صناعة الثقافة الرقمية في ضوء "نسق البراديجم"

صناعة الثقافة الرقمية في ضوء "نسق البراديجم"
د. عبد القادر فيدوح
جامعة قطر

ملخص البحث
تعنى هذه الدراسة بالكيفية التي يمكن من خلالها ربط مجريات الأحداث الاجتماعية بما يتوافق مع معايير متطلبات العصر، هذه الأحداث والوقائع التي تبدو متسارعة، ومتلاحقة، من دون كابح، وهي السمة المهيمنة على الثقافة المعاصرة في جميع المجالات، وفي ضوء ذلك بات الخطاب الثقافي في شتى مساراته ملغزًا، بعد أن تفككت المفاهيم التي أصبحت تشكلها مكونات أفكار ما بعد الحداثة، وهذا يعني أن الثقافة بالمفهوم الكلاسيكي أصبحت غير مجدية.
ولعلنا ندرك أن موجة " المجتمع الشبكي
The Network Society " بدأت تخلق أساليب جديدة لأنماط حياة جديدة، بعد أفول "النموذج" فى الهويات التقليدية، وصعود هويات جديدة أصبح يطلق عليها [البراديغم Paradigme]، خاصة وأن ثقافة الجيل الجديد بلغت من التعقيد إلى أن أصبحت متعددة المشارب والمفاهيم، ومتفرعة إلى أطر تحكمها عوالم افتراضية، بفعل تكنولوجيا الاتصالات الرقمية تحت مسمى صناعة الثقافة، ومن ثمّ فإن ثقافة الجيل الجديد أصبحت مروبطة بكل ما هو رقمي؛ للتعبير عن الحياة اليومية؛ بوصفها الوسيط الذي من شأنه أن يجدّد الثقافة المشتركة بين الشعوب والأمم.

الكلمات المفاتيح
 ثقافة، المجتمع الشبكي، الهوية، المجال السايبري 

Abstract

This study is concerned with how the social events and developments that appear to be accelerating and successive without restraint can be linked In accordance with the requirements of the times. The feature of these events is dominating all the fields of the contemporary culture. After the concepts formed by the components of postmodernist ideas had been disrupted, the cultural discourse became enigmatic in all its different tracks. This means that the culture in the classical sense has become futile.

The "Network Society" wave has begun to create new ways of new lifestyles after the fading away of the "model" of the traditional identities and the rise of new identities, called the ]Paradigm[, especially, the culture of the new generation has become so complex that it has multiple stripes and concepts. Under the name of the culture industry, this culture is subdivided into frameworks dominated by virtual worlds because of the digital communication technology.  Thus, the culture of the new generation is now bound up with everything that is digital; to express everyday life; as the mediator that will renew the common culture of peoples and nations.

.Keywords: culture, paradigms, networking society, identity, communication, Cyberspace

1. الهويّة الثقافية بين المعمول والمأمول 

الإشكالية الأساسية في مشروع هذا البحث هي: كيف يمكن ربط الواقع الاجتماعي بالتغيرات المتماشية مع متطلبات الحياة اليومية التي فرضها نسق البراديجم الجديد بواجهة صناعة الثقافة؛ التي بدأت ترسم لها هويات جديدة، غالبا ما تستند إلى إلى ما يسمى بتتكنولوجيا المعلومات، أو جيل ثورة المعلومات، في مقابل مسمى الثورة الصناعية، ومن قبل مجتمع الثورة الزراعية.
ومن أبرز تغيّرات هذه المرحلة، ظهور المجتمع الشبكي
Network Society، وقد تعددت صفاته في مرحلة ما بعد الحداثة التي وصفها هيرمان كاهن Herman Kahn بأنها جيل "مجتمع ما بعد الاقتصاد"، في حين وصفها دانييل بل Daniel Bell بانها مرحلة "ما بعد الصناعي post-industrial، وهو الوصف نفسه الذي أطلقه ألان تورين Alain Tourineعلى المجتمع ما بعد الصناعي بأنه مجتمع مُبرمَج، تهيمن عليه قوة التكنوقراط Technocracy ، في حين وصفها أميتاي اتزيوني Amitai Etzioni بمرحلة "ما بعد الحديث" وأحيانا أخرى باسم المجتمع الاستهلاكي  The Consumer Society” وهو العنوان الذي اختاره Baudrillard  لكتابه. وقد بات ما يطلق عليه بالمجتمع الشبكي‏ يستمد ثقافته من عالم افتراضي ‏الذي ينشره نسق البراديغم  paradigm Système في منظور سياسة ما بعد الحداثة، والحياة اليومية المتجددة، ومن ثم فإنّ نسق البراديجم الجديد برسائله السياسية والاقتصادية والثقافية أصبح يؤثر علي قيم، وعادات وأساليب الحياة لملايين البشر الذين ينتمون إلي ثقافات تنافسية متنوعة، بعد التدفق الحر للمعلومات، وبعد أن أصبحت هذه المعلومات ضمن هوية المشروع المستقبلي الذي ينبغي الاستثمار فيه، كونه أصبح سلعة لقيمة مضافة ووسيلة عالية الجودة. لذلك غدت المعلومات نفسها سلعة رئيسة تنتج وتباع لمن يدفع أكثر. لقد أحدثت عديد التطورات التكنولوجيّة على امتداد القرن العشرين تغييرات جذرية في تقنية صناعة المعلومة المعرفية، منها على سبيل المثال، ثورة الأنفوميديا والثورة الرقمية، وثورة الجينات، وثورة الشيفرات الوراثية، واختراق الزمن، وابتلاع الضوء، وغزو الفضاء.
وإذا كان مركز العالم يتحول بدراسة محكمة، وبرؤى استراتيجية، إلى هذه الثورات المعرفية، فإن الفكر العربي يأبى الخوض في تجربة المشاركة في صنع هذه الثورات، ويلوح بمثابة الفكر الذي لا يشعر بقيمة فعلها المنجز إلا باستهلاك نتائجها، وما تحتويه من مضامين، تغمر الثقافة العربيّة بكلّ مرونة ويسر، ومن دون عناء يذكر. وقد ساعد على تأخر الفكر العربي، في جميع المجالات، إهمال العرب للغتهم، وعدم معرفة الترويج لها لقصور التفكير، والإصابة بمرض التعالم، واهتمام العقل العربي بالشيئية. فالحضارة العربيّة، في منظورنا، لم تقدّم ما يلزم للأجيال القادمة من وعي ثقافي للعالم الافتراضي في مجرياته السليمة التي من شأنها أن تسهم في صناعة الوعي الاجتماعي.
وبالنظر إلى أنّ الفارق الرقمي خلق فجوة بين الثقافات المتحضرة في صورة الآخر والثقفات المحلية في صورة الأنا، فقد تفاقم فارق الوعي المعرفي والثقافي، "وقد راج تعبير [الفارق الرقمي] بسرعة بحيث أنه دخل الأحاديث اليومية للإشارة إلى كل أشكال عدم المساواة في مجتمع الشبكة، ويُفهم تعبير الفارق الرّقمي في هذه الثقافات على أنه ظاهرة متعددة الأبعاد تشتمل على ثلاثة أوجه مميزة. يشير [الفارق العالمي] إلى الاختلاف في الدخول إلى شبكة الأنترنت بين المجتمعات الصناعية النامية، ويهتم [الفارق الاجتماعي] بالفجوة ما بين الإغنياء بالمعلومات والفقراء في كل دولة، وأخيرا ضمن مجتمع الشبكة ذاتها، يعني [الفارق الديمقراطي] الفرق بين من يستخدمون ومن لا يستخدمون غطاء المصادر الرقمية لتحريك الحياة العامة والمشاركة بها. (بيبا نوريس،
2006، ص 18).  

2. المجتمع الشبكي والهوية المعلوماتية

لقد أثبتت التجارب الثقافية أن المرء الذي لا يدرك مهارات الفارق الرقمي لا يمكنه أن يسهم في مواكبة التطور المعرفي، أو الحفاظ على هويته، أضف إلى ذلك أنّ تشخيص ملامح هذه التكنولوجيا لدى الفرد يكمن في توسع بُعد النظر، ومحو المجهول، وتثبيت المعلوم، وتقريب المقصود، بسرعة يصعب فيها على غير المستثمر للتكنولوجيا الرقمية، أو المتمكن من الكفاية الثقافية لها، إدراك الأشياء، في حين يسهل على المدرك لها كشف الحقائق والتعبير عنها بيسر، الأمر الذي يسهم في نمو معارفه وأفكاره في الحياة العملية والعلمية. كما أنّ الكفاية الرقمية تعتبر حصانة لحسن الطوّية، وضمان من أي ضرر يهدد المجتمع ويخل بالأمن الفكري على وجه التحديد بوصفه لبّ الجوانب الأمنية الأخرى، وخالصها، وخيارها في شتى المجالات سواء منها الثقافية، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو الاقتصادية إلى غير ذلك من دعائم المؤسسات الاجتماعية وسندها القوي، (عبد القادر فيدوح، رهانات اللغة العربية، الموقع الششخصي). وإذا كان للاستثمار في التكنولوجيا الرقمية القدرة على دفع الإنتاجية بقوة، فإنّ الاقتصادات المتقدمة التي هي في طليعة الثورة التكنولوجية قد تحتلّ مكانة متقدمة عن الآخرين وتحتفظ بتفوقها، (بيبا نوريس، 2006، ص 18)، وفي هذه الحال نعتقد جازمين أنّ اللحاق بالركب مشروط بتعزيز الهوية الوطنية أنَّى كانت. 
إنّه من قِصر النظر أن يتمّ الحكم على عجز الهوية الثقافية في عدم استيعابها مستجدات الحياة والمعارف، إذ العجز والقصور ليس في الهوية الثقافية، ولكن في أصحابها، لأنّ الهوية بأهلها، تموت بموتهم وتحيا بحياتهم. فالمجتمع هوّ الذي يُقدّم الزَّاد للهوية، وليس العكس، وبالتالي فالقضيَّة قضيَّة تعزيز مكانة الهوية الثقافية، ومن ثم فإن المسألة هي في جفاف العقل العربِي وجموده، كونه تعوّد على التَّعالم، واستسهال الأمور باللامبالاة، والاكتراث بالعلم والمعرفة، وهو ما أفقد المجتمعات العربيّة الرضا في كل شيء، وزجّ بهم إلى تجاهل مطالب التزوّد بتكنولوجيا المعلومات والمعارف، حتى ساد الاعتقاد في العديد من الأوساط العربيّة أنّهم جهلاء فعلا، مع أن الحقيقة غير ذلك على وجه الإطلاق، بدليل مجرد ملاحظة هجرة الأدمغة العربيّة إلى كلّ من أوروبا وأمريكا على وجه الخصوص.

3. ثقافة الاتصال، الفضاء الإشكالي 

لعل التغير فى مسار صناعة الثقافة، أو ما يطلق عليه بعالم الفارق الرقمي، أصبح يتكون بخلاف ما كانت تحكمه الهويات الثقافية للأقطاب والشعوب المتنوعة فى الحضارة الكونية، بوصفها ثقافات حضارية متماسكة، وهو ما أشار إليه كثير من الباحثين وبخاصة صموئيل هنتنغتون  Samuel Phillips Huntington فى كتابه: صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي عام 1996، ومن قبله فرنسيس فوكوياما  Francis Fukuyama، وغيرهما من الباحثين الذين أشاروا إلى صدام الحضارات، وإعادة رسم هويات هذه الحضارت، منها على وجه الخصوص(الصينية، واليبانية، والهندية، والعربية الإسلامية، والإفريقية، وأمريكا اللاتينية، بما فى ذلك الهوية الغربية نفسها)، وأنّ ما ستئول إليه هذه  الحضارات هو أزمة هوية  كونية، بحسب تعبير Huntington، أزمة يبحث فيها الفرد، أيّا كان، وأينما كان، عن هويته من خلال سؤال مركزي: كيف يمكن تأكيد هويتي فى ظل هذه الأرجاء اللامحدودة لفضاء المعنى المنفلت، وإفلاس الحقيقة؟ وهل وجودي الثقافي مرهون بتفردي وانفصالي، أم مقرون بصياغة هوية الآخر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي هزت كيان الذات فى هذا الكون، وأثارت فضولها فى السعي إلى الرغبة فى حماية نفسها من مجهول "تصنيع" الثقافة المعلّبة، وتصديرها.
من هذا المنظور، أصبحت الذات فى أمسّ الحاجة إلى تعزيز ثقافتها فى الوجود، وهذا يعني أنّ محاولة تأكيد صون التأصيل المنجلي أكثر فى القيم المكتسبة، بات ضروريا فى مقابل المد الثقافوي
culturalisme فى افتتانه بتفصيل ثقافة جديدة وتفننه فيها، لخلق هوية جديدة، يحكمها  الاستهلاك بالتجارة المربوطة بتخطي الحدود، وتسويقها، بخاصة، إلى الثقافات المحلية، من فضاء منتوجات وحشية الرأسمالية الجديدة عبر الحاويات conteneurs وشعارات الصورة الدعائية المدهشة التي أصبحت تهدد كيان الثقافات المحيطة Les cultures périphiriques بشكل عام، وحوّلت كل شيء إلى ثقافة تسلية، مدفوعة الثمن، وخلق تجارة ثقافية بوصفها شبكات ذات مغزى، موجهة إلى الثقافة الفرعية الدونية sous-culture بغرض خلخلة هويتها، "وعند هذا المنعطف تنجز صناعة الثقافة الرأسمالية انتقالها إلى رأسمالية ثقافية تامة النضج، مستحوذة، ليس على المعنيين بالحياة الثقافية والأنماط الفنية للتواصل التي تنقل نتاجهم وحسب، بل على التجارب الحياتية أيضا.  وهذا ما أشار إليه ألفين توفلر Alvin Tofler حين قال:"إن صانعي التجارب سيشكلون فى نهاية الأمر قطاعا أساسيا إن لم يكن القطاع الأساسي للاقتصاد...(وعندها) سنكون أوّل جيل فى التاريخ يستخدم التكنولوجيا المتقدمة لصناعة أكثر المنتوجائت سرعة فى مرورها، رغم أثرها الدائم، ألا وهي التجارب الإنسانية (جيرمي ريفكين: 2009، ص 269). وهو ما أفرز أزمة هوية عميقة فى الذات المرتهنة بالظلامية فى خضم تراكم الإحباطات، والهزائم، والانتكاسات، وكثرة العلل، وزرع الفشل، في المنظومة الثقافة العربيّة والتعليمية بالخصوص، المسئولة عن تكوين أجيال مكسورة، ومنصهرة فى ثقافة مشوهة وهجينة من دون مسوغ أو شفيع، "وفى هذا الجو من الإخفاق الحداثي من جهة، وانكشاف الهامش المابعد حداثي من جهة أخرى، جاءت الهويات؛ وهي معنى ثقافي جديد، وهو جديد كمصطلح، وجديد كمعنى، ويمكن حسبانه على ما بعد الحداثة كأحد سماتها الأساسية (عبد الله الغذامي، 2009، ص45). 
ويُعدّ الحديث عن موضوع صناعة الثقافة الجديدة حديثا ملتبسا إلى حدّ ما، ومفهوما مفتوحا، بالنظر إلى ما تحمله دلالة هذا المصطلح من تشعب فى الطرح، وتنوع فى الانتماء، سواء من الناحية الدينية، أو القومية، أو العرقية، أو الاثنية، أو حتى فى بعض الخصوصيات اللغوية والمعرفية، أو فى أنماط الحياة، إلى غير ذلك من الظواهر التي تربط الإنسان بالانتماء المزدوج فى هويته المركبة، بما فى ذلك عدم الانسجام داخل كلّ فرد فى خياراته المتعددة أحيانا، وفى خصوصية انتماءاته المضطربة، والمثقلة بالهواجس والريبة فى أحايين كثيرة.
ووثبا على الجهود المبذولة لمفهوم صناعة الثقافة الجديدة من المفكرين والفلاسفة، كل بحسب رغبته فى الدفاع عن انتمائه، أو طريقة تناوله لهذا الموضوع العسير منذ مقولة سقراط الفلسفية الشهيرة [اعرف نفسك بنفسك]، ومنذ طرح سؤال الفكر اليوناني عن ماهية الوجود، وتحديد الحق على أنه [ما يكون هو ذاته بما هو ذاته]، ومرورا بالصورة الروحية التي يقبض عليها الإنسان لمعرفة ذات الجلال فى ذاته، من خلال القول المنسوب إلى الحديث: "من عرف نفسه عرف ربه"، وصولا إلى البحث عن هوية الذات فى الفلسفة الحديثة التي نجمل رؤيتها فى مقولة هيدغر
Heidegger:" كيف يجب أن نكون نحن أنفسنا، والحال أننا لسنا نحن أنفسنا؟ وكيف يمكن لنا أن نكون أنفسنا، دون أن نعرف من نكون، حتى نكون على يقين من أننا نحن الذين نكون" (هيدجر،2001، ص5).
وتجاوزا لتلك الانزياحات العديدة التي مر بها مصطلح الهوية انطلاقا من "[هو] نحوي إلى [هو] منطقي، إلى [هو هو] أنطولوجي، ومن ثم إلى [هوية] أنطولوجية فى الفلسفة العربية الكلاسيكية، إلى [هوية] أنثروبولوجية وثقافية فى نظام الخطاب السوسيولوجي ـ التاريخي ـ اللاهوتي المعاصر" (فتحي المسكيني،
2001، ص 9.
وثبًا على كل ذلك، فإنّ رهان الفكر العربي، فى هذا المقام، ينبني على تناول موضوع صناعة الثقافة من منظور إمكان معرفة الذات بوصفها مصدرا للتواصل مع الوجود فى جميع أشكاله.
وإذا كانت الصناعة بهذا المنظور الذي رسمته تكنولوجيا المعلومات، فكيف استطاع المنظور الثقافي العربي نقل هذا المصطلح من معناه الأنطولوجي إلى معناه الأنثروبولوجي الثقافي، والدراسات الثقافية على وجه التحديد؟ وكيف يمكن للبحث أن ينمي هذا المصطلح وفق ما تستجيب له هيمينوطيقا الهو
Heméneutique de Soi، بكل ما يحمله المعنى من فضاء تأويلي يتناسب مع راهنية المسار الفكري، والمعطى الايديولوجي؟ وإلى أي مدى استطاع مصطلح صناعة الثقافة أن يحرّك الفضاء الإنساني من هواجسه بوصفها منبعا للرؤيا، وخوضا فى التجربة؟ وقبل ذلك ما الذي يعني الفكر العربي من هذه الصناعة بعد تداخلها مع مجموعة من الخطابات والمفاهيم الحديثة، والتواء بعضها فى بعض؟ 
 لعل فى كل هذا، وغيره من الأسئلة، ارتأينا أن نستقصي مسار صناعة الثقافة من منظور "كونية الاتصال" فى ظل المجتمع الشبكي و"التكنولوجيا الرقمية"، وعلاقتها بالذات، وبالآخر، وكيف تعيد تأسيس نشاطها فى النص، وقبل ذلك كيف تصبح الهوية علامة دالة عليها، وفق فاعلية الرؤيا وفاعلية الإنجاز. وبتعبير أدق كيف تنخرط الهوية فى الواقع المعمول، حتى يتحقق فعل الذات فى صلتها بالوجود المتعدد الأنساق، ويتحقق فعل المطابقة بوصفه معيارا لكل أنماط الحياة اليومية فى ثنيات متعددة تحدّد علاقة الذات بالتأمل بصرا وبصيرة. وفى هذه الحال سوف نميل عن جادة من ينظر إلى الهوية تاريخيا، أو فلسفيا، أو اجتماعيا، أو أنثروبولوجيا ثقافيا، وأبعد ما نكون مع من يفسر الأسباب والدوافع المحاطة بمعاني صناعة الثقافة فى جميع أشكالها المعرفية خارج نطاق الذات فى علاقتها بالكون وبالآخر، وتواصلها مع المحيط. كما نحاول أن نبحث فى مساعي صناعة الثقافة عن المساهمة فى إعادة بناء مسار الذهن الذي باتت ترسم ملامحه مستجدات العصر ومستلزمات" إعادة بناء الافتراضات الأولية الكليّة للمعايير والقيم"(
Heidegger; 1985, p.177)، هذه الافتراضات التي تقودنا إلى البحث عن الذات فى منظورها الفينومينولوجي. 
وفى خطاب أكثر حداثة، وأكثر تجاوبا مع العصر أصبحت لدينا ثقافات متعددة تتداخل مع مجموعة من الحساسيات والمفاهيم والأذواق، وأكثر من ذلك " أصبح لدينا خطاب نفسي للذات، خطاب يبدو شديد الشبهـ بالمرجعية السابقة، حيث فكرة الاستمرارية، والاستقلال الذاتي، والجدل الداخلي العميق النامي والمتفتح للشخصية. نحن لم نكن أبدا هناك، لكننا دوما فى طريقنا إليها (إلى هويتنا)، ومن المفترض أننا عندما نصل هناك، سوف نعرف، أخيرا ـ وبمنتهى الدقة ـ ماهي هويتنا؟ من نحن، تحديدا"(ستيوارت هول،
2001، ص72).  
وإذا كانت صناعة الثقافة لا تنتج حقيقة مطلقة، أو تبحث عنها، فإن نظيرتها "الهوية" هي ملتقى وسيط كل المعارف، تزيد من تأكيد حقيقة القيمة فى الذات، غير أنّ بناء كل قيمة ثقافية مرهون بالتحوّل وفق ترتيبات خاضعة بالضرورة لنتاج الثقافة الجديدة، أو داخل صناعة الثقافة العالمية فى تأثيرها الفعال على الثقافة المحلية، بما فى ذلك ثقافة الأطراف، الأمر الذي يجبر الثقافة المحلية على الانعطاف عن كل ما هو جوهري فيها من ثوابت على النحو الذي قنّن له أفلاطون، مثلا، حين أنكر تغير الأشكال الجوهرية، فى مقابل التصور الوجودي الخاص للهوية التي تحمل سمات التغير بشكل مذهل وبلا كابح.
 على امتداد العقدين الأخيرين، بعد أن أصبح "المشهد المدهش" مما تثمره التكنولوجيا الرقمية يصنع بناء هوية، بل هويات جديدة قوامها "أن الفورية المباشرة للأحداث، والطابع الحسّي للمشاهد هي المادة الخام التي يتشكل منها الوعي" (دفيد هارفي،
2005، ص 78). وفى هذه الحال، فإننا معنيون فى هذا البحث بالكشف عن مدى تغير الهوية إلى براديغم جديد بالنظر إلى المؤثرات المتنوعة التي غالبا ما تميل إلى تجريد المجتمعات من القيم وتقوض أنظمتها الثقافية. كما أننا معنيون بالكشف عن مدى انحسار مساحة الوعي لدينا فى تعاملنا مع هذا البراديجم الجديد من منظوره المعرفي الذي يدل على معنى الذات Sujet المتواصلة.
وبما أنّ طبيعة الذات متعددة المشارب، فإن ميولها غالبا ما تمنحنا الإحساس باكتناه ما بداخلها من عمق فى التصورات، بوصفها مصدرا مرجعيا للتأمل، وما ينتابها من شعور يغذي الوجود النفسي بما ليس على قيد، ولا وثاق، أو فى توقها إلى الوجود الأسمى، أو تواريها فى أحلامها المجهضة، أو من خلال ظروف قد لا تكون نابعة من اختيارها، سواء تعلق الأمر بالذات الفردية [المستلبة]، أم بالذات الجماعية [المتشظية]، حتى أنه "لم يعد ممكنا أخذ استلاب الفرد بالمعنى...الكلاسيكي، إذ إنه لتكون الذات مستلبة، يجب أن تكون أولا متماسكة متجانسة، وليس مجرد أجزاء أو شظايا، كما هي فعلا، وقدرة الفرد واقعيا على متابعة أموره فى الزمن أو تفكيره بمستقبل له، أفضل بكثير من حاضره ومن ماضيه، إنما هي ممكنة فقط بفضل شعوره بمركزية ذاته أو هويته"(دفيد هارفي،
2005، ص77) الفردية فى نزوعها إلى التحرّر مما تراه قيدا، فى ظل وجود تحكمه الهشاشة فى كل شيء، وأصبح يفقد مكوناته المكتسبة، ويحاول أن يستبدل قيم الحاويات وثقافة "رمي كل شيء" بحسب تعبير Alvin Tofler بالثقافة التليدة، والقيم النبيلة، رغبة فى الوصول السريع، وبتوصيل خدمات مظاهر صناعة الثقافة الرقمية الجديدة، بوصفها قيمة مضافة للتحسينات على حساب خدمات المعارف والأفكار، كما لو أنّ تسويق الثقافة المعلبة التي تنظم وعينا بكل ما هو محسوس، أصبحت تؤسس لهويات جديدة، تحول كل ما هو هش وشكلي إلى هوية ثقافية جديدة متعدّدة، وغير متجانسة فى جميع هويات البشرية، بما فيها الهويات التي تدعي أنها عظيمة فى كثير من السرديات الغربية التي وصفها ستيوارت هول Stuart Hall بأنها لم تكن ثابتة وراسخة، "وإذا كان لتلك الهويات العظمى علاقة بهويتنا الثقافية والفردية، فإنها لم تعد تمتلك الفاعلية الاتصالية والبنائية، أو قوة الرسوخ التي كانت لها من قبل، بحيث تسمح لنا بمعرفة من نحن بوضوح، بمجرد أن نضيف مجموع أوضاعنا إلى العلاقة بهذه الهويات. إنها لم تمنحنا شفرة الهوية كما فعلت فى الماضي" (ستيوارت هول، 2001، ص 76). 
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الهوية الغربية، فما عسانا نقول عن الهويّة العربية الإسلامية التي بدأت تخسر استمرار تواصلها التراتبي من يقين الإرث المرجعي، ودخلت فى رهان مع اللامتناهي في تكنولوجيا الثقافة الرقمية التي تحاول أن تخلق بديلا لكل ما هو ثابت وقار، والدخول فى غمار المجهول بكل ما يحمله من صفات الغربة والغرابة، وحالة التفكك النيتشوي.

4. الثقافة الناعمة: غنيمة الاستلاب
يبدو أن الواجس خيفةً من تقلبات صناعة الثقافة الرقمية الوافدة، أحدث شرخا فى مكونات الذات، إلى الحد الذي غير من المدركات الملازمة للمستجدات التي تقتحم كياننا، وسط محيط يتحول بسرعة فائقة، ويعطي ظهره للمبادئ اليقينية. الأمر الذي أسهم فى فقدان توازن الهويّة العربيّة الإسلاميّة، بخاصة بعد أن أطلت علينا الألفية الثالثة باقتحام وعينا، اجتماعيا وثقافيا في ضوء نظرية رونالد انغلهارت Ronald Inglehart "ما بعد المادية" التي رسخت مقولة انتشار ثقافة النزعة الفردية بمحاولة إعادة تكوين المجتمعات بطريقة راديكالية، تسعى إلى الوصول بكل ما تملك من وسائل اقتلاع جذري، وبسرعة، من منظور المصلحة والعقلية النفعية، وذلك بعد تدفق المعلومة الوافرة والمتراكمة، بخاصة المجلوبة، مما يطلق عليه بالمجال السايبري Cyberspace  الذي بات يسهم فى توليد جيل جديد، تحكمه شبكات افتراضيّة عبر نظم تكنولوجيا المعلوماتية، ويشكّل جسرا لعبور أفكار تتجاوز مركز المكان المحدود، ويحوّل التصورات الثابتة إلى تصورات متداولة. وقد باتت تأثيراته أعمق على البنية الأنطولوجية بتوسع المفاهيم والكيانات، ناهيك عن استثماره فى تنظيم شبكة بيانات المعنى Le Web sémantique، والربط بين العلاقات ذات المعنى بإشراك المتصفح، رغبة فى إنتاج المعنى الدلالي المراد له.
     وقد أحدث هذا المجال ثورة فى فضاء المعلومات، ورجة عنيفة تجاوزت هزة ثورة كوبرنيك ـ وصار العالم يسير"سيرا أعمى ما فتئت عجلته تزداد سرعة، ويحرك الكوكبة الفضائية [الأرض] أربعة محركات مرتبطة بعضها ببعض، وهي العلم، والتقنية، والصناعة، والاقتصاد الرأسمالي (...)، وإن هذا المحرك الرباعي هو الذي يحرك كوكبنا الذي فقد توازنه (...) [ وبالإضافة إلى ذلك] يمكننا أن نتصور [أن هناك] تطورا متصلا بالذكاء الاصطناعي وبالتنظيم الآلي يتيح للآلات تنظيم نفسها ذاتيا؛ أي الإصلاح الذاتي، وأخيرا التكاثر الذاتي الذي تنبأ به تورنغ 
Turing "(إدغار موران،2009، ص285). والذي أصبحنا نعيشه اليوم مع عالم البوابات الإلكترونية ومحركات البحث، والتحكم فى المواقع من خلال الشبكة العالمية  World Wide Web، وغيرها من محركات المجتمع الشبكي. وفى هذه الحال لا يمكن فصل النص/الواقع عن الكون، أو المتلقي عن الفضاء فى اتساع مداه الواقعي والافتراضي. وبهذا المنظور تكون معايير المعرفة والإبداع فى الساحة الثقافية قد تحولت إلى جذمور Rizoma من دون كابح، ومن دون توجيه سليم.  
 ولعلنا ندرك أن موجة "المجتمع الشبكي" بدأت تخلق أساليب جديدة لأنماط حياة جديدة، بعد أفول "النموذج" فى الهويات التقليدية، وصعود هويات جديدة أصبح يطلق عليها [البراديغم
Paradigme] بوصفه نسقا ثقافيا يمليه استيعاب تجارب أنماط الحياة اليومية التي رسخته صناعة الثقافة الرقمية، وإعادة هيكلة هذه الحياة بحسب مستجدات ما تمليه هذه الثقافة، يوحدها اهتمام مشترك بين الثقافات والأمم فى رؤية مركزية هي السوق بنظامه الاستهلاكي، المربوط بتشتت الأذواق، عن كل شيء، عند الحاجة إلى أي شيء، وليس أدل على ذلك من مجمعات الأسواق الاستهلاكية المنتشرة كالجذمور فى مجتمعات المعمورة " وفرط السوق هو بمثابة نواة لا تبتلعها المدينة الحديثة، فهو الذي يقيم مدارًا يتحرك حول المجتمع السكاني، ويلعب دور مزدَرَع Implant لتجمعات جديدة كما تفعل أحيانا الجامعة أو المصنع... مصنع التركيب الآلي ذي التحكم الإلكتروني؛ أي المطابق لوظيفة أو لسلكة عمل غير مرتبطين بمحيطهما بالمطلق مع هذا المصنع، كما هو الحال مع فرط السوق" (جان بودريار،2008، ص144) كأسلوب حياة جديدة، ينبغي الاحتذاء بمقتنياته ذات المواصفات الإشهارية، ومتابعة مستجدات الصرعات العالمية، فى آخر ما أنتجته الشركات المتعددة الجنسيات، ومجاراة لهذا النسق صار الجيل الجديد يتولى ابتكار معانيه عبر اكتشاف الرموز الجديدة.
ويُعدّ البراديغم المقصود فى هذا المقام تحدّيا أكبر لثقافة الاستهلاك فى كل شيء بعد أن تمرّد على كل ما هو منظم، وموحّد، ومنطقي، فى مقابل مستلزمات التواصل الشبكي من تدفق المعلومات، وخلق فضاء افتراضي، والملتمس الوصول باقل مسافة (زمانية/مكانية، ومادية /معنوية). ويعني ذلك استبدال تعظيم الذات، وانحلالها، بفقدان توحدها مع المحيط، وخلق براديغم مقابل أفول المرجعيات الأساسية الكبرى، وتعويض اليقينية بالنسبية التي ترفض تسليم رأي أحدهما برأي الآخر مهما تعززت أدلته، واستبدال انفلات المعنى بالسعي إلى المقاصد الغائية. وقد كان لثورة الاتصال والمعلوماتية الدور الكبير فى إحداث مجموعة من التحولات المترابطة، كلها، فى خلق فضاء افتراضي يهندس للوعي الجديد فى كل مجالات الحياة اليومية، وهو ما أثر تأثيرا مباشرا على الأنساق المعرفية التي باتت محكومة بالبراديغم، تتعامل معها المعلومة كمسلمة بحسب تعبير توماس كون
Thomas s. Kuhn، فى كتابه "بنية الثورات العلمية" وأنّ كلّ شيء خارج البراديغم يُعدّ مشكوكا فى نتائجه، وموضع مساءلة، انطلاقا من أنّ أيّ شيء يظهر فى الوجود يكون له أتباع، ويمكن أن يكون جزءا من البراديغم.
لذلك أصبح ما تقدمه صناعة الثقافة الجديدة من صرْعات الموضة، المرهفة الحواس، نموذجا جديدا ينبغي تقليده، بوصفه خيارا جديدا، بديلا عن النموذج التقليدي، وجسرا بين الثقافات، يربط المحلي بالعالمي، والذات بالآخر فى تكوين ثقافة جديدة تؤسّس لهوية جديدة، أو براديغم جديد؛ لإرشاد المستهلك/المتلقي إلى معنى اختيار ودلالات ما يعرض عليه من تجارب جديدة، العابرة للقارات. أضف إلى ذلك أن نظام السوق لم يعد مقتصرا على عرض خدمات وسلع، بقدر ما ظل يعرض أفكارا ودلالات، تجاوبا مع خلق نمط جديد، لهويات جديدة، وبثقافات مدروسة، تقوم على اعتبارات جمالية ذوقية؛ لإغراء المستهلك المرتبط بالعالم الافتراضي، وليس بالعالم الواقعي، وأنّ رغبته مشحونة بالاقتناء حتى لو كان ذلك بومضة النظر فيما يشاهده من رموز تحرك مشاعره التواقة إلى التجديد برؤية أفكار ما بعد الحداثة.
ومن هنا كان للمجمعات الاستهلاكية (السوق) التأثير البالغ على الثقافة المحلية، وبوابة لإشاعة الأذواق الجديدة، وإزاحة الحجب عن مشاعر قيم الحشمة، حيث كل شيء فى السوق يختلف عن متطلبات الجيل السابق. وقد لا نستغرب هذا الدور من السوق حين نعلم أن جميع أشكال التغيير تبدأ من تغيير الذائقة بجميع حواسها، ومنحها ما يليق بها من مطالب تفرضها المستجدات؛ الأمر الذي دفع نسق السوق إلى أداء دور المخلص، والمنقذ، لأحلام الشباب الوردية، وقد عرف السوق كيف يجمع بين الربح والتغيير الثقافي، وأتقن بمهارة مدروسة كيف يجذب إليه كل الأذواق. 
لقد أصبحت ثقافة التسوق نمط حياة، وبقدر من التأمل ندرك أن جيلا جديدا أصبح يتشكل على وجه الكرة الأرضية من ثمار صناعة الثقافة في عصر النسخ الآلي، إنه جيل "مجتمع المشهد" وهو المجتمع الذي عبر عنه جان بودريار بمجتمع (فوق الواقع، أو الواقع المتعالي
Hyperréel) كونه يعيش الحقيقة التي تخفي عدم وجود الحقيقة، ويحاول أن ينفي الواقع الوجودي/ الملموس. وفى ظل هذا الواقع المتعالي الجديد ليس لنا إلا أن نستسلم لما تستحوذه علينا حالة التغير الشمولي فى جميع العلاقات الثقافية والمعرفية والاجتماعية والاقتصادية. لم يعد المجتمع فى عصرنا الحالي يعتمد على تعزيز الروابط، وتمكين الأواصر، وتوطيد النفوس على حب الخير، وتحقيق المنفعة العامة. أضف إلى ذلك أنه مع تنوع الخدمات تلاشت العلاقات، ومالت إلى طبيعة كلّ ما هو عابر، ولا عجب فى أن يصف جيرمي ريفكين Jeremy Rifkin فى كتابه"عصر الوصول" The Age Of Access المجتمعات الحديثة بأنها باتت تقاس بالخدمات الترفيهية، وأن قيمتها تتوقف عند الرغبة فى سرعة الوصول بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي غيّر مبادئها، وأتلف هويتها، وحول اتجاهاتها الثقافية إلى بوصلة أوقعتها فى معايشة الوهم وإشباع الخاطر العابر. 
إنّ ما هو سائد فى حياتنا هو مصادرة القيم، بجميع أشكال هوياتها التقليدية، فى مقابل مبايعة السوق [المجمّعات]، وفاءً لإشباع الرغبة الجموحة فى الانقياد وراء الأهواء، بعد أن تحولت حياتنا إلى سلع، وأصبحنا مربوطين فيها بكل ما هو تجاراتي  
Commercialité.
وإذا كانت هذه الأسواق قد جلبت لنا ما لم يكن يتصوره العقل قبل عقد من الزمن على أقل تقدير، من أحدث سبل الاتصال والتواصل، ووفرت متطلبات الرفاهية؛ لتأمين سعادتنا بفعل انتعاشها باستمرار، فإنها بالمقابل أصبحت مبعثَ قلق من هوس الاقتناء برغبة متلهِّفة، ومن دون رقابة، بما فيها الرقابة الذاتية، بعد أن صار التسوق، بجميع قيمه ومستوياته، يتحكم فى حياتنا، ويجبرنا على تسلل أيادينا خفية إلى مصدر مدخرات وقت الحاجة، لإشباع مهمة الشراء المفرط، حتى أصبحنا نقاس بمظاهر ما نملك، وليس بالكيفية التي تجعلنا نستجيب لحاجاتنا الضرورية. 
ولعلّ المتأمل فى حياتنا الاجتماعية المضطربة، يدرك أنّ ثقافة الاستهلاك في صناعة الثقافة، باتت تهدد هوية الشعوب، وتبدّد حدود العلاقات الإنسانية، وتخلخل المقومات الاجتماعية، وهو ما قد يؤكد، بنظرة استشرافية ـ تمخضها لتلد كائنا بشريا غريبا فى أطواره، عجيبا فى أمزجته، قلقا فى تصرفاته، خاصة عندما يصبح السعي إلى "الوصول" هدفا، ونمط حياة، مع جيل الشاشات المرئية، والصورة الإشهارية، وهو ما أطلق عليه دفيد هارفي
David Harvey بالتراكم المرن الذي أصبح فيه المجتمع يوصف بـ [ رمي كل شيء]، ولعل "ذلك يعني أكثر من مجرد رمي سلع مستهلكة ( وما يتبعها من تراكم فضلات)، بل هي أيضا القدرة على رمي القيم، وأنماط العيش، والعلاقات المستقرة بعيدا، ورمي الألفة مع الأشياء، والأبنية، والأمكنة، والناس، والطرائق الموروثة فى السلوك والكينونة(...) ومن خلال مثل هذه الآليات (التي بدت شديدة الفاعلية لجهة تسريع عائد السلع فى الاستهلاك) بدا الأفراد ملزمين بالتأقلم مع ما هو جاهز للاستعمال، جديد باستمرار، وآيل فى كل لحظة إلى الزوال"(دافيد هارفي، 2005، ص333). وإذا كان التسوق فى مجال الاستهلاك المادي مقبولا؛ لظروف حتمية، فإن ما هو غير مقبول، أن تكون ثقافة الشعوب بجميع مكوناتها سلعة مدفوعة الثمن نتسلى بها، بغرض تأمين الوصول السريع الذي من شأنه أن يغذي نشوة النصر بالتملك، والسعادة بالتميز ليس إلا. 
إن الفجوة الثقافية لجيل (البوابات
WWW، أو كما يطلق عليه جيل دوت كوم dot.com) تصاحبها فجوة معظم مؤسسات المجتمع المدني فى بلادنا العربية على وجه التحديد وعلى رأسها الأسرة، بعد أن تمت مصادرتها هي الأخرى؛ لتندمج فى [الخارج] من مقصد السوق بجميع أطياف مكوناته، على حساب [الداخل] الذي كانت تراعي فيه هويتها، وبصورة أدقّ تحولت الأسرة فى علاقاتها من سند [الاعتبار] فى تعزيز تجربة العبرة والموعظة، إلى فصل العلاقات بعضها عن بعض من سند [الافتراض]، وهو ما أثّر سلبا على نمط الخطاب الاجتماعي، ناهيك عن السلوك الثقافي فى خلق ذوق جديد، وأسلوب حياة جديدة. ولكن، رب قائلٍ يزعم: وما عساك تقول فى هذا التطور الهائل بالأدلة القطعية لما نراه فى اتساع مدى ازدهار وسائل التنوع الثقافي، وما تثمره التكنولوجيا الرقمية؟ وهل لك أن تبرر أهمية المنفعة منها، من عدمها؟ أم أن عقولنا معميّة، وغير قادرة على تمييز الصالح من الطالح. إن جميع الفرضيات الاحتمالية والحقيقية تشير إلى تشجيع تعميم الفائدة من وسائل تكنولوجيا المعلومات، وما تحدثه من تحوّل كبير لإنعاش الرأي العام وتوعيته، وإكساب الذوق الرفيع، وتنمية المهارات الثقافية، عند التعامل معها بما تهدف إليه المصلحة العامة، والفائدة المشتركة، والقيم المتبادلة.

5. صناعة الثقافة: إنتاج السطح الوامض

إذا كانت الهوية التقليدية ترى أن البراديغم، (هوية الجيل الجديد، ونحن فى هذا المقام لا نقصد الجيل التوليدي Generation génératif الذي يسعى إلى الخلق الإبداعي، وفق ما تمليه عليه القواعد المعرفية السليمة، وإنما نقصد ما يطلق عليه فى قاموس الشباب بجيل Y)، فى أنساقه الثقافية الجديدة، ثمرة معايير أفكار ما بعد الحداثة، الآخذة بالصعود فى كل مرافق حياتنا اليومية، وأنها تشوّه الذوق الرفيع، وتعمل على عدم الوثوق بالمبادئ، فإنّ هذه الأخيرة ترى فى الأولى أنها متمسكة بالضمير الجمعي الواهي الذي لم يعد له مفعول فى الحياة الجديدة، وأنها لم تعد تقوم بدور الإنتاج الوظيفي فى علاقة الإنسان بالمحيط، وأنّ كلّ ما فى وسعها القيام به لا يتجاوز الالتزام بمعايير المثالية الضابطة؛ لذلك ينبغي، فى نظر أنصار براديغم صناعة الثقافة الرقمية، إعادة بناء تكوين الركيزة الذهنية التي تستند إلى الافتراضات بوساطة ثقافة وامضة تنبثق من الواقع، ومن جميع الفضاءات العمومية التي تسع مدار المطالب بأفق مفتوح، وتُفرد بمضامين حياتية وفق توجيهات التواصل الاجتماعي بوصفه فضاء مشتركا يعنى بتأثير المجتمع على الحياة اليومية، بخلاف اجتماعيات المعرفة التي باتت تعنى أكثر بتأثير صناعة الثقافة الجديدة على المجتمع.
وإذا كانت الثقافة الجديدة، بغاياتها، ومضامينها، ظاهرة تواصلية، وعنصرا مهما من ماهية الجيل الجديد، وموسومة بهوية ذويها، فإننا نعتقد أنّ كل ذلك يُعدّ انسلاخا من مرتكزات الهوية، وتحولا عن منزلتها، ومن سياقها الحضاري. إذا كان الوعي بالمنظور المعرفي لدى المتمسكين بالأصالة، فإنه فى سلوكيات أنساق الثقافة الجديدة على غير سمْت، ويعتقد أنصاره أنه ما دام كل نسق دال مرهون بالوعي فإنّ تحوّله مرتبط بمستعمليه، كون الوعي المعرفي تعبيرا عن كلّ ما يصدر منا، وهو ما تتناوله الدراسسات العلمية بالتفصيل، انطلاقا من أنّ كل شيء دالّ بحاجة إلى وعي يعبّر عنه. ويُشير في هذا المضمار رولان بارت
Roland Barthes إلى أنه من الصعب جدا تصوّر إمكان وجود مدلولات نسق، صور، أو أشياء خارج الوعي الثقافي الجادّ، وبلغة رصينة، بحيث إنّ إدراك ما تدلّ عليه مادة مّا، يعني اللجوء قدريا، إلى تقطيع اللغة، فلا وجود لمعنى إلاّ لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة المؤطرة". (Barthes, R, 1964, p.80). 

إنّ فقدان الهوية اليقينية أو التقليدية، فى ظلّ أنساق البراديغم، والبعد الثقافي الجديد، جعل الوعي التواصلي، الذي من شأنه أن يحقّق الإجماع، والتفاهم، والحوار، ينحسر فى كلّ ما هو سريالي صوري، ينقصه النظام والمُنَطَّق، ومكبل بمصادرة الموقف، وضعف الصريمة، كما أخضع هذا النسقُ الجديد الوعيَ إلى المسلمات الواردة من تعدّد الروافد، إمّا فى شكل الحاويات، أو فى شكل ثقافة العولمة المعلّبة فى المسمّيات الفكرية، والسلوكيات المحتذى بها، الأمر الذي أفقد المعنى الذاتي هويته، وتلاشت فيه صور الدفاع عن التفكير العقلاني. 
ولا شكّ فى أنّ لتوجهات الثقافة المجلوبة دافعا بالغ الأثر على ما أصاب الحياة الاجتماعية منذ العقد الأخير من القرن الماضي من تحوّل، وانفلات فى مسار التفكير، والإبداع، ولغة التواصل؛ الأمر الذي سبّب ميلا عن الغايات فى مضامين الهوية من حيث المبادئ، والانحراف فى كل السبل، والفساد فى القيم، والضلال فى التصور، والعي فى التعبير، بما لا يفيد المعنى فى الوجه المراد، ممّا سبّب سماجة فى الذائقة السليمة، وميلا إلى الشك فيما أطلق عليه فرانسوا ليوتار بالسرديات العليا، أو ما وراء السرديات الموروثة،  
Grand narrative أو. Meta-narrative وينطبق هذا الانفلات والتحرّر من ضوابط الثقافة الأصيلة حتى على المبدعين ومستعملي اللغة الراقية، لغة الخطاب الرسمي. 
لقد جاءت أفكار صناعة الثقافة الجديدة التي رسمتها أفكار ما بعد الحداثة لتقوّض المبادئ والمسلّمات المتضمّنة فى هويات الثقافات، وتجعل منها فعلا ماضيا، أي فى حكم الإجراء المتجاوز، وتعويضها بثقافات جديدة تحاول أن تخلق جيلا جديدا، وهو ما يتفق مع ما تناوله كل من نيتشه وهايدغر فى فلسفتيهما المرتكزتين على الرغبة فى وضع أسس جديدة للفكر الإنساني الحديث، بحسب متغيرات العصر. ولم يعد هذا قاصرا على الثقافة العامّة، بل لامس الفكر الإبداعي بوجه عامّ، الذي تأثر بمعالم التفكيك والإرجاء، وأدخل مصطلحات باتت تبدّد الوعي وتقوضه أكثر مما توحّده، ومن دون أدنى حسبان لتوطين هذه الأفكار والمصطلحات بما يتلاءم مع بيئتنا وهويتنا، مثل اللغة الطفيلية، والعقلية الجدلية المنطقية، والميتاحكاية، والميتالغوية، والثقافة الفرعية، وهي من إفرازات ما بعد الحداثة التي صدّرت حشدا كبيرا من الأفكار المتعارضة الدلالات فى مفرداتنا الاجتماعية والثقافية.
 من هذا المنظور، لم يعد باستطاعة المجتمع الحديث أن يحتمي بضميره الجمعي، كما لم يعد للمرجعية دور التوجيه، وهو ما جعل الوعي/الحضور يفقد وجوده بـ [الفعل المنجز] مقابل وجوده المشدود بـ [التفاعل/المنفعل] في شكله الوامض، والسطحي. أضف إلى ذلك أنّ "الناس اليوم لا يتوقون إلى الخلاص الشخصي، ناهيك بإعادة عهد ذهبي سابق، إنما للشعور وللوهم اللحظوي، للرخاء الشخصي، والصحة والأمان الذهبي (...) أن تعيش ليومك هو الشغف السائد، أن تعيش لذاتك وليس لأسلافك، أو للأجيال القادمة" (
Christopher Lasch, 1979, pp 30-33
ضمن هذا السياق، حدث الفصل في مرحلة ما بعد الحداثة بين ثقافتين، الأولى رفيعة [أصيلة]، والأخرى وضيعة [فرعية]، وانتشار هذه الأخيرة، وصعودها، على حساب الأولى، وخفوتها، يّعدّ من باب المدّ الانحرافي، والتدهور الثقافي الذي بدأ يتغلغل فى الوعي الاجتماعي، وبمقومات تعكس حالة التقهقر، بمنظور التفكيك النيتشوي
Déconstruction Nietzschéenne فى هوية البراديغم الجديدة، وفى ظل التطورات المتنامية، والتغيرات الجذرية؛ ممّا أدّى إلى استحالة المتابعة بانتظام، واستيعاب ما يُعرض على الإنسان من نتاجات وأفكار، وتحديدها بشكل دقيق، من دون التمكّن من مفاصلها بشكل محكم، وفق المعنى الدلالي المتواضع عليه من جراء ما يدور فى التواصل الاجتماعي الذي بدأت تعتريه ملامح التفكك، بدءا من عجمة اللسان، وظهور حالات جديدة من التعابير غير الدالة، والتي أصبحت لا تكون وسيطا يوحد رؤية المسار المألوف لعملية التواصل "بالمعنى المشترك والقدر المشترك"، وهو ما تفتقر إليه أنساق البراديغم.
ومن أهمّ الأسئلة التي ينبغي طرحها فى هذا المضمار، نذكر مدى إمكانية تجاوب المجتمع المحافظ مع ما يتراطن به معظم الجيل الجديد برطانة الثقافة المركّبة من خليط المعلومات المتداخلة، ومن الكلمات الأعجمية والعامية، أو ما يرِدها من الدخيل بكل مواصفات الهجنة، ودلالات السوْءة. كيف يمكن التواصل على أساس الفهم المشترك بين الناس؟ وبصورة أدقّ، إلى أيّ مدى تستطيع الثقافة الجديدة، التي أصبحت أمرا مقضيا، ومحاصرين بها من كل صوب، إعلاميا، وإشهاريا، وثقافيا، أن تحدّد هوية الوعي الذاتي، ضمن سيرورة الوعي الاجتماعي، المكروب ممّا آل إليه الوضع من تفسخ وانحلال؟ 
لقد عزّز كثير من الباحثين والمفكرين مكانة صناعة الثقافة الجديدة فى استعملاتها اليومية، بوصفها معلومات وافدة تتجدّد باستمرار مع حياة الإنسان، وأنها فى نظرهم ينبغي أن تكون دائمة التطور والتكوّن بحسب تعبير ميخائيل باختين فى كتابه: الماركسية وفلسفة اللغة، الذي يعتقد فيه أنّ الثقافة/اللغة مجموعة من البنى التاريخية المتغيرة من خلال الصراعات الاجتماعية وما يطرأ عليها من تجديد، من منظور أنها تتأثر بمحيطها وتؤثر فيه أيضا سلبا أو إيجابا. وقد أشار مارتن هايدغر فى معنى صياغة اللغة
The way to Language، التي يقصد بها الثقافة، إلى أنها "هي وحدها التي تتكلم، وهي تتكلم بمشيئتها الخاصة" (D. Hertz 1971, p 22).
وفى إشارة مارتن هايدغر ما يدلّ على الدعوة إلى تأثر المجتمع بالثقافة وليس العكس، وتمكين الثقافة التواصلية اليومية من إثبات الوجود، بوصفها نزعة وظيفية، تنمو بتجددها باستمرار، أي ثقافة تجمع بين تجديد الواقع، والسعي إلى كل ما هو متجدد واحتوائه، ومن ثمّ فهي ليست بناء مستقراً، وإنما هي كيان مزعزع، يحمل طابع بذور العنف، أو شكل التغير الجذري. 
ولعل الإشارة اللافتة من أراء كثير من المفكرين نجملها فيما ورد عن جان جاك لوسركل
Jean-Jacques Lecercle الذي عدّ الثقافة المتداولة بين الناس محور التواصل فى الحياة اليومية، وحتى الإبداعية؛ لأنها باتت، بحكم الواقع المفروض من الشارع، تخترق القواعد اللغوية، وتغيّر من ضوابطها. وفى هذا تأكيد جواز استعمال اللهجة المحلية، من غير سند علمي، ولما فيها من دالّ عرضي، من منطلق أنّ وضع الرطانة أصبح مفروضا بفعل الشيوع والامتداد على حساب الثقافة السليمة. وفى ذيوع رطانة ثقافة الجيل الجديد ما يشبه انتشار الجذمور(النجم) من النبات ممّا لا ساق له، وهو حال ثقافة هذا الجيل التي تنمو من دون انتظام فى الحياة اليومية، وفى مداها الواسع بتأثيرها فى الاستعمالات اللغوية المتواضع عليها دلاليا. 
إن هذا المنحى الذي أصاب الثقافة عبر سلسلة من التحولات لهوّ فى نظر جان جاك لوسركل تجسيد ممتاز للتناقض القائم فى قلب الثقافة؛ لأنّ نواة التجربة الشخصية لكلّ متكلم فى ثقافته: فعندما يتكلّم الشخص، تكون ثقافته دائما هي التي تتكلم. والثقافة بلغتها الراقية تتكلم فقط حين يتكلمها وعي إنسان، وكل جيل يمتلك النظام من جديد، وهكذا نكون كلنا من ورثة الصائغ المجهول (جان جاك لوسركل،
2005 ص 206) والصانع المدبر لثقافة المجتمع الشبكي على وجه التحديد.
إنّ أيّة ثقافة تستوجب فى تقديرنا نسقا تنظيميا، وإطارا منهجيا، ومعرفة، على الأقل نسبية، من الإدراك التصوري، لتداعيات الدالّ وارتباطه بالمدلول المرام، واستحضار نسق التجاور بينهما، تبعا لمقتضى حال المكان والمكانة، وبمقتضى إدراك الشيء فى ذاته، وهذا ما لا نجده فى سياق ثقافة البراديغم الجديد الذي بات يميل إلى استعمال ما يسميه برغسون
Henri Bergson  بـ:(المتعذر تعبيره، أو المتعذر وصفه l’inexprimable) على الرغم مما فى هذا الطرح من اختلاف نسبي فى استثماره ضمن هذا المقام، فيما نقصده، بعجز الجيل الجديد من ربط علاقة الدال بالمدلول، وتعذره عن التعبير عمّا يختلج مشاعره، أو ما يريد إيصاله؛ حيث التواصل غير بائن، وحيث المعلومات متداخلة. 

6. إلقاء حجر في بركة ماء

وفي خضمّ انتشار الثقافة المصنّعة، لا سبيل للنهوض بالثقافة العربيّة الإسلاميّة ما لم نحسم إدراك أهميتها، والاهتمام بها في جميع المؤسسات حتى تصبح آهلة للتعايش مع الألفية الثالثة، وتصبح قابلة للصّرف مع الثورات المعرفية والرقائق الإلكترونية، والابتعاد بها عن الانفصال الفكري "المفروض عنّا، ومنا"، في الخارطة العربية، وجعل الخطاب سائدا في جميع مرامي الحياة باللغة الأجنبية، من أدنى مستويات التوظيف إلى أعلى هرمه. ولعلّ هذا ما جعلنا محاصرين بقيود ثقافة الآخر، وذلك نتيجة تراكم قرون من الابتعاد عن وظيفة تعزيز هويتنا، وتقدير المعرفة النافعة، والعمل الجاد؛ لذلك أصبحت الأمة العربية ـ كما جاء في رأي مالك بن نبي، " كالفارس الذي أفلت الركاب من بين قدميه ولم يسترده بعد، فهو يحاول أن يستعيد توازنه. (مالك بن نبي، 1997، ص 217
والحقيقة أنّ التحديات التي تعيشها هويتنا الثقافية لا تقتصر على كيانها فحسب، بقدر ما تمس، هذه التحديات، كيان المحتمع العربي برمته، خاصة ونحن نعيش حالة الشغف بالاقتداء بالآخر [الغالب] في جميع مواصفاته، متناسين مقولة ابن خلدون:"أنّ الأمة إذا غلبت، وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء". وكذلك بعد أن يفقد المجتمع فعاليته عندما تَنبتُّ الصلة بينه وبين ثقافته، وبين أفكاره المطبوعة وأفكاره الموضوعة.
وعلى الرّغم من محاولة تنميط الحياة، وتحرّك مسار الهوية نحو اتجاهات متعددة الأقطاب والمشارب، وعلى الرّغم من بروز سلوكيات جيدة أصبح بموجبها المرء يُعيد صياغة أسلوب حياته وفق ما تمليه عليه ثقافة المشهد اللامع، بطابعه الحسي الناعم، والداعي إلى بناء وعي جديد، قوامه محاولة خلق براديغم جديد، وعلى الرّغم من تدرج انحسار الهوية عن سؤددها، عبر وابل من الاهتزازات السلوكية المغرية، أو المثيرة، والموردات الثقافية المتنوعة، على الرغم من كلّ ذلك نلاحظ أنّ جوهر الهوية الأصيلة هوّ دائما محلّ استعصاء على من يحاول أن يلوي قيمها، وموضع استحالة على من يسعى إلى ثني سبيلها، لأنّ الاتجاه نحو صون أيّة حضارة، أو إدامة الإبقاء على مكتسباتها، أو الرغبة فى المثابرة على تحقيق ذاتها يستدعي وجود توازن، وأُزُر ثقافية، واجتماعية، ودينية، وسياسية لا يمكن فصل بعضها عن بعض إلا بالتمايز والتباين والتغاير عبر الأجيال المتعاقبة. ذلك لأن كلّ ذات هي شفْع، فى أي وجود، بما تنتجه، كيفما كان هذا الخلق من الإنتاج بمؤهلاته المتباينة أو المتجانسة، المتنافرة أو المتماثلة، المتناقضة أو المتشابهة. وتبقى الهوية فى ظل هذا المتفاوت والمتآلف كائنا حضاريا موجودا بكل أشكال الطيف، وهي من جهة أخرى توجد تحت حماية سنن الطبيعة، وسنن المكونات الحضارية، وسنن الرعاية من ذويها، من البررة. ومن هنا، أيضا، تستدعي الهوية ما يتطلب، لحماية نفسها بنفسها، وهو ما ينطبق على اقتحام اللكنة اللسان العربي المبين، كما تتفطن الهوية لما يترصد لها من كيد، وتَنبهها إليه، من منظور: 
- استحالة قدرة الرطانة الثقافية بالتأثير السلبي، جذريا، على بنية الثقافة المتواضع عليها.
- استحالة تعميمها على العلاقات الاجتماعية.
- صعوبة ترسيخ الرطانة، بوصفها فعلا عشوائيا. والثقافة، كما هو الشأن بالنسبة إلى اللغة، ملكة ذهنية وإدراكية، وأداة منظمة تنظيما عقلانيا، وكلّ فعل عشوائي، يحمل معه سرعة الاختفاء، واندثار بقاياه.
- لأن هذه الرطانة تحمل فى أنساقها تناقضات وسياقات غير منتظمة.
- أنّ هذه الرجّة من الرطانة، تعزز لسان اللحظة [المرتَدع]، على حساب نظام ثقافة الضمير الجمعي[الثابت] وكل دائم، ورصين، متفوق.
 وفى هذه الحال، عندما تستولي الأنساق الثقافية الجديدة على الوعي، تنبثق "أنساق أخرى" منفلتة، بمستوى حججها الواهية، من الثقافة المصدر بقواعدها المتواضع عليها، وحين تبدو الثقافة مركّبة بمعلومات غير مفيدة، وبهجنة مسيطرة، تحاول إعادة تنظيم أساليبنا، بحسب ما يطرأ من تفاعلات ثقافية، يراد للغة المصدر أن تتلاشى وتفكّك قواعدها. 
وإذا كان وضع مستقبل اللّغة العربيّة بهذا المستوى العاق الذي ألزمه الواقع الافتراضي المهيمن على المجتمع، فإن استنزاف طاقة المدافعين عن سلامة الثقافة الوطنية باتت مخيفة من هوية صناعة ثقافة البراديغم التي أصبحت تؤسس لنمط جديد من الحياة، ومن الوعي الزائف الذي بات يتماهى مع أفكار ما بعد الحداثة، ضمن إطار الاهتمام بالذات على حساب الجماعة، وكسر المسافة على حساب المركز. وهو الأمر الذي بدأ يسهم فى إنتاج معانٍ جديدة ألزمها المكان المتشظي، والزمان المتلاشي، والوعي المندثر، والضمير الواهي، ضمن علاقات مركبة صدَّرها مشروع ما بعد الحداثة " وهكذا يمكن القول إن كلّ مشروع تغييري للمجتمع ملزم بأن يأخذ بالحسبان شبكة تحولات التصورات والممارسات المكانية والزمانية". (دافيد هارفي،
2005، ص259) وإلا سيكون مآله كمن يرمي حجرا في بركة ماء، مما يطلق سلسلة من الأمواج تنتشر على شكل دوائر تنطلق من المركز، وتتقدم ببطء في أوساط نخبة رئيسية في البداية، يتبعها تسارع في الانتشار في أوساط المجتماعت المدنية المتقدمة، ثم يبدأ التقدم في التبطؤ تدريجيا إلى أن يتوقف في النهاية (بيبا نوريس، 2006، ص 332)
لقد تحوّل الخطاب الثقافي المشفوع بالصناعة المعلّبة لتصديرها إلى ثقافة المصدر من اليقين الذي كان مدار المصداق فى التواصل إلى تلفيق الحديث/الخطاب وتمويهه، والميل إلى كلّ ما هو افتراضي، تأثرا بالمجال السايبري، الداعي إلى غايات متنوعة لامتناهية، لتصبح الحقيقة مدار تفكير اللحظة، ونتاج قاعدة الرؤية العفوية، والارتجال بلا روية فى غياب ما ينبغي أن يطبعه التعلّم من تعابير ذات صياغة دلالية واضحة. وحتى نجعل من ثقافتنا إجراءً وظيفيا يوفّر إمكانية الوصول إلى ذوق أجيالنا القادمة، وفى مدى استخدامها علميا وعمليا، واقترابها من المعارف الجديدة، وحتى نجعل منها ثقافة إنتاج فى استعمالاتها النوعية؛ ليس لنا أمام ما آلت إليه إلا "النفخ على الجمرة كي لا تنطفئ"، وإلا سوف نسهم فى اندثارها كما اندثرت الثقافة البابلية، والكنعانية، والأشوري وغيرها. 
يٌوجد حينئذ فجوة عميقة بين واقع الثقافة الوطنية المعمول وأفقها المأمول. والفرق بين الموقفين يكمن في هذه الفجوة التي هي داء الحقيقة، كونها لا تحمل هدفا، وأنّ دعاة هذه الفجوة يحملون قناعة مضلّلة مفادها أنّ العجز والتخلّف مضروب علينا بوساطة اللغة المتداولة رسميا في مؤسساتنا، وكأننا بأنصار هذه الدعوة يتصورون أنّ الأفكار والثقافات يمكن أن تستورد كما تستورد البضاعة الاستهلاكية، وأن اللغة الأجنبية هي النموذج المثال، ومن دونها نعيش في تخلف، بينما هم في حقيقة الأمر، يحلقون خارج السرب، وخارج نسيج النسق الثقافي المتجذر، لأنّ واقع أيّة ثقافة أكبر من جَذْر اللغة واستئصالها، وأكبر من اكتساب لغة أجنبية لا تحمل سمات المجتمع، ولا تطبع خواصه.
 من هذا المنطلق، كان الصراع بين المتغربين بانتهاجهم مسلك اللغة الأجنبية سبيلا، وبين الواقع المتشبع برصيده اللغوي الأثيل؛ الأمر الذي خلق واقعين متضادين كلّ منهما يصارع طواحين الهواء ـ كصراع دون كيشوت الذي لم يحصد من وراء صراعه أي جدوى، ومع ذلك كان يحاول أن يستمرّ في النزال ـ فتشتت السبل من وراء هذين الواقعين: واقع متغرب في تشبثه بالثقافة الأجنبية المؤطَّرة بلغتها، وواقع متعرب، في تمسكه بدفاعه عن اللغة العربية التليدة، وضاع الطرف الثالث، وهو ما يمكن أن نطلق عليه" فضاء الصوت الصامت"، وعلى الرغم من صمته إلاّ أنّ بصيرته كانت تحمل راية تفعيل الثقافة الوطنية الأصيلة بلغتها، بحسب مستجدات الحياة العصرية في أدائها، وجعلها قابلة للتحاور مع العلوم والمعارف.

المراجع

  • إدغار موران، (2009)، النهج ـ إنسانية البشرية/هوية البشرية، ترجمة، هناء صبحي، هيئة أبو ظبي الثقافية والتراث، كلمة، ط1.
  • جان بودريار، (2008) المصطنع والاصطناع، ترجمة، جوزيف عبد الله، المنظمة العربية للدراسات والنشر، ط1.
  • جان جاك لوسركل، (2005) عنف اللغة، المنظمة العربية للترجمة.
  • جيرمي ريفكين، (2009)، عصر الوصول، ـ الثقافة الجديدة للرأسمالية المفرطة ـ ترجمة، صديق الدملوجي، المنظمة العربية للترحمة، ط1
  • ديفيد هارفى، (2005)، حالة ما بعد الحداثة ـ بحث فى أصول التغيير الثقافى ـ ترجمة محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت. 
  • ستيوارت هول، (2001)، هوية قديمة جديدة، إثنيات قديمة جديدة، ضمن كتاب، الثقافة والعولمة والنظامه العالمي، تحرير، أنطوني كينج، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة.
  • عبد العظيم الديب، (1993)، التبعية الثقافية، وسائلها ومظاهرها، ضمن كتاب ندوة الثقافة العربية الواقع وآفاق المستقبل، جامعة قطر.
  • عبد القادر فيدوح، الموقع الشخصي، www.fidouh.com 
  • عبد الله الغذامي، (2009)، القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة، المركز الثقافي العربي، ط2.
  • فتحي المسكيني، (2001) الهوية والزمان (تأويلات فينومينولوجية المسألة "النحن"، دار الطليعة، بيروت. 
  • مالك بن نبي، (1997) مشكلة الأفكار، دار الدعوة، ص 217
  • مطاع صفدي، (1998)، الفكر بما يرجع إليه وحده ـ سؤال العتبات ـ مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 102/103، بيروت، لبنان.
  • هيدغر، (2001)، الأعمال الكاملة، ج 65، ص 49، عن فتحي المسكيني، الهوية والزمان (تأويلات فى فينومينولوجية لمسألة " النحن"، دار الطليعة، بيروت، ط1. 

المراجع الأجنبية

  • Barthes (R), (1964), Eléments de sémiologies, éd. Du Seuil.
  • Christopher Lasch, (1979), The Culture of Narcissism. American Life in an Age of Diminishing Expectations. NEW York Naorton.
  • Haushildt, P & Wesson, L. (1999). When postmodernism thinking becomes pedagogical practice. In Teaching Education.Heidegger (1985), Essais et conférence ; que veut dire « pensés » paris.