تتّصل بعمل الذاكرة، ولفظ النسيان، والألفاظ الدالّة على استعصاء الذاكرة، وأنواع الذاكرة، لكن أهمّ ما يُمْكِن الوقوف عنده في هذا الجانب هو توظيفها مفاهيم لها صلة بالتحليل الذي يطول إشكالات تسريد الذاكرة. كما سنرى ذلك في القسم الثالث، حيث نُقيم تحليل النصّ الثالث "اسمه الغرام" على مسألتين مُهمَّتين: مسألة التسوية التي هي خاّصّية مُميِّزة مُكوِّنة لتاريخ المُمارسة الروائيّة بما تُفيده من تصالح مع الواقع، أو تطبيع معه ضدًّا على كلّ نزعة جذريّة مُتطرِّفة (كلّ شيء أو لا شيء)، ويُشار إلى هذا الأمر باسمه نصَّا "التسوية". وكذلك الأمر بالنسبة إلى ثنائية الاتّصال والانفصال المُؤسِّسة للتركيب السرديّ الرغبويّ؛ حيث يُشار إليه بالاسم أيضا "الانفصال" الذي يتضمّن الاتّصال في حضوره.   

    ومن المُستحبّ الإشارة- في طريقة العمل على مُستوى تحليل نصوص علوية صبح- إلى أنّنا كنّا نستحضر ثلاثة مُستويات: أوّلًا، أسلوب الذاكرة في تسريد مُحتواها، وكان الهدف مُتَّجهًا صوب ضبط خاصّياته، وكيف كان يتحقّق نصًّا. وقد كان الاهتمام مُوجَّهًا- هنا- إلى فعلي الاستذكار والتذكّر، وضبط مصادرهما، مع فهم الكيفية التي يشتغلان بوساطتها في هيئة صوت ذاكرتيّ. ثانيًا، مُحتوى الذاكرة، وقد كان الهدف من هذا الوقوف عند الجانب الدلاليّ لهذا المُحتوى، لكن في ارتباط مع الأسلوب. بيد أنّنا كنّا نتّبع في هذا الأمر خطوتيْن مُتعاقبتيْن: كنّا نُعنى في الخطوة الأولى بتنظيم هذا المُحتوى، والنفاذ إلى تركيبه السرديّ، وكيفية بنائه، وكنّا نعمل في الخطوة الثانية على الرؤية إلى بناء هذا المُحتوى في علاقته بالأسلوب السرديّ، ومُحاولة فهم كيف يتأثَّر المُحتوى بهذه العلاقة، مع التنبّه أيضًا إلى إمكان تأثير المُحتوى بدوره في الأسلوب. ثالثًا، أخذنا بعين المُراعاة في تحليل مُحتوى الذاكرة في علاقته بالأسلوب الذاكرتيّ مسألة ما نُسمِّيه بذاكرة الكتابة[1]؛ حيث كان من المفروض الرؤية إلى تشكّل مُحتوى الذاكرة واشتغال الأسلوب الذاكرتيّ انطلاقًا من اتّصافهما في نصوص الكاتبة، مع الأخذ بعين المُراعاة ترتيب هذه الأخيرة في الزمان. ومن اللازم أن يترتَّب على هذا القيد الإجرائيّ الأخذ بمبدإ المُقارنة.     

     ولا يفوتني في نهاية هذه المُقدِّمة الإشارةُ إلى أنّ التقسيم الذي طال الكتاب كان يخضع لضرورات تتّصل بما هو معرفي- منهجي؛ حيث كان من المُستحيل فهم ما يجري في مجال الذاكرة الأدبيّة من دون معرفة إشكالاتها الفلسفيّة والنفسيّة. ولهذا كان القسم الأوّل مُخصَّصًا لتقديم نظرة مقتضبة حول النقاش الفلسفيّ الخاصّ بمسألة الذاكرة، وللأسئلة التي أُثيرت في صددها في مجال التحليل النفسيّ. ولم يكن هدفنا في هذا الباب ماثلًا في تجميع معرفة وتنظيمها، بل العمل على مُساءلتها، وإقامة حوار معها بغاية تحصين الفهم أوّلا، وبغاية تبصّر الإشكالات التي تعترض كلّ من يأخذ على عاتقه مُعالجة موضوع الذاكرة ثانيًا. وقد وجدنا أنفسنا مضطرّين- في القسم الثاني المُتعلِّق بالذاكرة الأدبيّة والذاكرة الروائيّة- إلى التعويل على الأسئلة الذاتيّة في بناء نسق ما مُساعد على إدراك الموضوع وتحليله؛ ذلك أنّ جلّ ما قُدِّم من الأدبيات- في هذا النطاق- يكاد لا يتعدّى حدود التأسيس الأوّليّ؛ وهذا عائدٌ إلى جدّة موضوع الاستخدام الذاكرتيّ في الرواية، لا إلى جدّة سؤال الذاكرة. وخصّصنا القسم الثالث لمُحاولة الإجابة عن الأسئلة المطروحة في القسمين (الأوّل والثاني) من خلال اختبار طاقتها الإجرائيّة في النصوص الروائيّة الثلاثة لعلوية صبح. وقد كان التطبيق يستهدف أساسًا استمداد نجاعته من الحوار بين النصوص والأسئلة النظريّة. ولا بأس من الإشارة- في هذا السياق- إلى خاصّية التصادي بين أقسام الكتاب الثلاثة. فقد أُقيمت هذه الخاصّية على ما يُمْكِن تسميته بالحوار الأفقيّ داخل العمل بين مُكوِّناته؛ حيث كان التطبيق يفرض أحيانًا الرجوع إلى بعض الخلاصات النظريّة قصد إعادة النظر فيها، وفي أحايين أخرى كان التطبيق يُساعدنا على استنباط أحكام نصوغها نظريًا، ونُدمجها في صلب القسمين النظريَّيْن.