آليات تلقى الميديا الجديدة بمنظور الشخص الثالث

آليات تلقى الميديا الجديدة بمنظور الشخص الثالث

مـحمد لمين بوذن- فائزة بوزيد

جامعة الاغواط/ جامعة بسكرة، الجزائر

الملخص

تنطلق هذه الدراسة من منظور تأثّر الشخص الثالث في دراسة وسائل الإعلام، والذي ظهر في العقد الثامن من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، غير أنه لم ينل حظه من الدراسة في السياقات العربية وخاصة في دول المغرب العربي، وعليه تسعى هذه الورقة إلى استجلاء أساسيات منظور تأثّر الشخص الثالث في دراسة وسائل الإعلام وتطبيقاتها على دراسة التلقي عبر الميديا الجديدة.

الكلمات المفتاحية: تأثر الشخص الثالث، الميديا الجديدة، التلقي، بحوث الجمهور.

Abstract

This study stems from the perspective of the third person in the media study, which appeared in the eighth decade of the last century in the United States of America and Europe, but did not get enough study in the Arab contexts, the Maghreb countries, And this paper seeks to clarify the basics of the perspective of the impact of the third person in the study of the media and its applications in the study of receipt through the new media.

Keywords: Third Person Effects; New Media, Media effect, social media.

مقدمة

تسعى هذه الورقة إلى عرض إحدى الفرضيات الحديثة نسبيا في المجال الإعلامي وتطبيقاتها في دراسة تلقي الميديا الجديدة، والتي ظهرت بداية العقد الثامن من القرن الماضي وتبلورت أكثر بداية الألفية الثانية في المجتمعات الغربية خاصة، وهذه الفرضية هي فرضية تأثّر الشخص الثالث التي تتقاطع في الكثير من النقاط مع افتراضات التأثير على مراحل لوسائل الإعلام، غير أنها تعطي تفسيرات لفهم العملية الاتصالية في ضوء طبيعة المادة الإعلامية والجمهور والسياقات الاجتماعية، وعليه ننطلق في هذه الورقة بالتساؤل حول كيفية دراسة التلقي عبر الميديا بمنظور تأثر الشخص الثالث؟

I. في منظور تأثر الشخص الثالث

بداية ثمانينات القرن الماضي طرح عالم الاجتماع الألماني "فيليب دافيسون فرضية مفادها أنّ هناك فجوة إدراكية لدى أفراد الجمهور في اعتقادهم عن تأثيرات وسائل الإعلام عليهم وعلى غيرهم، (Johansson, 2002, p. 81) ذلك أنهم يعتقدون بعدم وجود تأثير كبير عليهم وعلى أقرانهم الذين يشبهونهم، عكس بقية الأفراد الذين لا يشبهونهم، وأطلق دافيسون على هذه الآلية من التأثر تسمية "تأثّر الشخص الثالث"، والتي تعكس في منظوره ميلا بشريا لإدراك الذات بطريقة تجعل نظرتنا إلى أنفسنا أفضل من النظرة إلى الأخرى ، (Davison, 1983) وعليه فإن:" الأفراد يميلون إلى المبالغة في إدراك تقدير تأثير المواد الإعلامية على اتجاهات الأخريين وسلوكهم وهم في ذلك يتوقعون أن تكون تأثيرات هذه المواد أكبر على الآخرين منه على أنفسهم، ممّا يدفعهم إلى اتخاذ إجراء سلوكي لوقاية الآخرين من هذه التأثيرات السلبية" (Davison, 1983).

غير أنه في حالة ما إذا كان تقييم الرسالة ايجابيا من حيث جودتها ومحتواها، وإذا ما نظر إلى تلك الرسائل على أنها ذات صلة شخصية بنا، وإذا كان ينظر إلى التأثير على أنه مرغوب فيه اجتماعيا، فإن الاختلافات المدركة في تأثير هذه الرسالة على الذات وعلى الغير تقلّ، ويتجه الأفراد في هذه الحالة أكثر إلى الإقرار بوجود تأثير لهذه الرسالة عليهم.  ومن الممكن أن يخلق هذا النوع من الرسائل "تأثر الشخص الأول"، والذي يتجه فيه الأفراد إلى تقييم الرسائل على أنّ لها تأثيرا أكبر على الذات أكثر مما هو على الغير. (Schweisberger, Billinson, Chock, 2014). وعليه يشمل مفهوم دافيسون لتأثر الشخص الثالث عنصريين أساسيين هما:

العنصر الأوّل ويتمثل في توقّع الأفراد بوجود تأثير قوي للرسائل الإعلامية على غيرهم أكثر مما يكون عليهم.

والعنصر الثاني الذي يركّز على التأثير المتوقع على الآخرين يمكن أن يؤدي إلى تنبؤات، ولا ترجع هذه التنبؤات لتأثيرات الرسالة الاتصالية على الاتجاهات والسلوكيات إلى الرسائل نفسها ولكن إلى سلوك هؤلاء الذين يتوقعون استجابة مّا بما يدفعهم إلى اتخاذ إجراء سلوكي لوقاية الغير من هذا التأثير المتوقع. (السقا، د ت، صفحة 8).

ومنذ وضعها لأوّل مرّة، لاقت نظرية تأثّر الشخص الثالث قبولا واهتماما كبيرا في الأوساط الأكاديمية خاصة في مجال علوم الإعلام والاتصال حيث اختبر الباحثون هذا الفرض في العديد من المجالات مثل الإشهار والإخبار، والاتصال السياسي، والتسويق عبر الانترنت ...وغيرها، (,Charalampos &others 2016). واختبرت الدراسات الغربية فرضية تأثر الشخص الثالث من جانب المتلقي والمصدر والرسالة ومتغيرات الوسيلة هذا بالإضافة إلى متغيرات أخرى استخدمت لتعريف "الشخص الثالث" أو الآخرين (Ge Wang , 2013, p. 1). وقبل الشروع في شرح هذه المتغيرات نتطرق أوّلا للمفاهيم الأساسية لنظرية تأثر الشخص الثالث وافتراضاتها ومراحل حدوث هذا التأثير.

الشخص الأوّل، (التأثير العكسي للشخص الثالث)

ويقصد بهذا المفهوم تصور الفرد لأثر وسائل الإعلام أو المضامين الإعلامية على ذاته، ويتصوّر الفرد في هذه الحالة بأنّ التأثير الأكبر سيكون عليه أكثر مما يكون على غيره، وقام "اينيس وزيتس" بتوثيق هذه الظاهرة لأوّل مرة سنة 1988، عندما لاحظا فرقا في تصوّر مجموعتين من الأفراد لأثر المضامين الإعلامية عليهم، حيث بيّنت النتائج في الحالة الأولى التي تعرّض أفرادها لمضامين إعلامية عنيفة وجود التصوّر التقليدي لأثر الشخص الثالث، غير أنه في الحالة الثانية والتي تعرض أفرادها لإعلان خدمة عامة وجدوا أنّ تقدير هؤلاء لتأثير هذا المضمون عليهم سيكون اكبر ممّا هو على غيرهم.، (Innes, J.M.; Zeitz, H, 1988, p. 461). ووجد كوهين وديفيس أنّ الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير تأثير الإعلانات الهجومية على المرشحين غير المرغوب فيهم على أنفسهم أكثر منه على الآخرين. (Cohen, J.; Davis, R.G, 1991) وهو ما دفعهم إلى تسمية هذا التصور بالتأثير العكسي للشخص الثالث. وعلى هذا الأساس فتأثر الشخص الأول يبرز في حالة ما إذا كان تقدير الفرد لأثر المضامين الإعلامية إيجابيا.

الشخص الثاني

 ويقصد به الأفراد الذين يتشابهون مع الشخص الأوّل في الخصائص ويكونون قريبين منه من حيث المسافة الاجتماعية، (Meirick, P.C, 2005, p. 823) وحسب افتراض تأثر الشخص الثالث فإنّ التأثير الأكبر لوسائل الإعلام لن يكون على الأنا، ( الشخص الأوّل) أو عليك أنت ( الشخص الثاني) وإنما يكون على الآخرين (الشخص الثالث)  الذين لا يشبهوننا ويكونون بعيدين عنا من حيث المسافة الاجتماعية. (المطيري، 2009، صفحة 209).

الشخص الثالث

 ويُفيد الأفراد الذين لا يتشابهون مع الشخص الأوّل من حيث الخصائص ويكونون بعيدين عنه من حيث المسافة الاجتماعية، ولذلك ينظر الشخص الأول لهؤلاء (الآخرين) بأنهم أكثر عرضة للتأثيرات الضارة لوسائل الإعلام. (Davison, 1983)

التحيز الإدراكي

ومفاده اعتقاد الأفراد أنهم أكثر مقاومة لمحتوى الرسائل الإعلامية عندما يشعرون أنّ محتوى هذه الرسال قليل الأهمية أو أنّ له تأثيرات سلبية.

II. فرضيات نظرية تأثر الشخص الثالث:

بنى دافيسون نظرية تأثر الشخص الثالث على افتراضيين أساسيين يتعلّق الأوّل بالجانب المعرفي الإدراكي والثاني بالجانب السلوكي للأفراد.

أمّا الفرض الإدراكي فيعني أنّ الأفراد يدركون أنّ الرسائل الإعلامية ذات تأثير أكبر على الآخرين من تأثيرها على أنفسهم، ويتحيز الفرد لذاته عند تقديره مدى تأثرّه بالرّسالة الإعلامية في مقابل تأثر الآخرين بالرسائل ذاتها، (السقا، د ت، صفحة 9). والفرض الإدراكي قائم على إدراك الناس للآخرين بأنهم أكثر تأثّرا بالمضامين الإعلامية من أنفسهم وخاصة المضامين السلبية. هذا الإدراك سوف يؤدي إلى إتباع سلوكيات هادفة إلى حماية الآخرين الذين تعرضوا لتأثير وسائل الإعلام السلبية بشكل كبير (المطيري، 2009، الصفحات 209 - 210) وذلك على أساس أنّ الفرد يُؤمن بأنه قادر على حماية نفسه من تأثير هذه الرسائل الضارة، بينما الآخرون لا يملكون القدرة على حماية أنفسهم. ويفسّر دافيسون هذا الإدراك بأنه ينتج عن التقدير المبالغ فيه لتأثير الرسائل الإعلامية على الآخرين، بينما يأتي تقدير التأثير على الذات دقيقا وموضوعيا، وهو قد يحدث نتيجة لأحد العوامل الآتية: المبالغة في تقدير تأثير الرسالة على مدركات الآخرين، والتهوين من تأثير الرسائل الإعلامية على الذات (السقا، د ت، صفحة 9).

وترجع هذه الإدراكات الى ميل الفرد الى التحيز لذاته، والفهم المحدود عند الأفراد للعمليات المعرفية التي تحدث بداخلهم. ولذلك تكون إدراكاتهم لتأثير وسائل الاعلام بهذه الطريقة، حتى لو كانوا يتأثرون بها فعلا. (عبد العظيم، 2004، صفحة 92).

وأمّا الفرض السلوكي فإنه لم يجد اهتماما كبيرا من قبل الباحثين عكس الفرض الإدراكي، وفحوى هذا الفرض هو أنّ الفرض الإدراكي من الممكن أن يؤدّي بالأفراد إلى القيام بأفعال لتقليل التأثيرات السلبية المتوقعة على الآخرين، ونتيجة لاعتقادات الشخص الأول عن تأثير المضامين الإعلامية عليه وعلى غيره، فإنه يسعى الى اتخاذ إجراءات لحماية الآخرين من التأثيرات السلبية للمضامين الإعلامية مثل وضع قيود أو فرض رقابة على هذه المضامين(Davison, 1983, p. 6).

ويأتي الفرض السلوكي الذي يتجسد غالبا في تأييد فرض قيود على وسائل الإعلام أو المضامين الإعلامية ومراقبتها، كشكل من أشكال التدخل الاجتماعي الأبوي (Mark R. Jostym, 2003, pp. 830 – 833) والذي يقوم على وجود رقيب، بمثابة الأب، يعمل بقصد لحماية الآخرين من الآثار السلبية للمضامين الإعلامية. ويتحقق الفرض السلوكي أحيانا في شكل تفسير قائم على الدافعية الوقائية والتي تعني أنّ الحكم على مدى قابلية الشخص للتأثير بالتهديد المحيط به وتقييمه لقوة هذا التهديد، قد يدفعانه إلى اتخاذ سلوك وقائي للسيطرة على هذا الخطر أو التهديد. (السقا، د ت، صفحة 10) وهو ما أيدته دراسة (Marco and ULI) والتي سعت لمعرفة التأثيرات السلبية لاستخدام شبكة الانترنت، من خلال اختبار افتراضات "دافيسون" حول تأثر الشخص الثالث ومتغير المسافة الاجتماعية على عينة من البرلمانيين في ألمانيا لمعرفة مدى تأييدهم لفرض الرقابة على ما ينشر على شبكة الانترنت. وجاءت نتائج الدراسة مؤيدة للفرض السلوكي لنظرية تأثر الشخص الثالث، بضرورة فرض رقابة على منشورات شبكة الانترنت لما لها من تأثيرات سلبية على الآخرين مقارنة بالذات. (Dohle&Uli Bernhard, 2014) ويستنتج عبد الرحمان المطيري من هذا أنّ نظرية تأثر الشخص الثالث مفهوم له مدى يتدرّج وفق المراحل الآتية:

  • وسائل الإعلام لها تأثيرات قوية على الأفراد والثقافة.
  • أحقية بعض الأفراد أو الفئات الاجتماعية في التصدي لمضمون وسائل الإعلام.
  • المناعة الذاتية هي المساحة الفاصلة بين الذات والآخرين، بمعنى أن وسائل الإعلام تؤثر على الآخرين ولا تؤثر على الفرد.
  • الفعل الاجتماعي حيث يرى بعض الأفراد أو الفئات الاجتماعية أن لديهم مسؤولية اجتماعية كبيرة عن الآخرين في المدى الأول وفي نهاية المدى سوف تؤثر عليهم، فيقومون بعملية استباقية لهذا التأثير. (المطيري، 2009، صفحة 212).

III. مراحل حدوث تأثر الشخص الثالث

بناء على ما سبق يمكن القول إن آلية تأثر الشخص الثالث تحدث وفق المراحل الآتية:

المرحلة الأولى، ويميل الأفراد في حدودها إلى الاعتقاد بأنّ لديهم معلومات غير متوافرة لدى الآخرين، اعتقاداً منهم بأن الآخرين ليست لديهم المعلومات الكافية التي يملكونها، بما يجعلهم أكثر عرضة لتأثير الرسائل الإعلامية.

المرحلة الثانية، ويرى الأفراد من خلالها أنّ الرسائل الإعلامية تكون منحازة ضد آرائهم واتجاهاتهم؛ وبالتالي قد تحدث تأثيرات غير مناسبة نتيجة لتحيز هذه الوسائل لوجهة نظر معينة، حيث يرى هؤلاء الأفراد أنه من أجل تغطية متوازنة يجب أن تعرض وسائل الإعلام وجهة النظر المتوازنة في عرض القضايا بعيدا عن أي تحيز.

المرحلة الثالثة، والتي يحدث فيها تأثير الشخص الثالث نتيجة لما يسمى بالتعزيز الذاتي ويتمّ ذلك عندما يشعر الأفراد بأنّ الرسائل الإعلامية غير مرغوبة لديهم، ويكونون بذلك غير مقتنعين بما تعرضه الرسائل الإعلامية من مضامين، بل يظلّون متمسّكين ومقتنعين بما يملكونه من آراء واتجاهات.

المرحلة الرّابعة، وهي الرحلة التي يمتلك الآخرون فهما محدودا من الأفكار والعمليات الإدراكية، ومن ثمّ فهم أقلّ تأثراً برسائل وسائل الإعلام، وخاصة الرسائل السلبية من وسائل الإعلام القوية، ومن ثمّ فإن الجماعات المرجعية التي ينتمون إليها أكثر تأثيرا من وسائل الإعلام. (السقا، د ت، صفحة 10).

 العوامل المؤثرة في تأثر الشخص الثالث:

عديدة هيّ العوامل التي تؤثّر في مستوى تأثّر الشخص الثالث، وتراوح بين سياقات مختلفة، تعليميّة، واجتماعيّة واقتصاديّة، وأخرى متصلة بالرّسالة الإعلاميّة بحدّ ذاتها، وعوامل تعود إلى مستويات التلقّي وطبيعة المصدر الإعلامي، وترد كالآتي:  

المستوى التعليمي: يؤثر هذا العامل في إدراك الفرد لتأثيرات وسائل الإعلام عليه وعلى غيره وهو ما أثبتته دراسة جوهانسون التي توصلت إلى وجود تأثير عكسي لتأثر الشخص الثالث لدى المبحوثين ذوي المستوى التعليمي العالي، في إدراكهم لتأثير وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهاتهم نحو الموضوعات السياسية، عكس بقية المبحوث (Johansson, 2002).

  • عوامل تتعلق بالمصدر: في حالة إدراك المتلقي لكون مصدر الرسالة غير موثوق أو أنه متحيز بشكل سلبي لموضوع معين، تزيد احتمالية حدوث تأثر الشخص الثالث، والعكس صحيح.
  • عوامل تتعلق بالرسالة: يتزايد تأثير الشخص الثالث عندما تتضمن الرسائل الإعلامية موضوعات ذات أثار سلبية أو غير مرغوبة اجتماعيا، مثلما هو بالنسبة لإعلانات التدخين والمشروبات الكحولية وإعلانات القمار، (Hoornes, V Ruiter, 1996).
  • المسافة الاجتماعية: ويعتبر هذا العامل من العوامل الأساسية في حدوث تأثر الشخص الثالث حيث أنه كلما زادت المسافة الاجتماعية المدركة بين الذات والآخرين يزيد تأثير الشخص الثالث فالأفراد عادة ما يتشابهون مع أعضاء جماعاتهم عن أعضاء الجماعات الأخرى. (Perloff, R.M, 1999)
  • عوامل متعلقة بالمتلقي: وتتمثل في العوامل الديمغرافية المتعلقة بالجمهور ومستوى استغراق المتلقي في القضية واهتمامه بها ومكانته الاجتماعية وتمثلاته لنفسه وللآخرين.

أفق دراسة التلقي بمنظور تأثر الشخص الثالث

ابتداءً من النصف الثاني القرن الماضي برز تحول في نظرة بحوث الإعلام والاتصال للجمهور ، فبعد أن كرست البحوث الأولى للاتصال التوجه الخطي في دراسة العملية الإعلامية باهتمامها بدراسة تأثير وسائل الإعلام وحجم الجمهور ومعدلات التعرض مع إهمال المتلقي الذي كان ينظر له على أنه طرف سلبي ومعرض للاختراق من طرف وسائل الإعلام، جاءت دراسات التلقي لتؤكد على الدور الفاعل للمتلقي في تعامله مع محتويات وسائل الإعلام وذلك من خلال عمليات الفهم والتأويل التي يقوم بها عند تلقيه للنصوص الإعلامية (شعبان، 2015) ،وفي هذا السياق نجد أن نظرية تأثر الشخص الثالث تتشابه مع بعض النظريات التي اهتمت بدراسة تلقي وإدراك الجمهور للمحتويات الإعلامية على غرار مدخل الاستخدامات والإشباعات والذي يؤكد على أن ما يدركه الفرد من وسائل الإعلام قد يكون أكثر أهمية من المضمون الذي تقدمه هذه الوسائل ،كما تتقاطع نظرية تأثر الشخص الثالث مع نظرية دوامة الصمت والتي تهتم بدراسة الرأي العام، من حيث كونهما تركزان على أهمية مدركات الافراد وافتراضاتهم عن البيئة الاتصالية  في تشكيل وتوجيه تصرفاتهم وطريقة بنائهم للأحداث. (منصور ندا وذو الفقار، د ت )، وبالرغم من انه لا يمكننا وضع نظرية تأثر الشخص الثالث ضمن نموذج معين من نماذج بحوث الإعلام إلا أنه يمكن القول أنه إذا كانت بحوث التأثير قد طرحت تساؤل ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور ؟، وبحوث التلقي طرحت تساؤل ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟ فإن منظور تأثر الشخص الثالث يطرح تساؤل كيف يفسر المتلقي تأثير مضامين وسائل الإعلام عليه وعلى غيره؟ وفي الاتي شكل يوضح آلية إدراك تأثر الشخص الثالث:
خطاطة رقم 1، آلية تأثر الشخص الثالث (الشرقاوي، 2014)

ان اهتمام نظرية تأثر الشخص الثالث بتأثير السياقات والخصائص الاجتماعية على ادراك  المضامين الإعلامية وتبينيها لافتراض الأبوية في إدراك المتلقي لتأثير وسائل الإعلام واعتمادها على متغيرات المسافة الاجتماعية والتأثير التفاضلي والتحيز الإدراكي في تفسير تأثير وسائل الإعلام، قد يجعلها صالحة للتطبيق في السياقات العربية التي تتميز مجتمعاتها: "بالتماسك العضوي القائم على أساس القرابة والدم والشبكات الاجتماعية التقليدية المهيمنة" (سعيد لوصيف وآخرون، 2016) والتي تكون فيها الروابط والعلاقات الاجتماعية محددات أساسية لسيرورة العملية الاتصالية داخل هذا النسق الاجتماعي .

IV. منظور تأثّر الشخص الثالث ودراسة التلقي عبر الميديا الجديدة:

لقد وصف دافيد مورلي التطورات التي شهدتها دراسات التلقي في العقد الأول من هذه الألفية بالجيل الثالث لدراسات التلقي ، هذا الجيل الذي ألقت تطورات تكنولوجيا الإعلام والاتصال بضلالها عليه، حيث برزت عوامل جديدة مؤثرة في تكوين الجمهور لم تكن موجودة من قبل فتغلغل وسائط الاتصال الرقمية في الحياة المعاصرة بما تحمله من امكانات تواصلية (الفورية، اللاتزامنية، التفاعلية...الخ) انتج مظاهر جديدة تدعم افتراض فاعلية جمهور وسائل الإعلام الذي اصبح قادرا على اختيار المحتوى والمصدر الإعلامي الذي يتعرض له وقادرا على التفاعل معه وقادرا حتى على التحول الى منتج للمضامين الإعلامية بما يمتلكه من عدة تقنية ذات قدرة على النفاذ والانتشار. (محراز، 2017) فمع التعدد الهائل والتنوع الكبير في اشكال ووسائط الإعلام بدأ الجمهور يتفتت إلى مجموعات صغيرة، بدلاً من حالة الجماهير العريضة لوسائل الإعلام التقليدية وهكذا انتقل الإعلام إلى مرحلة الإعلام الفئوي والإعلام المتخصص، في عصر المجتمعات الافتراضية والشبكات الرقمية التي تتميز فيها العلاقات باللامكانية واللاتزامنية، (الشميمري ، 2010) في ظل هذه التحولات وضعت النظريات والمقاربات التي أطرت بحوث الإعلام أمام متغيرات جديدة ألزمتها بضرورة الانسجام مع هذا واستيعاب تحولاته.

وبالنسبة لنظرية تأثر الشخص الثالث والتي تعتبر من النظريات الجديدة نسبيا في هذا المجال نجد أنه تم الاعتماد عليها كثيرا في دراسة البيئة الإعلامية الجديدة خاصة في أوروبا وأمريكا نظرا لما تشتمل عليه من افتراضات قد تسهم في فهم متغيرات البيئة الإعلامية الجديدة خاصة أنها تهتم بالجوانب النفسية والاجتماعية للإنسان في تلقيه للمضامين الاتصالية، وهو ما يتناسب مع دراسة التلقي والاستخدام في الميديا الجديدة، ودراسة التفاعلات التي تتم في هذا السياق وكذا عادات وانماط التلقي والاستخدام ،وهو ما نجده في العديد من الدراسات الغربية مثل دراسة "(Charalampos& others, 2016) والتي بحثت في دور مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل رأي المستخدمين حول مواقع الويب وذلك من خلال دراسة التفاعلات ( المشاركات، التعليقات...الخ) وهو ما نتوسمه أيضا في دراسة (Schweisberger, Billinson, Chock, 2014) التي بحث في أثار تضمين وتأطير القصص الإخبارية على الانترنت في سياقات وسائل الإعلام الاجتماعية (الفايسبوك) ومدى تأثير هذه الموضوعات على الذات مقارنة بالآخرين إذا تم قراءتها من خلال الصفحة الشخصية للمستخدم عن قراءتها على شبكة الانترنت، وافترضت الدراسة أن الآثار المدركة للقصص الإخبارية على الذات ستكون أكثر إذا تمت قراءة القصص الإخبارية كجزء من صفحة الفايسبوك عن أن تتم قراءة هذه القصص على الانترنت كأخبار، وستكون تأثيرات الشخص الثالث أقل إذا تمت قراءة القصص الإخبارية كجزء من صفحة الفايسبوك من إذا كانت تلك القصص تقرأ على أنها قصص إخبارية على الانترنت، وتوصلت الدراسة إلى أن الأخبار المنشورة على صفحة الفايسبوك الشخصية أكثر تأثيرا على الآخرين منه على الذات .

وفي دراسة أجراها الباحثان Wu Wei and Sah Hoon Koo سنة 2001 على عينة من طلبة إدارة الأعمال بجامعة سنغافورة حول التعرض للمواقع الاباحية عبر الانترنت، توصلوا من خلالها الى وجود اعتقاد سائد لدى الطلبة بأن الآخرين أكثر تعرضا للمواقع الإباحية وأكثر تأثرا بها مقارنة بأنفسهم وهو ما يؤكد الفرض الإدراكي لنظرية تأثر الشخص الثالث، كما توصلوا في اختبارهم للفرض السلوكي للنظرية إلى وجود علاقة بين اعتقاد الطلبة حول تأثر الاخرين بالمضامين الاباحية واتجاههم المؤيد لفرض رقابة وقيود على المواقع الجنسية (Wu Wei and Sah Hoon Koo، 2001). مثل هذه الدراسات وغيرها التي اعتمدت على نظرية تأثر الشخص الثالث في دراسة الميديا الجديدة ساهمت بشكل كبير في فهم آليات التلقي في هذا الوسط، إلا أنه في المجتمعات العربية لم يتم الاعتماد على هذا المنظور في تفسير التلقي عدا بعض المحاولات المحتشمة الي تركزت في منطقة الخليج العربي، على عكس بقية الأقطار العربية التي لم تنل فيها هذه النظرية حظها من الدراسة.

أضحت دراسة تلقي وسائل الإعلام والاتصال ودراسة التأثيرات الاجتماعية لاستخدامات هذه الوسائل الإعلامية مشروطة بعدد من العوامل ذات العلاقة بالخلفيات الاجتماعية والديموغرافية للفرد بالإضافة لبعض العوامل الاخرى المرتبطة بالخيرة الشخصية والاتصال المباشر ومدى القرب الاجتماعي بين الأفراد، لفهم آليات إدراك وتلقي الرسائل الإعلامية خاصة عبر حوامل الميديا الجديدة.

في هذا السياق يتيح لنا منظور تأثر الشخص الثالث في دراسة وسائل الإعلام إمكانية دراسة تأثير السياقات والخصائص الاجتماعية على إدراك المتلقي للمضامين الإعلامية، كما أن افتراضات الأبوية ومتغير المسافة الاجتماعية والتأثير التفاضلي وغيرها من المتغيرات المفسرة لتأثيرات وسائل الإعلام وفق منظور تأثر الشخص، نرى أنها قد تتناسب كثيرا مع طبيعة وخصائص المجتمعات العربية التي يبرز فيها "التماسك العضوي القائم على أساس القرابة والدم والشبكات الاجتماعية التقليدية المهيمنة" (سعيد لوصيف وآخرون، 2016).

المراجع

المراجع باللغة العربية

  1. همت السقا (ب ت ن)، إدراك الشباب الخليجي لمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي دراسة في تأثير الشخص الثالث، الجامعة الأهلية، البحرين، ص8.

  2. عبد الرحمان بن نامي المطيري (2009)، دور القائم بالاتصال في ضوء نظرية تأثر الشخص الثالث مداخلة مقدمة في مؤتمر الاعلام الجديد تكنولوجيا جديدة لعالم جديد، منشورات جامعة البحرين.
  3. عزة عبد العظيم (2004)، إدراك الشباب الجامعي لتأثيرات الفضائيات الغنائية على أخلاقيات المجتمعات العربية: دراسة في تأثر الشخص الثالث على طلاب جامعة الإمارات، المجلة المصرية لبحوث الرأي العام، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، المجلد الخامس، العدد الثاني.
  4. حنان شعبان (2014)، مستويات تلقي النص التلفزيوني عند المتلقي الجزائري، فيلم خارجون عن القانون، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، كلية علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر 3.
  5. أيمن منصور ندا وشيماء ذو الفقار (د ت) دراسات في نظريات الرأي العام، المدينة برس.
  6. إيمان عبد الرحيم السيد الشرقاوي (2014) جدلية العلاقة بين الإعلام الجديد والممارسات الإرهابية "دراسة تطبيقية على شيكات التواصل الاجتماعي"، ورقة مقدمة لمؤتمر دور الإعلام العربي في التصدي لظاهرة الإرهاب، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض.
  7. سعيد لوصيف وآخرون (2016)، التفكير في منهجيات دراسة الإعلام والاتصال في المجتمع الجزائري، مخبر استخدامات وتلقي المنتجات الإعلامية والثقافية في الجزائر، الطبعة الأولى، الجزائر.
  8. سعاد محراز (2017)، التلقي مفهومه أشكاله ونماذج مقارباته في الإعلام الجديد، مجلة الرواق، العدد 6.
  9. فهد بن عبد الرحمان الشميمري (2010)، التربية الاعلامية: كيف نتعامل مع وسائل الاعلام، الطبعة الأولى، مكتبة الملك فهد، السعودية.

المراجع الأجنبية

  1. BENGT JOHANSSON) 2002 (, Image of media power : the third Person Effect and the shaping of political attitudes ,paper presented at the 23 Conference and general assembly IAMC/AIERI International Association Media And Communication, Barcelona, 21 -26 July.
  2. W.PHILLIPS DAVISON (1983), The Third-Person Effect in Communication. Public Opinion Quarterly, spring, vol.47.
  3. Valarie Schweisberger and Jennifer Billinson and T. Makana Chock(2014), Facebook, the Third-Person Effect, and the Differential Impact Hypothesis, Journal of Computer-Mediated Communication,vol 19.
  4. Charalampos A. Dimoulas &NikosAntonopoulos&DimitriosGiomelakis&AndreasVeglis )2016(, Antonis Gardikiotis, Web Third-Person Effect Hypothesis: Do likes and Shares Affect Users’ Perceptions? Journalism and Mass Communication, Vol. 6, No. 12.
  5. Ge Wang (2013), Elections and the third-person effect: Voters’ perception of the 2012 firstpresidentialdebate’seffects, (master thèses dissertation), Iowa State University, lowa.
  6.  Innes, J.M.; Zeitz, H.,) 1988(“The public's view of the impact of the mass media: A test of the "third-person" effect". European Journal of Social Psychology. Vol 18.
  7. Cohen, J.; Davis, R.G (1991) Third-person effects and the differential impact in negative political advertising". Journalism Quarterly. 68 (4).
  8. Meirick, P.C. (2005). "Rethinking the target corollary: The effects of social distance, perceived exposure, and perceived predispositions on first-person and third-person perceptions". Communication Research. Vol 32.
  9. Mark R. Jostym (2003), The Lewinsky Affair: Third Person Judgments lay Scandal Frame, Political Psychology, vol 24
  10.  Marco  Dohle &Uli  Bernhard,) 2014( Presumed  Onetime  Media  Influence  and Support for Censorship: Results from Survey among German Parliamentarians , Public Opinion Research ,.
  11. Hoornes, V.; Ruiter, S.)1996(, The optimal impact phenomenon: Beyond the third person effect". European Journal of Social Psychology. Vol 26.
  12. Perloff, R.M) 1999(,"The third-person effect: A critical review and synthesis " . Media Psychology, vol 1.
  13. WU Wei and SAH Hoon Koo (2001) Internet Communication and third person effect: An Exploratory Study in Singapore .Unpublished study.