المجتمعات الافتراضية: أنماطها ومشكلاتها

المجتمعات الافتراضية: أنماطها ومشكلاتها

أ. محمد أمين عبوب

جامعة حسيبة بن بوعلي الجزائر

ملخص:

    إن الفضاء الذي يحتضن شبكة الانترنت بمختلف خدماتها وتدفقها الإعلامي وتنوع أنماط الاتصال داخله أدّى إلى تمثل آخر للأدوار التي يعيشها الفرد يوميا، فأنتج هذا الفضاء ما أصطلح عليه بالعالم الافتراضي الذي يجعله الباحثون عالما موازيا للعالم الواقعي بغض النظر عن الفروق التي تميز كلا منهما عن الآخر، حيث ينشط ضمن هذا العالم الافتراضي أفراد وتنشأ فيه علاقات اجتماعية بشتى أنواعها. فباستخدام محرك البحث غوغل في 17/05/2018 والمتصفح (الفايرفوكس) (Firefox) بلغ عدد المواقع الالكترونية وصفحات الويب التي لها علاقة بعبارة "المجتمعات الافتراضية" باللغة العربية نحو 586 000 صفحة وموقع متعلق بالموضوع، أمّا باستعمال العبارة باللغة الفرنسية بصيغة الجمع (Communautés Virtuelles ) فبلغ 494 000 صفحة، أمّا باللغة الانجليزية (Virtual Communities) فالنتيجة تجاوزت الخمسين مليون وثمانمائة ألف (50 800 000) صفحة وموقع. وهذه الأرقام هي عبارة عن مؤشرات على أهمية الموضوع وقدر الاهتمام بالظاهرة في أوساط المستخدمين عامّة وخاصة الباحثين في المجالات الإنسانية والاجتماعية أمثال "هاورد راينغولد" Howard Rheingold وسيرج بروكس Serge Proulx وغيرهما، حيث إنّه بعد التحوّل الحاصل في جميع مفاصل الحياة اليومية، وانتقالها من الفضاء العمومي الواقعي إلى نظيره المعلوماتي أو الافتراضي، نتجت مجموعة من الظواهر التي تستحق الدراسة والتمحيص، إذ أن لكل ظاهرة انعكاسات واضحة على حياة الافراد النفسية والاجتماعية وعلاقاتهم وتطور ممارساتهم. لهذا تقف هذه الورقة البحثية الوصفية على مجموعة من النقاط وفقا للمحاور التالية:

  • المجتمع الافتراضي: الماهية والبدايات
  • أنواع المجتمعات الافتراضية والكيانات الاجتماعية على شبكة الانترنت.
  • أهمية المجتمعات الافتراضية ومشاكلها.

الكلمات المفتاحية: المجتمعات الافتراضية، المشاكل، الفضاء المعلوماتي.

Abstract:

   The space that includes the Internet with its various services, its media flow and the diversity of communication patterns has led to another representation of the roles that the individual lives in his daily life. This space has produced what is called the virtual world, which is considered by researchers as a parallel world to the real world regardless of the differences that distinguish each one of them. Within this virtual world, individuals inhabit and form social groups of various kinds.

     Actually, by using Google search engine on 17/05/2018 via the browser (Firefox), the number of websites and web pages related to the term "virtual communities" in Arabic reached about 586 000 pages and sites, using the same term in French in plural (Communautés Virtuelles) appeared in 494 000 pages, whereas in English, the result of (Virtual Communities) exceeded 50 million and eight hundred thousand (50 800 000) pages and related sites. These figures are indicators of the importance of the subject and the high interest about the phenomenon among users in general and researchers especially in the human and social fields such as "Howard Rheingold" and (Serge Proulx).

   A set of phenomena worthy of study and scrutiny resulted due to the transformation in all joints of life, and its transfer from the real public space to the information or virtual one, since each phenomenon has clear implications on the psychosocial and social lives of individuals as well as on their relations and the development of their practices. Therefore, this descriptive research paper is based on a set of points according the following axis:

- Virtual Society: nature and beginnings

- Types of virtual communities and social entities on the Internet.

- The importance of virtual Communities and their problems.

المجتمعات الافتراضية الماهية والمقومات:

      قبل التطرق إلى عبارة "المجتمعات الافتراضية"، يجب التعريج على عبارة مهمّة وهي: المجتمع المحلي لأن الأولى تتضمن الثانية، ففي واقع الأمر، نجد أنّ المجتمع الافتراضي هو مجتمع محلي افتراضي، ومصطلح "محلي" لا يعني التحجيم والحصر بل يعني المحلية بمعنى أن المجتمعات لا تكون إلا بالمصالح المشتركة المحدّدة، والتي تُعتبر مقوما أساسيّا من مقومات تشكّل المجتمع الافتراضي على شبكة الانترنت والخدمات المستفادة من هذا التجمع مهما كان نوعها.

  • المجتمع المحلي

    يعرّفه جورج هيللري (George Hillery) على أنّه مجموعة من الناس، يشتركون في تفاعل اجتماعي، وبعض الروابط المشتركة بينهم، ويشتركون في مساحة مّا على الأقل لبعض الوقت (...)، هناك بصفة عامة أربعة عناصر أساسية لتكوين المجتمع المحلي، وهي: الجماعة، والتفاعل، والروابط، والمكان-الزمان (علي محمد رحومة، 2010). وهذا التعريف يجعلنا نعدّ أربعة عناصر لتكون الجماعة (مجتمعا محليا) (الجماعة أو الأفراد- التفاعل -الروابط- المكان والزمان).

  • بدايات المجتمعات الافتراضية:

     تعود بدايات تشكّل المجتمع الشبكي (على الخط)، إلى فترة الستينيات من القرن الماضي وذلك إثر ظهور شبكات الحواسيب لغرض التعليم وبخاصة مع انتشار استخدام لوحات الاتصال المحلي، لوحات النشرات (BBSS) لإتاحة نفاذ واسع للتكنولوجيات الجديدة آنذاك. ومن أهم المجتمعات المعنية نجد:

  • مجتمع محلي افتراضي، اسمه ويل (Whole Earth Lectronic Link)، في سان فرانسيسكو.
  • مجتمع نظام "تويكس (TWICS) الذي أسس في طوكيو.
  • سي. آي. اكس (CIX) في لندن.
  • كالفا كوم، (Calva Com) في باريس.
  • " في الولايات المتحدة.
  • مجتمع شبكة سياتل (Seattle Community Network)، ويوزنت (Usenet) في الولايات المتحدة الامريكية.
  • ونظم (Echo) في نيويورك سيتي، والتي كانت تستخدم بصعوبة للمحافظة على مواكبتها للتقنية الشبكية المتغيرة في نماذج الأعمال في ذلك الوقت.

    ولقد واجهت مختلف هذه النظم صعوبات لخلق قاعدة بيانات للمشاركين تشمل جماعات سوسيو-اقتصادية، خاصة في ظل غياب نموذج مالي ذي قاعدة ربحية. وفي فترة التسعينيات تمثلت مجتمعات الشبكات نفسها كحركة اجتماعية-تقنية خاصة في عام 1996 ، حيث تمّ نشر شبكة دوغلاس شوللر للمجتمع المحلي الجديد -أيرد للتغيير-(Douglas Schuler's New Community Networking Wired for Change)، وتأسيس منظمات شبكية مثل: جمعية شبكات المجتمعات المحلية (Association for Community Networking)، (علي محمد رحومة، 2010)

  • ظهور المجتمعات الافتراضية:

   بعد ظهور الشبكات وشبكة الإنترنت، وأولها ظهور الأربانيت (ARPANET) المعروفة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بدأت المجتمعات الافتراضية في النشوء "كل ذلك في نوع من التطور الاجتماعي المتسارع (Social Evolution)"(علي محمد رحومة، 2008، ص67)، وذلك نتاج التفاعل الإلكتروني المهم الذي بدأ في الظهور والحاجة إلى مجال أو بيئة محددة ومنظمة لتركيز هذا التفاعل.

 ويعتبر العديد من المختصين في المجال أنّ أوّل مجتمع محلّي فعلي على الخط هو شبكة "بلاتو" (Plato) سنة (1973-1974) فهي "تعبير عن النظام الرائد للقاءات والمنتديات على الخط (On Line Forums) أو المراسلات واللوحات الالكترونية والبريد الالكتروني، وغرف الدردشة والتراسل الآني ومشاركة الشاشات عن بعد وألعاب التسالي عديدة اللاعبين"(علي محمد رحومة، 2008، ص70)، فشبكة (بلاتو) هيّ بمثابة الشكل الأولي البدائي للمجتمعات الافتراضية الحالية، إنّها نوع من التنظيم الافتراضي والتجمع التشاركي. ويذكر علي رحومة في كتابه علم الاجتماع الآلي: "لقد انتقلت الظاهرة الاجتماعية بمختلف جوانب تمثلاتها الثقافية والتقنية والسلوكية والاقتصادية والسياسية والقانونية، من أنها فقط تتمثل طبيعيا في المجتمع البشري الطبيعي إلى أن تتمثل أيضا صناعيا (رمزيا، رقميا، آليا) وأيضا بمختلف تمثلاتها الأصلية إلا أنها أصبحت في شكلها الإلكتروني (المصنع) من الذرّة إلى الإلكترون" (علي محمد رحومة، 2008، ص23)، ويعني ذلك انتقال أولي للحياة الاجتماعية إلى الفضاء السيبرني المستحدث.

تعريف المجتمعات الافتراضية:

     يعرّفها محمد منير حجاب في معجمه الإعلامي بأنه "مجتمع يتكون من أشخاص متباعدين جغرافيا، ولكن الاتصال والتواصل بينهم يتم عبر الشبكات الالكترونية، وينتج بينهم نتيجة لذلك نوع من الإحساس بالولاء والمشاركةً "(محمد منير حجاب،2004 ، ص47)، ويعرف سيرج بروكس (Serge Proulx) المجتمع الافتراضي بأنها: "مجموعة أفراد يستخدمون منتديات المحادثة، حلقات النقاش، أو مجموعات الحوار الذين تنشأ بينهم علاقة انتماء إلى جماعة واحدة (Lien d’appartenance)  ويتقاسمون نفس الأذواق، القيم، والاهتمامات ولهم أهداف مشتركة" (2004،Serge Proulx ;et autres). ويُعرفها الفجلاوي (Fejlaoui, 2009) على أنّها "المجموعات الاجتماعية الناشئة من خلال شبكة الانترنت، حيث يكون للمستخدمين القدرة على التعرف وخلق نقاشات لتشكيل وعي جمعي، وعلاقات شخصية في الفضاء الافتراضي" (Fejlaoui, 2009, p.9).

شروط ومقومات تأسيس المجتمعات الافتراضية:

  تحتاج المجتمعات البشرية عامّة إلى مجموعة من المقوّمات والأسس التي يجب توفرها أو توفيرها لتأسيس المجتمعات التقليدية، وينطبق الامر ذاته على المجتمعات الناشئة ضمن الفضاء المعلوماتي وذلك رغم الاختلاف بين البيئتين وخصوصية الفضاء الافتراضي. ويجدر التذكير في مضمارنا بالمقوّمات الأربع الأساسية لتأسس المجتمع.

  • المقوم الأول، ويتمثّل في قدرة المجتمع على الاستمرار إلى مدى زمني أطول من عمر الأعضاء، الذين يكوّنون ذلك المجتمع، بمعنى بقاء المجتمع واستمراره على الرغم من فناء الأجيال المختلفة واندثارهم.
  • المقوّم الثاني، وهو الذي يشير إلى قدرة المجتمع على تجديد نفسه من خلال التناسل، من جهة، وعن طريق غرس ثقافته من خلال توافر نظام تربوي قادر على تحقيق التنشئة الاجتماعية للأعضاء الجدد، وفقا لثقافة المجتمع ونظمه، من ناحية أخرى.
  • المقوم الثالث: ويتلخّص في مدى توفر مجموعة من المعايير المشتركة المنظمة للأفعال الاجتماعية للأعضاء، ومدى توافر الشعور بالولاء للمجتمع لدى هؤلاء الأعضاء. وتعدّ المعايير موجّهات للسلوك الذي يجب الأخذ به، أو تطبيقه في مواقف اجتماعية محدّدة، وتتحدّد الالتزامات، التي يمليها دور الشخص في الجماعة الاجتماعية، عن طريق المعايير التي تضعها الجماعة أو التي تسير عليها، وعلى هذا الأساس فإنّ المعايير الاجتماعية تكون بمثابة قواعد أو مبادئ سلوكية عامة ملزمة للأفراد، ابتداء من الأفعال البسيطة في الحياة اليومية، انتهاء بالأحكام الأخلاقية المعقدة، التي تزيد من وحدة المجتمع وتماسكه من خلال تقبل الأفراد لها.
  • المقوّم الرابع، ويستند إلى مدى قدرة المجتمع على تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال النسبي، ويقصد بالاستقلال النسبي هنا معنيان، أولهما: أن يكون المجتمع وحدة قائمة بذاتها وليس فقط جماعة أو جماعة فرعية تنتمي كل واحد منها إلى مجتمع آخر، وثانيهما، أن يتحقق التكامل داخل المجتمع. وأهمّ مقومات التكامل الاجتماعي هو الاعتماد المتبادل بين الأعضاء، ووجود معايير وقيم يخضع لها الأفراد في سلوكهم، ويسيرون وفقا لها.

تساعدنا مقوّمات تأسيس المجتمع المشار إليها على فهم المقوّمات الجديدة التي ينبني عليها كيان الجماعات الافتراضيّة والمجتمعات الافتراضيّة. يُعرّف "هاورد راينغولد" في كتابه المرجعي "الجماعات الافتراضية" بأنها "تجمعات اجتماعية وثقافية تظهر عندما يكون هناك عدد كاف من الأفراد يشاركون في مناقشات عامة خلال وقت كاف ويصنعون من وجدانهم ما يكفي لنسج شبكات من العلاقات الإنسانية في الفضاء السيبراني"(شوقي العلوي،2006، ص22)، هذا التعريف يؤكد عدة نقاط رئيسية مفصلة في ما يلي:

  • الفضاء المناسب لخلق علاقات.
  • العدد الكافي من الأشخاص الذين يشاركون في المجتمع.
  • وجود حد أدنى من التفاعل الاجتماعي.
  • الاستمرار الزمني والتفاعل الكافي (نوعيا) وما يعزز هذا التفاعل والاستمرار هي النقاشات العامة داخل المجالات.
  • العلاقة العاطفية للأفراد الذين يكوّنون المجتمع.
  • النظام: وهذا ما يصفه رحومة (رحومة علي محمد، 2010) بأنه "نظام اجتماعي إلكتروني جديد، يقدم الإنسان قادم من الخيال والافتراض والوهم، وحاويا شروطه الاجتماعية والتكنولوجية ومختلف عناصره وعلاقاته، وحدودها وبيئاتها وتحكماتها وأهدافها ومستنتجاتها" (علي محمد رحومة،2010، ص206).

عوامل ظهور المجتمعات الافتراضية:

    جاء ظهور المجتمعات الافتراضية كنتاج عادي ومنطقي لكلّ التفاعلات الحاصلة داخل الفضاء الافتراضي (النقاشات، المراسلات، الاتصالات)، وهذا ما جعلها تتطور بشكل واسع. وقد ظهرت المجتمعات الافتراضية كنتيجة طبيعيّة للتطور العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الذي لم يكن مستقلاّ عن تطوّر قيم المجتمعات وثقافاتها. وتحوّل بمقتضى هذا الحال الفعل الاجتماعي من مداره الواقعي-المادي إلى مداره الافتراضي.

 ويمكن اعتبار حالة التفكّك التي أحدثتها قيم ما بعد الحداثة من العوامل التي عزّزت بروز المجتمعات الافتراضية وتطوّرها مقابل تراجع دور المجتمعات الطبيعية. يؤكد هاورد رينغولد "إن هذه المجتمعات المحلية الافتراضية في جزء منها هي رد فعل واستجابة لجوع الناس وافتقارهم إلى المجتمع المحلي بعد تفرق وتفكك المجتمعات المحلية التقليدية" (علي محمد رحومة، 2008، ص64). على صعيد آخر يمكن اعتبار ظهور الاقتصاد اللاّمادي رافدا من روافد صعود المجتمعات الافتراضيّة التي اقترن ظهورها بإنتاج المعنى وكذلك، وهذا هوّ العامل الأبرز، بالطابع التجاري والتسويقي وبالأنشطة الربحية.

 خصائص المجتمعات الافتراضية:

    من الجائز اعتبار المجتمعات الافتراضية النسخة الإلكترونيّة المجتمعات الطبيعية إذا أنّها تختزل الكثير من خصائصها. وسنبرز في هذا الصّدد مختلف الخصائص التي يمكن أن تجعل من التجمعات الالكترونية مجتمعات افتراضية. ومن أبرز ما تتميّز به المجتمعات الافتراضية هيّ أنّها تعتمد على التنظيم "التصاعدي" من الأدنى إلى الأعلى، إذ باستطاعة كلّ فرد تنظيم المجتمع وتحقيق الإضافة لنظامه وقواعده وعاداته. كما أنّ اختلاف أهداف هذه الجماعات بين ما هو محدّد كالالتقاء من أجل تحقيق مشروع معين قد تنتهي الجماعة بتحقيقه ومنها ما هو مبني على تبادل التجارب الشخصية والنقاش حول مواضيع معينة. (شوقي العلوي،2006، ص166). ويتميّز أفراد المجتمعات الافتراضية بعدم التجانس في بعض الجوانب، فقد يكون لكل شخص مستوى معين أو مهنية تختلف عن الآخرين، مثلما تتميز باستعمال أفرادها لأسماء وهويات مستعارة (Fluidity of Identity) ويقدّمون غالبا بيانات غير مطابقة للواقع. ومن السمات الخاصّة بهذه المجتمعات أيضا نجد استخدامها لأنواع جديدة من الرموز اللغوية والإشارات الخاصة بما في ذلك (رسومات الوجوه، الكلمات المختصرة) كتعبير عن الحالات الوجوديّة لمجتمع ما بعد الحداثة، فضلا عن كون هذه المجتمعات تعتمد كليّا في أنشطتها التواصليّة عل التقنيات الحديثة للاتصال ممّا يمنحها صفة العالمية أو الكونية، أي يشارك فيها أفراد من كل أنحاء العالم (ابراهيم بعزيز،2008). يجدر الإشارة إلى أنّ المجتمعات الافتراضية تقوم على المصالح في أغلب مظاهرها (Communauté d'intérêts).

أنواع المجتمعات الافتراضية والكيانات الاجتماعية على شبكة الانترنت.

 يمكن تصنيف أنواع المجتمعات الافتراضية عامة على أساس ثلاثة اعتبارات أساسية هي:

  • أولا: من حيث التقنية المستعملة لتداول المعلومات داخلها.
  • ثانيا: من حيث نوع المحتوى أو المادة الموجودة داخل هذا المجتمع الافتراضي.
  • ثالثا: من حيث الهدف من انشاء هذه المجتمعات.

      تساهم العوالم النصية الافتراضية (Univers Textuels Virtuels) (منتديات النقاش، مواقع الدردشة، البريد الالكتروني...)، البصرية والصورية، في تشكيل أنماط جديدة من الجماعات ضمن تشكيل جديد يّعرّفه ميشال مافيزولي بالقبلية الجديدة (Neotribalisme) (مافيزولي، 2000). والقبليّة الجديدة هي حقيقة المجتمعات الافتراضيّة اليوم في فلك الويب، التي تنشط باستمرار محقّقة لأنماط مختلفة من التفاعل الاجتماعي، نكتفي بذكر أبرزها في ما يلي.

مجتمعات نشر المحتويات النصية:

  وتُصنّف ضمن مجتمعات المحتوى، وهي مجتمعات متخصصة في نشر المحتويات النصية عبر مواقع تحتوي على مجموعة كبيرة من المستخدمين الذين يقومون بإنتاج المعنى (دراسات، مقالات، بحوث...) وهناك من يصنف هذه المواقع على أنها مجتمعات تحرير حر (Wiki)، لكن هذا النوع من المواقع لا يعتمد على معلومات مجردة بل أغلبها مقالات ورؤى ودراسات وبحوث تم صياغتها ذاتيا وبجهد شخصي وأكاديمي واضح.

ومن أمثلة هذا النوع موقع كنول (Knol) وهو عنوان مقتبس من كلمة (knowledge) أي معرفة وأطلق عام 2008، وهو موقع تابع لشركة جوجل وهو مجتمع نشر محتويات، يقوم فيه المستخدمون بنشر بحوثهم ودراساتهم وكذا كل المعلومات التي يرون أنها مهمة لشريحة معينة من المستخدمين الآخرين في مختلف المجالات السياسية الاقتصادية الاجتماعية التكنولوجية، الصحة والثقافة والعلوم وغيرها، وتسمح هذه الخدمة أيضا بالقيام بتعليقات ونقاشات حول هذه المواضيع.

مجتمعات التعليم الالكتروني (على الخط):

   هي تجمعات على مواقع خاصة تفتح المجال للجمع بين المُتَعَلِم والمُعَلمْ أو أي شخص متخصص في المجال الذي يريد الطلبة الافتراضين تعلمه ضمن أقسام افتراضية، ويتمّ التعلّم خلالها باستخدام أدوات تعليمية سمعية بصرية، نصوص، وكذا تطبيقات تعليمية، فيقوم الطلبة بأخذ الدروس والمشاركة فيها وطرح الأسئلة على المعلمين والمختصين والنقاش مع وزملائه من المتعلمين عن بعد.

مجتمعات الواقع الافتراضي (Virtual Reality

هي مجتمعات تنشأ داخل بيئة مستحدثة تختزل أبعادها من الواقع الطبيعي ويتم ذلك بواسطة تطبيقات حاسوبية، "وذلك عبر التفاعل الحاصل بين الكائنات الافتراضية/الواقعية المتفاعلة داخل هذه البيئة بواسطة شاشة الحاسب أو السماعات المجسمة للصوت أو النظارات. وهي تعتمد على تقديم صورة مشابهة للواقع في الأماكن لا يمكن للإنسان الوصول إليها أو إنشاؤها، فهو عبارة عن عالم سحري متفاعل"(مارك رايش،2006)، فهذا العالم يخلق ما يسمى التواجد الحميم أو الانغماس (Immersion) داخل هذه البيئة وهذا ما يجعل كائناته (المستخدمون) يشعرون بالارتباط لهذا العالم، فالمستخدم يستطيع التأثير في هذا الواقع والاحتكاك بالمستخدمين الآخرين وكذا التأثر بهم.

ومن أمثلة الواقع الافتراضي: موقع الحياة الثانية (www.secondlife.com)، وهي عبارة عن برمجيات تسمح بالقيام بزيارات افتراضية لعدد كبير من المواقع، قام بإنشائها مجموعة من مهندسي المعلوماتية على رأسهم المهندس "أنشي شونغ" (Anshe Chung) (www.anshechung.com) والحياة على هذا النوع من المواقع يشابه إلى حدّ كبير الحياة الواقعية فبإمكان الزائر العمل وشراء الحاجيات وابتياع قطعة أرض والزواج وغيرها. (عباس مصطفى صادق، 2008، ص47).

مجتمعات البث الإلكتروني (البودكاست) (Podcast):

فهي مواقع اجتماعية تضمن لأفرادها مساحة للبث الشبه إذاعي أو البث السمعي البصري (Streaming)، ويكون البث فيها مباشرا أو مسجلا، لمواد منتجة ذاتيا أو يقوم المستخدمون بإعادة إنتاج مواد منتجة سابقا مثل (أفلام برامج أو أشرطة وثائقية...)، ومثال ذلك مواقع (Streamiz) للبث المسجل للأفلام والأفلام الوثائقية و(Justin) للبث المباشر والآني، أما مواقع البث غير الأني والتي تتضمن مواد سمعية أو سمعية بصرية أنتجت أو أعيد إنتاجها أو بثها، مثال ذلك اليوتيوب (Youtube) والدايلي موشن (Dailymotions) ، بالنسبة إلى موقع اليوتيوب فهو أحد أشهر المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت و"تقوم فكرة الموقع على إمكانية إرفاق أي ملفات تتكون من مقاطع الفيديو على شبكة الإنترنت دون أي تكلفة مالية، فبمجرد أن يقوم المستخدم بالتسجيل في الموقع يتمكن من إرفاق أي عدد من هذه الملفات ليراها ملايين الأشخاص حول العالم، كما يتمكن المشاهدون من إدارة حوار جماعي حول مقطع الفيديو من خلال إضافة التعليقات المصاحبة، فضلا عن تقييم ملف الفيديو من خلال إعطائه قيمة نسبية مكونة من خمس درجات لتعبر عن مدى أهمية ملف الفيديو من وجهة نظر مستخدمي الموقع .وطبقا لتصنيف أليكسا العالمي فإن موقع يوتيوب يأتي في المركز الثالث من حيث أكثر المواقع العالمية مشاهدة، بعد كل من: ياهو، وجوجل" (رضا عبد الواحد أمين، 2009 ، ص520).

مجتمعات الصحة الالكترونية (E-health):

هي مجتمعات يقوم المشتركون فيها بالنقاش والتحاور حول الحياة الصحية والتعامل مع الحالات المرضية المتنوعة بحضور مختصين وأطباء يمكنهم الإجابة عن أسئلة السائلين، لكن أهم التفاعلات تكون بين المستخدمين العادين الذين يطرحون انشغالاتهم وتجاربهم ويتناقشون حولها ليعطي كل واحد منهم الحلول التي ساعدته على تجاوز المشكل الصّحي الخاصّ به.

مجتمع المدونات:

 تستخدم كلمة "مدونة" العربية كمقابل للكلمة الإنجليزية (blog) وهي اختصار لكلمتي (Web log) والتي تعني سجل الشبكة "وقد اشتقت الكلمة من فعل دون، تدوين، مدونة ليصبح اسم الفاعل منها مدون"، وهناك العديد من التسميات التي استخدمت كمقابل لكلمة (Blog) منها: البلوجز، البلوغز، المذاكرات الإلكترونية، المدونات الشخصية، يوميات الإنترنت، السجل الشخصي، المعارضة الإلكترونية، الصحافة الإلكترونية...وغيرها الكثير من التعريبات التي وردت في كتابات المؤلفين العرب عن المدونات الإلكترونية، إلا أن "مدونة" هو التعريب الأكثر قبولاً وانتشاراً واستخداماً لهذه الكلمة حتى الآن (شيماء اسماعيل واخرون،2007).

   استقبلت الإنترنت المدونات الإلكترونية أو بلوج (Blogs) كأحد مصادر المعلومات التي فرضت نفسها بقوة وسرعة انتشارها على الشبكة العنكبوتية العالمية الويب (Web)، وفرت له الإنترنت المناخ المناسب من الأجهزة والبرامج اللازمة للتشغيل والبحث ومواقع في البيئة العنكبوتية الويب، بشكل يتناسب مع الاحتياجات المتطورة للمستفيدين منها؛ حيث تجاوزت المدونة الإلكترونية كل الحواجز الزمنية والمكانية والرقابية على المعلومات التي لا تجد قبولا سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا في بلد مّا.

  كما أن المدونات كمصدر جديد للمعلومات على الشبكة يتسم بالتراكم والزيادة المستمرة والسريعة ثانية بعد الأخرى على عكس الأشكال التقليدية الأخرى من مصادر المعلومات وذلك يعني وجود محتويات لمصادر لا متناهية وفي الوقت ذاته، تتيح هذه المحتويات القدرة على المشاركة والانخراط المدني في عمليات الإخبار في المجتمع.

مجتمعات التشابك الاجتماعي (الشبكات الاجتماعية):

    مواقع الشبكات الاجتماعية سبقت ظهور مصطلح الويب 2.0 بكثير إلا أنها تعد من ضمن تطبيقات الويب 2.0، لكن بيئة الويب 2.0 أضافت خصائص جديدة مميزة للشبكات الاجتماعية جعلتها أكثر تفاعلية فلم يعد الموقع الاجتماعي مجرد ملف بيانات المستخدم فقط بل أمكنه الانضمام لشبكات عديدة داخل المجتمع الواحد وتكون هذه الشبكة لجهة العمل أو الجامعة التي تعلم فيها...الخ، أصبح بالإمكان مشاركة الأصدقاء في الصور والفيديو والأحداث والمناسبات الخاصة. (محمود عبد الستار،2011).

ومن تعريفات الشبكات الاجتماعية: أنها "أماكن للتجمع على الخط المباشر تشجع أعضائها على بناء شبكات من أصدقائهم ومعارفهم" (2004 , Leonard)، فهي مجتمعات على الخط المباشر تقوم بدعم الاتصال بين الأفراد عن طريق شبكات من الأصدقاء الموثوق فيهم، وتقدم مكانا لتجمع الأفراد على الخط المباشر، وإقامة علاقات جديدة أو للتعرف على أفراد آخرين في نفس مجال عملهم (295p، 2009، Mew, Lionel Q. L.) فهي تلك المواقع التي تمكّن الأفراد من إنشاء شبكات اتصال بأفراد آخرين، وعلى الرغم من أنها شبكات اجتماعية إلا أنّ الأفراد يمكن أن يتصلوا ببعضهم لأسباب شخصية أو مهنية سواء كانوا على معرفة بهم أم لا. (2007، Kay, Russell. Quick Study).

مجتمعات التحرير الحر (الويكيز)

  الويكيز (Wiki’s) هو أحد تطبيقات (Web 2.0) ويُعدّ أبسط قواعد البيانات التي يمكن أن تعمل على شبكة الإنترنت. والويكي هو موقع انترنت قائم على مبدأ المشاركة الجماعية والتعاون على تطوير محتوى المواقع، ويسمح الويكي لمشتركيه أن يقوموا بصورة جماعية بتعديل محتوياته، حذفها أو الإضافة إليها حسبما يرى المستخدمون أنفسهم دون أي قيود في الغالب.

 ومصطلح ويكي (Wiki) كلمة مأخوذة من لغة شعب جزر هاواي الأصليين وهي تعني بسرعة، وقد استخدمت في مجال الإنترنت للتعبير عن سرعة الكتابة في الموسوعات الحرة. وكان أوّل ظهور لتطبيقات التأليف الحر في عام 1995 حيث قام كل من وارد كونيجام (Ward Cunnigham) وبو ليوف (Bo Leuf) بإنشاء أوّل موقع ويكي وهو (Wiki Wiki Web) والذي شكّل مجتمعاً متعاوناً مفتوحاً للجميع حيث يمكن لأيّ شخص أن يشارك في تطوير وزيادة محتويات الموقع (محمد خليفة، 2011). إنّها مواقع تسمح للمستخدمين بإنشاء أو تعديل أي صفحة في موقع ويب. وهذا ملمح مثير من حيث أنه يشجع على الاستخدام الديمقراطي للويب ويعزّز حرية تكوين المحتوى من قبل المستخدمين غير التقنيين.

    يستعين التحرير الحر بما يسمى بالذكاء الجمعي (Intelligence Collective) والذي يساهم فيه أفراد أو المستخدمون فيمكن المستخدم من التعليق على المعلومات ونقدها وتكملتها أو إثرائها أو الإعلان عنها والتحذير منها بما يؤدّي إلى حذفها أو تجاهلها.

مجتمعات الشراء الالكتروني

    وهي مجتمعات يميّزها السلوك الشرائي وأيضا سلوك البيع المؤسساتي، ويكون الدفع في هذه المجتمعات الكترونيا بطريقة تحويل الأموال عبر شركات متخصصة أو عبر بطاقات التأمين. ولا يقتصر النشاط ضمن هذه المجتمعات على البيع والشراء والإشهار فقط، بل يتعدى ذلك إلى تبادل الآراء والتجارب وإعطاء التقييمات حول جودة السلع وكذلك مقارنة أسعارها.

مجتمعات الاهتمامات المشتركة:

المشاركة في المجتمع الافتراضي من خلال تشكيل مجموعات افتراضية في مختلف مجالات التخصص كمجتمع الأطباء ومجتمع المهندسين والأساتذة وغيرهم، "ويتيح المجتمع الافتراضي للمستخدمين الشعور بوجودهم في بيئة مختلفة تماما للواقع المادي أو الواقع الحقيقي وتمكنهم من تبادل الخبرات والمعارف مع الآخرين الذي ينتمون لنفس البيئة الافتراضية أو المجتمع الافتراضي" (محمد لعقاب،2007، ص 55).

مجتمع التفضيلات (Social Bookmarking)

المفضلة الاجتماعية هي طريقة لمستخدمي شبكة الإنترنت لتبادل، ومشاركة وتنظيم وبحث وإدارة مواقع مفضلة لمصادر شبكة الإنترنت، خلافا لمشاركة الملفات فالمصادر بحدّ ذاتها ليست مشتركة، إلا أنّ المفضلة تشير وتعود لتلك المصادر. إنّها عبارة عن شبكة تفاعلية واجتماعية، يتم فيها تبادل مشترك للمفضلات الفردية المفهرسة.

مجتمع المكتبات الالكتروني

وهي مجتمعات خدماتية يمكن من خلالها الاطلاع على نسخ الكترونية لكتب ووثائق على الخط أو عن طريق تحميل الكتب المتوفرة بطريقة مجانية أو مقابل دفع رسوم التسجيل أو دفع ثمن النسخة الالكترونية، وتفتح هذه المجتمعات المجال للنقاش والتعريف بهذه الوثائق، مثل موقع ايسو (Issuu).

مجتمعات (مواقع) تقاسم محتويات (Share Site)  

وهي مواقع تسمح بتقاسم أو تشارك كل أنواع الملفات والمواد (الفيديو الصور وكل أنواع المعلومات ومختلف أشكالها) ومن أمثلة ذلك موقع (Mediafire) و(Etorent)، فيقوم المستخدمون بإدراج مواد مختلفة الأشكال والأنواع على هذا النوع من المواقع وذلك لتخزينها وتقاسمها مع مستخدمين آخرين.

مجتمعات الأخبار والقوائم البريدية

القوائم البريدية هي مواقع اجتماعية يتم التسجيل فيها وذلك قصد الاستفادة من الخدمات الإعلامية التي توفرها والتي تتميز بالسرعة والكم الكبير من المعلومات التي تمس الكثير من الجوانب والمواضيع، وتمكن هذه المواقع المسجلين التعليق على هذه الأخبار وخلق نقاشات حولها، وهذا ما يخلق نوعا من التفاعل داخلها.

مجتمعات اللعب الإلكتروني

   وهي مجتمعات يتمّ إنشاؤها بطرق متقدمة، وذلك بهدف جمع مجموعة من الأفراد حول قصة ترفيهية خيالية يتشاركون في السيطرة على شخصياتها، وعادة ما تكون هذه القصص مجسّدة في خيالات ثنائية أو ثلاثية الأبعاد يمكن للاعبين أثناء ممارسة ألعابهم المفضلة التواصل فيما بينهم بطرق مختلفة.

   هناك العديد من الأنواع المستحدثة من المجتمعات الافتراضية داخل الفضاء الافتراضي، ومن المتوقع أن تظهر لاحقا أنواع أخرى، وذلك حسب نوع الحامل المعلوماتي المستعمل في تداول المعلومات عليها وكذا حسب نوع الأغراض المعلوماتية المستحدثة من أجلها، ونوع المعلومات المنشورة والمتداولة عبرها.

الانحرافات الافتراضية  

يمكن القول إنّ أن المجتمعات الافتراضية نزعت طابع المقاطعة بين الأجناس والأعراق واللغات...لكنها خلقت أنواعا أخرى من التجمعات والتكتلات أكثر حدّة في طابعها التكنو-اجتماعي، ومع أنّ هذا النوع من المجتمعات حديث العهد إلاّ أنّ قضايا عدّة تطرحها على الصعيدين الأمني والأخلاقي بالخصوص. ولعلّ أهمها وجود تجمعات متطرفة دينيا أو فكريا أو عرقيا وتكون في أغلب الأحيان امتدادا لمجتمعات موجودة في الحياة الطبيعية أو هي مولودة أساسا داخل الفضاء الافتراضي، تقوم بنشر أفكار ومعتقدات متطرفة مثال ذلك النازيون الجدد (New-Nazism) وجماعات كره الديانات (كره الإسلام)، ومجتمعات الانتقام الافتراضي...الخ) ويتحدّث الكثير من المتتبعين عن أنّ المجتمعات الافتراضية تقوم بالتقليل من المساندة الاجتماعية أو التضامن الاجتماعي، "فتختزل المشاعر وتجعلها مجرد تفاعل الكتروني مع صور وتعليقات، حيث تزيد العلاقات الناتجة داخلها من فرص الاكتئاب والوحدة. فمع ظهور الإنترنت، دخلنا فيما أسماه دومينيك وولتن (Dominique Wolton) بالعزلة التفاعلية أو الوحدة التفاعلية (Solitudes Interactives)، وهو يرى أنه: "بإمكان الفرد أن يكون مستعملا ممتازا للأنترنت لكن لديه أكبر الصعوبات في أن يدخل في حوار مع من بجانبه في مقهى الانترنت" (حسيبة قيدوم، 2006، ص8). فهذا نوع من التناقض الاجتماعي بين الشخصية التي يملكها الفرد وتلك التي يثيرها تفاعله على الشبكة، فالعوالم الافتراضية النصية والأيقونية التي تحتويها الانترنت تقوم بتقريب المسافات وخلق علاقات بقدر ما تلهي الأفراد عن علاقاتهم الواقعية.

   ومع زيادة فرص الحوار بين المجتمعات في كلّ أنحاء العالم عبر النظام التواصلي الشبكي الجديد، زادت مشاعر العزلة بين الناس. يروي أحدّ مستخدمي الشبكة عن تجربته الاتصالية والعزلة التي ولّدتها شبكة الإنترنت، يقول: "فعندما اكتشفت الفوائد المهنية للأنترنت من الدخول إلى مجموعات مناقشة فورية مع زملاء لهم نفس الاهتمامات العلمية والفكرية في كافة أنحاء العالم لاحظتُ أيضا أنني أصبحتُ أقضّي وقتا أقلّ مع أسرتي وأصدقائي" (أحمد محمد صالح،2001، ص21).

  ومن أهمّ ما يمكن ملاحظته داخل الفضاء الافتراضي عامة هو ظهور ما يسمى بالرويبضة الالكترونية "ونعني بها تلك الفوضى القائمة والجدل العقيم الدائر عبر وسائط الاعلام والاتصال الجديدة بصورة علنية، حول أمور عامّة دون تحديد نوعية ولا مستوى ولا هدف الأفراد الفاعلين في النقاش، وذلك باستغلال الحرية التي توفرها أدوات وتطبيقات الوسائط الجديدة والفضاءات العمومية مفتوحة المصادر، حيث تعتبر الرويبضة الالكترونية من مظاهر سوء استغلال الحرية التي يمنحها الفضاء الالكتروني للمستخدمين". (محمد امين عبوب،2017، ص13).

  وفي رؤية مغايرة تعتبر الرقابة والحجب اللذان تفرضهما جهات سلطوية حكومية أو تقنية على المجتمعات الافتراضية مشكلا يحدّ من فاعليتها، ويجعلها عرضة للحدّ من دورها في جميع المجالات ونزع صفة الحرية المعلوماتية عن مستخدميها، هذا ما يجعل هذا النوع من المجتمعات ضعيفة مقارنة بنظيرتها الطبيعية لأنها عرضة للانهيار في أي حين بسبب ممارسات عدائية أو تنظيمية (أمنية) أو حتى لأسباب تقنية تتعلق بالشبكات.

 ومحصّلة ما سبق هوّ أنّ واقع الفضاء السيبراني الجديد واقع معقد إلى أبعد الحدود، وهو بصدد التوسّع والانغماس أكثر فأكثر في العوالم اللاماديّة وستتزايد مع توسّعه العديد من المشكلات الأمنيّة والأخلاقيّة التي لن تحتويها الحلول الإلكترونيّة والإنسانيّة رغم نجاعة أساليبها.

المراجع

  • أحمد محمد صالح، (دون تاريخ)، إثنوغرافيا الانترنت وتداعياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، دون دار ولا بلد نشر.
  • أحمد محمد صالح، (2001)، الانترنت والمعلومات بين الأغنياء والفقراء، دار الأمين للنشر والتوزيع، كراسات (11)، مركز البحوث العربية للدراسات العربية والإفريقية والتوثيق، القاهرة.
  • إبراهيم بعزيز، (2008)، منتديات المحادثة والدردشة الالكترونية (دراسة في دوافع الاستخدام والانعكاسات على الفرد والمجتمع)، مذكرة ماجستير غير منشورة، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر.
  • حسيبة قيدوم، (2006)، الأبعاد النفسية والاجتماعية للعالم الافتراضي، المجلة العربية للعلوم والمعلومات، العدد 7، دون مكان النشر.
  • رضا عبد الواجد أمين، (2009)، استخدامات الشباب الجامعي لموقع يوتيوب على شبكة الإنترنت، أبحاث المؤتمر الدولي الإعلام الجديد: تكنولوجيا جديد...العالم جديد، جامعة البحرين.
  • شوقي العلوي، (2006)، رهانات الانترنت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت (لبنان)، الطبعة الأولى.
  • شيماء إسماعيل، عباس إسماعيل، (2007)، المدونات المصرية على الشبكة العنكبوتية العالمية مصدرا للمعلومات مع إشارة خاصة لمدونات المكتبات ومدونات المكتبيين،cybrarians journal، العدد 13 http://www.cybrarians.info/journal/no13/blogs.htm  ، (07/04/2017.
  • علي محمد رحومة، (2010)، تنمية المجتمعات الافتراضية، عوامل نجاح جديدة للتطوير الشبكي التكنو اجتماعي، معهد النفط الليبي ، مركز بحوث النفط سابقا، ليبيا، (12/11/2010).
  • علي محمد رحومة، (2008)، علم الاجتماع الآلي، علم الاجتماع الآلي، عالم المعرفة (347)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
  • علي محمد رحومة،‏ (2005)، الانترنت والمنظومة التكنو-اجتماعية، بحث تحليلي في الآلية التقنية للإنترنت ونمذجة منظومتها الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية.
  • عباس مصطفى صادق، (2008)، الإعلام الجديد، المفاهيم والوسائل والتطبيقات، دار الشروق للنشر والتوزيع،
  • مايكل راش، (2006)، الواقع الافتراضي عالم ساحر، الشرق الاوسط، العدد 9919، (12/05/2017)
  • محمد منير حجاب، (2004)، المعجم الإعلامي، دار الفجر، القاهرة،
  • محمود عبد الستار خليفة، (2009)، الجيل الثاني من خدمات الإنترنت مدخل إلى دراسة الويب 2.0 والمكتبات 2.0،
  • محمد لعقاب، (2007)، وسائل الإعلام والاتصال الرقمي، دار هومة، الجزائر.

      References

  • FEJLAOUI younss; Leadership d’opinion et communautés virtuelles : un état de l’art; Centre de Recherche en Gestion, Institut d’administration des Entreprises, Université des; Sciences Sociales de Toulouse1, Place Anatole France.
  • Howard Rheingold, the electronic version of The Virtual Community ; « http://www.rheingold.com/vc/book/intro.html» ; (16/02/2011).
  • Kay, Russell. )2007( Quick Study: Online Social Networks ; Computer world., ; « http://www.computerworld.com/s/article/302652/Online_Social_Networks ».
  •  Leonard, A. You are who you know .- Salon.com Technology, 2004. «http://www.salon.com/technology/feature/2004/06/15/social_soctware_one».
  • Mew, Lionel Q. L. )2009(,Online Social Networking: a task-person technology fit perspective / directed by William H. Money ; School of Business, George Washington University,. PhD. Dissertation.
  • Maffesoli Michel, (2000), Le temps des tribus, La table ronde.
  • Serge Proulx : (2004) « les communauté virtuelles, construisent-elles du lien social ? » colloque international : l’organisation media, dispositifs médiatiques, sémiotiques et des médiations de l’organisation, université Jean moulin, Lyon ,19-20 /11/2004. « http://www.lcp.cnrs.fr/pdf/pro-04a.pdf » (16/02/2011)