الإعلام والانتقال الديموقراطي في العالم العربي، بداية نهاية الاستثناء العربي

 

الإعلام والانتقال الديموقراطي في العالم العربي، بداية نهاية الاستثناء العربي

تأليف جماعي

تحرير وتنسيق د. جمال الزرن، د. نور الدين الميلادي

كتاب الإعلام والانتقال الديموقراطي في العالم العربي، بداية نهاية الاستثناء العربي، مؤلّف جماعي أسهم في تأليفه مجموعة من الباحثين المنتمين إلى مجال الإعلام والاتصال بإدارة كلّ من الأستاذين جمال الزرن ونور الدين ميلادي. يطرح الكتاب في جلّ فصوله قضيّة الإعلام العمومي في علاقتها بما اصطلح على تسميته بالربيع العربي كحالة من حالات التحوّل الديموقراطي التي شهدتها العديد من البلدان العربيّة، وهي مرحلة تميّزت بالفشل في استثمار "الحريّة" كمعطى أساسي لبناء دولة المؤسّسات وإرساء قواعد إعلام عمومي ديموقراطي. وقد ورد في مقدّمة الكتاب المحرّرة من قبل المنسقين، ما يلخّص هذا الحال المثير الذي استقطب اهتمام الكثير من المفكّرين والمحلّلين، ونورد في الآتي أهمّ ما عُرض في حدودها من أفكار وتساؤلات بخصوص حريّة الإعلام والتحوّل الديموقراطي في بلدان "الرّبيع العربي":

"قبل اندلاع الربيع العربي وإلى زمن ليس بالبعيد كانت المنطقة العربية منطقة مستثناة من فرضية تحول أنظمتها إلى أنظمة ديمقراطية تعددية. من جهة أخرى كان الإعلام هذا الوسيط الذي كان وراء حركة التنوير والتحديث في الغرب، أيضا أداة مستثناة في ادارة الشأن العام ويعود السبب إلى خلفية الاستثناء الذاتي للمجتمعات العربية من الديمقراطية، وهو استثناء تغذيه أنظمة سياسية في بحث دائم عن الشرعية وتدعمه قوى خارجية لها مصالح في المنطقة العربية. ذلك أن ثنائية الديمقراطية والإعلام بوصفهما زوجان لا ينفصلان هي التجسيد الفعلي لمبدأ حرية التعبير عبر وسائل الإعلام وسيادة الشعب على إدارة شؤونه العامة. هبت رياح الانتقال الديمقراطي على دول المعسكر الشرقي منذ 1989 وقلنا إنه سيكون للعرب نصيب منها، مرت عشريتين وتأكدت أكثر فأكثر فكرة الاستثناء العربي، علينا انتظار بدايات ثورة ديسمبر 2010 في تونس وحرق البوعزيزي لنفسه حتى يشتعل فتيل المطالبة بالحريات والانتفاضة على الأنظمة الاستبدادية التي جاءت بها دولة ما بعد الاستقلال بعد موجة التحرر في خمسينات القرن الماضي. كانت تلك الاحتجاجات والانتفاضات والثورات منذ 2011 قد شخصت واختزلت فعرفت باسم الربيع العربي.

الملفت فكريا في كل هذا الذي حدث بعد الربيع العربي فيما يتصل بكتابنا هذا عن "الإعلام والانتقال الديمقراطي في العالم العربي: بداية نهاية الاستثناء العربي" هو أن العرب دخلوا عصر الوسائطية-أي عصر الإعلام والاتصال-وبات تبادل الأخبار والآراء يثير الرأي العام ويحدث صيغا مختلفة من التأثير والحراك الاجتماعي وصل إلى حد مساهمة وسائل الإعلام في التغيير السياسي. هذه الإضافة النوعية في الممارسة السياسية والاتصالية وفي الفكر التواصلي العربي جاءت بها كل من ثورة تونس ومصر والتي بينت مكانة الاتصال الجماهيري في إظهار التراكم الثوري. وقد تجلى ذلك من خلال ضربين تواصليين. يتمثل الضرب الأول في فعل وسائل الاتصال الجماهيري التقليدية مجسدة في التلفزيون الفضائي وتحررها من قهر الدولة الوطنية وخاصة التغطية المباشرة للقنوات الفضائية الإخبارية مثل قناة الجزيرة وغيرها من القنوات الإخبارية) العربية، فرنسا 24 (لثورتي تونس ومصر. ويتمظهر الضرب الثاني في النمو المطرد لشبكة الإنترنت وتطبيقاتها في شبكات التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن مجسدة في كل من المدونات ومواقع الفيس بوك وتويتر ويوتوب. كما لا يمكننا تغافل فعل عدة أشكال من التواصل غير الظاهر والذي لا يعتبر امتدادا للتقنية، منها على سبيل الذكر خطاب النخب والنقابات والأحزاب، والكتابة على الجدران وخطب الجمعة والمسجد وكلها فضاءات اتصالية تعبر عن انفجار المجال العمومي العربي على مصراعيه أثناء الربيع العربي وهي فضاءات في حاجة إلى البحث والدراسة.

(...) إن وراء استخدامات تكنولوجيات الاتصال وتوظيفها إعلام جديد و"إعلام مواطن" ومواطنة جديدة بعد الربيع تفسح لنا مجالات فكرية واسعة للبحث في عدة معرفية جديدة تقطع مع السائد في الإعلام العربي وتؤسس إلى مقاربات سوسيولوجية وتواصلية غير مسبوقة لعل فعل الإعلام الجديد في كل من ثورة تونس وبعدها ثورة مصر خير مثال. جاء الإعلام الجديد المتحرر إذن من قيود النشر والرقابة ومعه ثورات الربيع العربي وقلنا أن فيهما ستكون ضالتنا في الانعتاق والتحرر. نكتشف اليوم وبعد سنوات من تسونامي الربيع العربي أن حرية التعبير وحرية الإعلام بجديدها وقديمها لا يمكن لها أن تساهم بشكل فاعل في انتاج تنمية سياسية وبشرية واقتصادية في العالم العربي ويكفي العودة إلى النموذج العراقي، والسوري والليبي واليمني وحتى المصري التي أنتجت كلها الطائفية والإرهاب والتفكك رغم فائض الحريات الذي تعيشه هذه الدول. على هدي ما تقدم يبدو أنه بات علينا القيام بقراءات فكرية وبحثية كبرى لنوفر على أنفسنا عناء التخبط وراء المثل-على أهميتها-والوصول إلى نموذج إعلامي يمكن أن يوفر لنا معا تحقيق الحرية والديمقراطية مع ضرورة توفير الوحدة السياسية للدولة والتنمية الاقتصادية للمجتمع. هكذا علينا التفكير في الدولة واسبقية تحققها على الحريات وعلى الديمقراطية لأنها هي من سيحميها -إن تحققت- وهي التي ستوظف تلك الحريات في التنمية والرقي والنهضة.

(...) إن إكراهات واقع حرية التعبير والإعلام في العالم العربي قبل الربيع العربي وبعده، تستدعى ضرورة القراءة التاريخية لعلاقة العرب بأهم عناصر ملف الإعلام بمنظومة الحريات. وعادة ما تكون الشعارات والأفكار والبرامج -نظريا-نقية ومتماسكة قبل الممارسة لكن تعقيدات الواقع وتغيراته هي المحك الحقيقي في مدى صلابتها في التحقق. وعند حديثنا اليوم عن الإعلام والربيع العربي وحرية التعبير يمكن الوقوف عند جملة من القراءات لعل أهما تتمثل في قراءة كيف أصبحت تتشكل بيئة جديدة للاتصال والإعلام في العالم العربي وهي حصيلة تلاقى حتميتين: حتمية تقنية مجسدة في مخرجات التقنية من خلال الإعلام الجديد وحتمية سوسيولوجية مجسدة في انفجار الواقع العربي سياسيا معلنة عن رغبة غير مسبوقة في التحرر من القهر والاستبداد. كما أن الحاجة الماسة لمعرفة ماهية العلاقة بين الإعلام وحرية التعبير ومدى مساهمتهما في ترسيخ مبدأ التعددية بوصفها أحد أهم المؤشرات عن مدى تعددية عرض الأفكار في وسائل الإعلام باتت ضرورة منهجية.

كما علينا التساؤل أيضا حول مدى قدرة الإعلام الاجتماعي الجديد على ردم الفجوة الميديولوجية التي هي في الاصل معرفية بين الوسائط واستمرار هيمنة المكتوب والشفوي على مظاهر التواصل الاجتماعي والسياسي في الفكر العربي. كيف يمكننا متابعة إعادة تموقع المثقف العربي تجاه إعادة إنتاج التمايز بعد الربيع العربي، تمايز العرب في الاستثناء الديمقراطي أي إما إنتاج الديمقراطية أو إعادة إنتاج ما يميز العرب ويجعلهم استثناء وهو الدكتاتورية ودولة الاستبداد السياسي. ما هي إذن الآليات المنهجية لتحليل السياقات الجديدة الانتقالية التي أفرزها الإعلام والربيع العربي وتحديدا الحاجة الماسة إلى تبنى وظيفة جديدة للإعلام تؤمن بضرورة تلازم الحتمية التقنية والسوسيولوجية في الواقع العربي إذا ما أردنا أن يكون للإعلام فعل في تحديث المجتمع وهو يعيش حالة انتقال. مثلت التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي منذ جانفي 2011 علامة فريدة ضمن سياق عربي ودولي متقلب، إنها نصف مسيرة تحقق منها شقها السياسي ومازالت تكابد الشق الاجتماعي والاقتصادي. وهنا علينا التساؤل أين ملف الإعلام والاتصال من كل هذا؟ هل يمكن ذكر نجاح الانتقال السياسي من دون أن يكون فعل للمجال الإعلامي والاتصالي في كل ذلك ام أن العكس صحيح؟

الجواب يأتي فيما أثبته حراك الربيع العربي من مقدرة الناس على توظيف تكنولوجيات الاتصال في الحراك الاجتماعي بالعودة إلى حتميتها الاجتماعية، كما أثبت أيضا قصور الأنظمة العربية في توظيف تقنيات الإعلام الجديد بالعودة فقط إلى خلفيتها التكنولوجية، ويمكن الاستدلال بعجز النظام في تونس ومصر زمن احتجاجات سنة 2011 على الحفاظ على وجوده رغم ملكيته لكل الترسانة الإعلامية الرسمية وغير الرسمية الرقمية والتقليدية. لذلك نعتقد أن على بحوث الإعلام

 والاتصال أن تصب اهتماماتها البحثية في الإعلام من خلال إبراز المنزع الاجتماعي والبعد الإنساني في التقنية الاتصالية وذلك من خلال زوايا الاستعمالات والتمثلات الاجتماعية. إن الاتصالات) الفضائية، الخلوية، (والتي تبرز البعد التكنولوجي في الاتصال كظاهرة اجتماعية يتمثل دورها في نقل واستقبال وبث الأفكار والآراء والمعلومات التي تشغل بال المواطن في علاقته بقضايا الشأن العام. فهي بذلك فضاء ميدياتيكيا وجزء من المجال العمومي الذي فيه يتفاعل المواطن بشكل حر ومستقل عن أطر الدولة التي تنظم حياة الأفراد ككتلة ووحدة متماسكة انطلاقا من محددات عامة مثل الدستور

والهوية والتاريخ والمصير المشترك. حجة استقلالية الفضاء الاتصالي تأتى من كون هذا الفضاء يجب أن يكون متعددا فلذلك لا تملك الدول في الديمقراطيات الغربية وبشكل احادي صحفا أو مؤسسات إعلامية وإن كان لها ذلك فهي مستقلة وتمول من الضرائب وهو ما يدفعنا إلى ملاحظة غياب وزارات إعلام في الأنظمة الديمقراطية لأن الإعلام يجب أن يعبر عما في المجتمع من تعدد وثراء فكري سياسي وديني وعرقي. إن الاتصالات من خلال التكنولوجيا الرقمية الحديثة تبدو منسجمة مع طبيعة الفرد التحررية وقاعدة المجتمع المتعدد عندما تقع هيكلتها وتنظيمها من خلال تقديم البعد التواصلي

والثقافي وليس الاتصالاتي التقني الذي قد يقع إخضاعه إلى قواعد السوق أو الاحتكار. نقول كلما عزل الثقافي في الاتصالات همش التواصل الإنساني وكسبت التقنية أسبقية فرضية قدرتها على صياغة أنساق ثقافية قد لا تبدو منسجمة مع طبيعة المجتمع، وكلما كان التواصل أكثر حضورا مجتمعيا كان توظيف تقنيات الاتصالات الحديثة خاضعا إلى مرجعية فكرية وثقافية إنسانية.

انفلات إعلامي أم انفلات وظيفي هذا هو السؤال الرئيسي الذي يجب على بحوث الإعلام والاتصال في العالم العربي النبش فيه منذ اندلاع حراك الربيع العربي وثوراته. فقد لجأ العديد من المراقبين للمشهد الإعلامي في دول الربيع العربي وتحديدا في تونس ومصر على توصيف واقع الإعلام على أنه "انفلات إعلامي" أخذا بما شهدته مؤسسات الدولة من انفلات أمنى، في حين أن الأصل هو انفلات وظيفي وميلاد بيئة اتصالية جديدة أو إيكوميديا جديدة وصراع على ماهية وظائف وسائل الإعلام المحتملة في مجتمع يعيش حالة من الانتقال الديمقراطي. يوجد من يريده حرا ويوجد من يريده مراقبا ويوجد من لا تصور له لمستقبل الإعلام. نظريا لا حديث عن وظائف وسائل الإعلام إذا لم يتوفر لها سياق ديمقراطي وتحرري يتبناه المجتمع. وفي هذا السياق فإنه كثيرا ما ارتبطت السلطة الرمزية لنظريات الاتصال والإعلام بالنظرية النقدية والمعروفة بمدرسة فرنكفورت وروادها ماركوز ويوكهايمر وأدرنو وهبرماس، وقد جاءت هذه النظرية كبديل على ما حظيت به النظرية الوظيفية من سطوة على بحوث الإعلام والاتصال طيلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي وخاصة في النموذج الإنجلوساكسوني. هذا لا يعنى أن نجم كلا النظريتان قد أفل بل كلما صعدت هذه النظرية علا شأن النظرية النقيض أو البديل.

عربيا لم تتبلور في مجتمعاتنا تجليات النظرية الوظيفية وذلك بسبب غياب سياق وظيفي مجسدا في الديمقراطية واقتصاد السوق، وحرية التعبير وتعدد ملكية وسائل الإعلام وحرية التنظم. يدفعنا هذا التوصيف إلى التساؤل: هل يصح الحديث عربيا عن مآثر للنظرية النقدية لوسائل الإعلام في غياب حضور وتجذر مقولات النظرية الوظيفية؟ إذن هل على الباحثين في علوم الإعلام والاتصال في العالم العربي أن يؤسسوا فيوطنوا مقاربة وظيفية عربية ويعيدوا قراءة مقارباتهم النقدية والتي كانت بمثابة الهروب الفكري أمام غياب سياق وظيفي في العالم العربي بحكم حالة الاستبداد والتخلف السياسي؟ وإن كان لمقاربة نقدية عربية أن تتأسس فعليها أن تكون من داخل النسق الفكري النظري لبحوث الاتصال وليس من داخل آليات اشتغال النظام الرسمي العربي الذي تهاوى مع ثورات الربيع العربي بفضل شعار "الجمهور يريد..." وهي التعبيرة التواصلية عن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام". وهنا علينا بطرح جملة من التساؤلات:

-هل يكن أن نتحدث عربيا عن مقاربة وظيفية وفي أكثر من دولة تغيب حرية التعبير وحرية الصحافة؟

-هل يمكن الحديث عن وظائف وسائل الإعلام في مجتمع تكون فيه كل وسائل الإعلام ملكا للدولة وهي الممول الرئيسي لها؟

-كيف يمكن ان نتحدث عن أخلاقيات الصحافة إذا ما كانت الدولة هي المشغل الوحيد أو أكبر المشغلين للصحفيين؟

-كيف يمكن القيام ببحث عن الإشباعات والاستخدامات إذا لم تكن المضامين التي تصل إلى المتلقي تعددية؟

-إذا ما كانت عجلة التنمية من رخاء وتوظيف ونهضة اقتصادية واجتماعية في دولة ما معطلة وسببها يعود حتما إلى وجود فساد وغياب حريات، فهل حري بنا مجرد البحث الشكلي في مخرجات وسائل الإعلام أم نقد وظائفها حتى تساهم في تحقيق ما عجزت عنه الدولة في إدارتها الأحادية لملف الإعلام منذ الاستقلال؟

يمكن الإقرار بأن حراك الربيع العربي بعد 2011 قد ساهم في إنتاج ما يمكن أن نسميه اليوم بالإعلام العربي الجديد. ويتجلى ذلك على عدة مستويات مؤسساتية، سوسيولوجية، وأيضا تكنولوجية، فلم تعد العديد من البلدان العربية متمسكة بوزارات الإعلام بل ألغيت وعوضت بهيئات عليا للاتصال أو للإعلام. فقد ألغيت وزارة الإعلام في تونس وفي قطر وفي الأردن وفي المغرب. كما بعثت العديد من الهيئات التعديلية للإعلام والاتصال مثل الهيئة العليا للإعلام في تونس والهيئة العليا للاتصال في المغرب، وهيئة الإعلام الأردني، ومجلس الإعلام في الجزائر وهيئة السمعي المرئي في السعودية. وقد جاءت هذه الهيئات بعد صدور وتعديل قوانين إعلام في العديد من الدول العربية والتي كانت تعبر عن فكر قروسطي في تنظيم حرية التعبير والإعلام، ويمكن ذكر المرسوم رقم 116 لسنة 2011 والذي عوض قانون الصحافة في تونس الذي يعود إلى سنة 1975 ونفس الأمر ينسحب على الجزائر وقانون الإعلام الجديد لسنة 2014. وربما يكمن التميز على المستوى العربي في كل هذا المخاض في دسترة الإعلام وخاصة دسترة المؤسسات الساهرة على الإعلام وتنظيمه مثلما هو الحال في الدستور التونسي لسنة 2014. كل هذه المؤشرات تعتبر إضافات نوعية وهي نصف مسيرة تحققت نحو التحرر، وما كان لها أن تتحقق لو لم ينتفض الناس مع الربيع العربي مطالبين بالحريات. بالعودة إلى تداخل المقاربات التشخيصية لواقع الإعلام العربي بعد 2011 وخاصة منها تلك التي اعتبرت الربيع العربي مؤامرة نقول بأن قصور إدارة العرب لملف الحريات ومنها حرية الإعلام بعد 2011 هو السبب في هذا الانفلات الوظيفي الذي يعيشه العالم العربي. ليست الحرية هي سبب الفوضى بل إن إدارة الحرية وتأطيرها وتفريغها في برامج من قبل النخب هو السبب. كما أن خطاب المؤامرة لا يوفر تشخيصا علميا بل تنازلا عن تفسير الظواهر لحساب عومل خارجية وبحثا عن تبرئة الذات عن العجز. يعتبر غياب الاستقرار في دول الانتقال الديمقراطي تاريخيا وبالرجوع إلى الدراسات المقارنة في عديد الدول من مميزات مراحل الانتقال الديمقراطي. إنها حالة من المد والجزر بين مخلفات منظومة الاستبداد القديمة وبين الرغبة المواطنية في الالتحام بمنظومة قيم جديدة من عدالة وحرية وتعددية، لا يمكن أن يكون الإعلام بمعزل عنها. ليس للربيع العربي ما يقدمه للعرب إلا بالقدر الذي يقدمه العرب للربيع العربي من مضامين وبرامج اجتماعية واقتصادية وثقافية لمغالبة الفقر والاستبداد والتخلف والذي حتما سيكون الإعلام التعددي وعائها. سعى المساهمون في هذا الكتاب وبعيدا عن خطاب المؤامرة وكل من مقاربته إلى مسائلة الماضي لتفسير الواقع وتوقع المستقبل ضمن صيرورة فكرية تقر بأن ثورة 2011 في تونس انتجت سياقا وظيفيا جديدا للمؤسسة الإعلامية في قطيعة ظاهرة عما سبقها. إن هذا المؤلف دعوة للمساهمة في مقاربة تحليلية تقييمية لزخم إعلامي واتصالي عربي جديد في تفاعله مع الشأن العام قل نظيره في تاريخ المنطقة العربية، فقد شهدت دول الربيع العربي انتخابات منذ 2011 وبروز مؤسسات إعلامية خاصة عمومية وجمعياتية وهو ما يشير إلى وجود تلاقح عميق بين المجال الإعلامي والمجال السياسي محدثا حالة من التمايز كما يذهب إلى ذلك بيير بورديو، ومؤشرا هاما عن بداية نهاية الاستثناء العربي من فرضية دخول العرب عصر الديمقراطيات والحريات. لبلوغ كل هذا تدبر الكتاب مسائلة أهم تجليات العلاقة بين الإعلام وحراك الربيع العربي وخاصة السياق التاريخي للتراكم الثوري قبل جانفي 2011 وبعده وذلك من خلال مناقشة مسألة الإعلام العربي منذ بدايات دولة ما بعد الاستقلال إلى ثورات وانتفاضة كل دولة عربية وسياقات تشكلها. كما أفرد المساهمون كل من جهته تحليلا لحالات عينية عن مسار العلاقة الشائكة بين الإعلام والانتقال الديمقراطي في أغلب الدول العربية".

  • الناشر: سوتيميديا للنشر والتوزيع.
  • تاريخ النشر: يناير 2019
  • ردمك: 9938-918-54-0-978