افتتاحية العدد: العلوم الإنسانيّة في محكّ العالم الافتراضي

أ. د. مراد بن عيّاد

      لم يعد من المجدي الحديث عن الثّورة العارمة التي آكتسحت وسائط الاتّصال والتواصل الجديدة بجميع مظاهرها وأشكالها وبمختلف وسائلها وتقنياتها، وليس من المفيد أيضا اجترار الكلام في موضوع "الطّفرة" الحاصلة في المجتمع الرقمي الأكبر وفي الفضاء العمومي الأشمل عبر آليات الإعلام الشبكي؛ وليست إعادة إنتاج القول بهذه الصّورة في أعمالنا وبحوثنا نحن أبناء المجتمعات العربيّة الراهنة هي التي تخلّصنا من التّبعيّة تجاه كلّ طريف مستحدث عند الآخر ولا هي تسعفنا بإمكان الانخراط في لحظة ما بعد الحداثة أو تمنحها من المشروعيّة ما يجعل الآخر لا يشكّ لحظة في مدى عزمنا على مواكبة الجديد في بحوثنا الجامعيّة! ولسنا نرتضي أن نكون في موضع من يكتفي بتمجيد منجزات غيره وتوصيفها؛ ومحصّل ذلك أن الكلام على هذه الشّاكلة بات مبذولا ومتبذّلا بل هو في حكم اللاّغية؛ ولا بدّ حينئذ من تجاوز الأمور ومن ثمّ الرقيّ بالخطاب العلمي بما يمكّن الباحثين في مجال الاتّصال المتعدّدة وسائطهُ والمتشابكة قنواتُه من تغيير الدّوائر المفهوميّة والاصطلاحية من جهة وإعادة تشكيل المسائل وصياغة القضايا ومراجعة الأسس الإبستمولوجية والوسائل المعرفيّة التي كنّا نعتدّ بها ونثق فيها؛

     وفي ضوء هذا الوضع الأصولي الجديد فنحن ندّعي فضلا عن ذلك كلّه أنّ كوكبة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة قاطبة إنّما غدت في الشرق كما في الغرب في حاجة ماسّة إلى خلخلة أسسها وزحزة مقرّراتها وثوابتها وتقويم مخرجاتها ونتائجها بما فيها علوم الإعلام والاتّصال نفسها حتى يتمكّن المختصّون في هذا المجال من الجواب على الأسئلة الكبرى التي اقتضاها الوضع الإعلامي والتواصلي الرّاهن ضمن وسائطه المشبّكة ذات المنصّات المتجدّدة. ويتمثّل محور الإشكال تبعا لذلك في ضرورة فكّ التّعارض العائد سببه إلى كيفيّة تشخيص ملامح العالم الافتراضي الرّاهن بآليات مستمدّة من عالم الواقع إذ لا يخفى على ذي نظر أنّ تلك الكوكبة من العلوم التي ذكرناها إنّما جُعلت في الأصل لدراسة الإنسان فردا وجماعة من حيث نشاطه اليومي ومظاهر سلوكه وردود أفعاله وكيفيّة تواصله مع بني جنسه وعشيرته في عالمه الواقعي لا في مجتمعه  الافتراضي المستعار. وليس في علمنا- ما يفيد أنّ شيئا من مجال الإنسانيات قد توصّل بما يشبه برد اليقين إلى تطويق هذا الأمر المستحدث الطارئ من حقيقة التّداخل بين العالم الافتراضي وعالم الواقع!

     لقد باتت المسألة الجوهريّة في تقديرنا متعلّقة خاصّة بتجدّد الإنسان نفسه عقلا وروحا، نفسا ووجدانا، تفكيرا وتصرّفا وعيا ولا وعيا سواء على مستوى الأفراد أو على صعيد الجماعات حتّى بات لغزا محيّرا ورمزا كبيرا وعلامة فارقة في تاريخه وإنّما يعود ذلك كلّه إلى ما توصّل إليه من تطوير معارفه وتجويد مهاراته وتحيين كفاءاته في ضوء تحكّمه المتزايد في آلاته الطبيعيّة والصّناعيّة وسيطرته على الأجهزة التكنولوجيّة بوجه عام وعلى الوسائل الالكترونيّة بوجه خاصّ.

     ومن جهة أخرى، فقد ارتبطت العلوم الإنسانيّة في طور الحداثة بالبنيوية اللسانيّة وباللسانيات الوصفيّة ومناهجها أيّما ارتباط فظهر نتيجة لذلك ما سمّي بعلم النّفس البنيوي وعلم الاجتماع البنيوي والانثروبولوجيا البنيويّة وما إلى ذلك... غير أنّ هاتيك المناويل المعرفيّة والنّماذج النّظريّة التي اشتقتها "الإنسانيات" من علم اللسان العام في طور الحداثة لم تعد اليوم قادرة على الاستجابة للأنساق المعرفيّة والمتطلّبات الإجرائيّة التي حتّمها الوضع الاتّصالي / التّواصلي الجديد ضمن عالمه الافتراضي وفضائه الشبكيّ.

     لقد جرّبنا كثيرا من مناويل الاتصال ونماذج التواصل – بمفهومه التّفاعلي والتّبادلي منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي وخبرنا نظريّات في هذا الباب كانت عتيدة في وقتها متمكّنة من المعرفة والدّراية في مجالها آنذاك ولكنّنا نراها اليوم لم تستقم على المعايير ولم يصحّ بها القياس إزاء تضخّم الظاهرة التواصليّة الرّاهنة بما لم يُسبق له نظِرٌ؛ ولمّا كان كلّ نظام معرفي مهما كان نصيبه من الدّقة والعمق لا يمكن أن يكون صالحا إلاّفي الزّمن الذي ظهر فيه ولا نافعا إلاّ في الظّروف التي أُتتج فيها فكذلك ينطبق هذا المبدأ نفسه على نماذج الاتّصال وأطر التّواصل التّقليديّة التي ظهرت في سياقات علميّة محدّدة واستجابت لحاجات معرفيّة وأصوليّة معيّنة من غير أن تقوى على الصمود اليوم من خلال هذا الوضع المتشابك.

    وتبعا لذلك فليس المنوال الاتّصالي الخطّي أحاديّ الاتّجاه في نظام المبرقة لدى المهندسين الأمريكيين 'ك.شانون" (.Shannon) و'ويفير" (Weaver1949) ولا النّموذج الدائري القائم بالطرد والعكس على مبدأ المراقبة ورجح الصّدى ( أو التغذية الراجعة) في عمل أستاذهما "ن.وينير" (N.Wiener1948) في نطاق علم الطيران أو "السيبرنيطقّا" بقادرين على مواجهة الإشكالات الكبرى التي بات يطرحها الوضع التّواصلي الجديد ذو الصبغة الكونيّة فإذا كانت هذه حصيلة ما قدّمته هندسة الاتصالات في نطاق اختصاصها موصولة بمهادها الرياضي والفيزيائي فلسنا ننتظر من نظريات الإعلام والاتصال ذات الصبغة الانسانيّة والاجتماعيّة أن تسعفنا بأكثر ممّا كانت مرصودة له من دراسة الاعلام الجماهيري ضمن وسائله التّقليديّة، فإذا تغيّرت الموضوعات وتبدّلت الوضعيات بات من الحتميّ أن تستجيب لها السياقات المفهوميّة والأطر النظريّة بالتّغير قصد تحقيق مقدار من الانسجام والملاءمة.

    وبناء على تشخيص الوضع على هذا الوجه نقترح جملة من محاور الاهتمام الخاصّة بأحوال التّواصل الراهن ومجرياته وكيفيات تحققّه في ضوء وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة مواقعها والمتعدّدة منصّاتها (Gross-media)؛ وإذ نعرضُ تلك المحاور على بساط الدّرس والتدارس نقترح أن يكون التّطرق إليها في قادم الأيّام وفق المداخل العلميّة التالية:

- المدخل النفساني / الاجتماعي الذي منه يتسنّى للباحثين أن يتطرّقوا إلى موضوع الجمهور الجديد من حيث مظاهره وأصنافه ووظائفه ومن جهة ما يكشف به عن مدى اختلاف جمهور وسائل التواصل الاجتماعي عن نظيره في وسائل الاتّصال التّقليديّة فجمهور المستخدمين غير جمهور القرّاء والسّامعين والمشاهدين وسائر المتلقّين والمتقبّلين سواء من ناحية الأفعال وردود الأفعال الذّهنيّة والنّفسيّة والاجتماعية وما قد يرافقهما من حالات الإدمان والانزواء أو من قبيل التغيّرات الجذريّة في مستوى ما كنّا نعرفه من جمهور السّوق والدّعاية والإشهار وجمهور النّاخبين وجمهور الرّأي العامّ وكذلك ما يصطلح عليه "ه.هابرماس (Habermas) بالفضاء العام وهلمّ جرّا.

- المدخل الظواهري / الأنثروبولوجي: على أساس أن الإنسان الجديد بما أحاط به نفسه من هذه التّرسانة التّواصليّة الفعّالة قد تحول من مجرّد "انتربوس" (Anthopos) إلى "إنسان وسيط" (Homédiun) إذ هو الوسيط البشري باستحقاق الذي يحذق تشغيل الوسائط التقنيّة والوسائط الرّمزية في آن معا فغدا بذلك يمثّل ظاهرة استثنائيّة بوصفه مركز الثقل في الكون.

- المدخل الاتّصالي / التّواصلي الذي من خلاله يُتوقّع من معشر الباحثين والمهتمين أن يراجعوا ما في الأجهزة النّظرية والوسائل الإجرائيّة والمقاربات المتاحة في مجال الإعلام والاتّصال من محصّلات ونتائج لعلّهم يتوصلون إلى تحيينها وإكسابها من الكفاءة التّفسيريّة والقدرة الإجرائيّة ما به يستطيعون أن يطوّقوا هذه المناويل التّواصليّة والتّفاعليّة الجديدة ذات الخصائص المتعدّدة والوظائف المتكاملة وهاتيك النّماذج التّبادليّة والتّشاركيّة القائمة على أساس "التّخت المتناغم".

- أمّا المدخل اللساني / السيميائي والمدخل التداولي والعرفاني فنفضّل تأجيل طرحها في قادم الأيام بإذن الله تعالى./.