كتاب الزمن مقاربات وشهادات

الزمن: مقاربات وشهادات

كتاب متخصّص يصدر عن تجمّع الباحثات اللبنانيات

حسين جواد قبيسي: الزَّمن الأنطولوجي والزَّمن الكوسمولوجي، (الزَّمن النفساني والزَّمن الفيزيائي)

للزمن تسميات مختلفة ومفاهيم متباينة، من بعض الديانات التي نظرت إلى الزمن نظرة روحانية، فألّهته وساوت بينه وبين الآلهة، إلى الفيزياء التي اعتبرته مادة قابلة للقياس؛ فهو شاغل الفكر البشري ومحطّ تفكير الإنسان في جميع العصور، وموضع اهتمام المفكرين على الصعد والمستويات كافة: الخيال والأسطورة، الدين والفلسفة، العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية، التاريخ والأدب والفن..

وكما تختلف النظرة الروحانية إلى الزمن (هل للزمن بداية ونهاية أم إنه أزلي أبدي؟ هل الزمن مخلوق أم سرمدي؟) كذلك تختلف النظرة العلمية (الفيزيائية) إليه: هل يمكن تعريف الزمن ("نيوتنNewton"، "غاليليه Galilei"، "إنشتاين Einstein"..) أم هو عصيٌّ على التعريف ("إتيين كلين Etienne Klein"..)؟ هل يمكن قياس الزمن موضوعيًا (كوسمولوجيًا) بالاستقلال عن النفس البشرية، أم إن قياسه مرتبط بالمشاعر النفسية ("جاكلين بوسكيه Jacqueline Bousquet") وحتى بالأحاسيس العضوية ("فرنسيسكو فاريلا Francisco Varela")؟ هل الزمن واحد في جميع الظروف والعصور ولدى جميع الشعوب وفي مختلف الحضارات، أم إنه يتغيّر تبعًا للمعطيات والوقائع الاجتماعية والاقتصادية والعلمية التي تميّز عصرًا من العصور، فتجعله مختلفًا عن العصور الأخرى؟ وإذًا، بماذا يتميّز الزمن المعاصر الذي تعيشه الحضارة الغربية الحديثة، حضارة السرعة التي أنجبها التقدم العلمي والتكنولوجي ("بول فيريليو Paul Virilio")؟

جملة هذه التساؤلات ومحاولات الإجابة عليها تقع على صعيدين اثنين تنضوي تحتهما مستويات معالجة موضوعة الزمن والمفاهيم المتفرعة عنها جميعًا: المنظور الكوسمولوجي (العلوم الموضوعية وبخاصة الفيزياء) والمنظور الأنطولوجي أي المفهوم الروحاني/ النفساني للزمن.

فاديا حطيط: الزَّمن في شعر الأطفال، نموذجٌ من قصائد حسن عبد الله

هذه المقالة تدرس مضمون شعر حسن العبدلله انطلاقًا من سؤال الزمن. وتتوصل إلى أن مفهوم الزمن الدائري هو المسيطر على أشعار الديوان، فكما لو إن ما يقوم به الفرد وما يمتلكه وما يخوضه من تجارب ليس له أية أهمية، إنها أمور زائلة ولن تغيِّر في مجرى الزمن أي شيء. ومقابل ذلك الفرح الجلي الذي تحمله كلمات الشاعر، نجد موقفًا ضمنيًا متشائمًا من التجربة البشرية. وكأن الشاعر، يرى أن المعنى الوحيد يكمن في العدمية، وأن اللعب وتأمل الطبيعة هو مصدر السعادة.

من جانب آخر، تحتفي قصائد الديوان بتفاصيل الحياة الزائلة، بنبرة فيها لهو وسرور. حتى الخيبة، يقدمها الشاعر بوصفها لحظة لا تدوم. أما الحياة، مثلما كانت ومثلما أورثه إياه أهله وأجداده، فلها طابع مثالي مطلق. وترتسم الطفولة في هذا السياق وكأنها تجربة من السعادة الصافية، لا أثر فيها لمصاعب وإحباطات. طفولة آمنة، تعيش في كنف أسرة هانئة، متنعمة بطبيعة ريفية خلابة. واللعب في شعر عبد الله، هو عنوان الطفولة. الأطفال يلهون ويلعبون ويضحكون ويرسمون ويتنزهون ويشاهدون ما يحدث من دون أن يتلقوا أي صدمة.

باختصار، يتفق الشاعر بمفهومه عن الطفولة مع المعنى التقليدي الذي كان قد أرساه "روسو Rousseau"، حيث هي رمز البراءة والسعادة. ويخالف بذلك المقاربة الحديثة التي تسعى جاهدة لترجمة ما يريده الطفل باعتباره قادرًا على الفعل والتغيير.

وطفاء حمادي: الدلالة الاجتماعية والسياسية للزمن الدرامي في المسرح

تتناول هذه الدراسة الزمن المسرحي بأنواعه المتعددة: الخطي، والتعاقبي، والتكراري، والمستقبلي. وكشفت عن كيفية تمظهر تجلياته في عناصر بنية النص والعرض المسرحيين في أشكال وقوالب متعددة مثل: زمن فعل الشخصية، وزمن الحدث فضلًا عن تشظي زمن الحدث. وذلك انطلاقًا من مقولة مفادها "أن الزمن جوهر المسرح"، آخذين بعين الاعتبار أن "للمسرح زمنه الخاص كما هو للسينما والرواية والأسطورة والملحمة والشعر.. وأن زمن المسرح زمن متفرد... له منطقه الخاص وأول شرط له هو في كونه زمنًا حاضرًا، لأن كل فن يرتبط بالبصر وبالعلاقات الأيقونية لا يعبر سوى عن زمن فني واحد ممكن: الحاضر.. ذلك لأنه يلغي الماضي والمستقبل".

 واعتمدنا في هذه الدراسة على ثلاثة نصوص وعرضين اثنين. وتتبعنا مسارات الزمن في بناء النص الدرامي وبناء العرض، وقد تميزت بتنوعها المرتبط بتنوع المسرح الذي اعتمده كل من الكاتب والمخرج، من خلال زمن النص وتحوله إلى زمن العرض. وتبين لنا في دراسة هذه النصوص أن الزمن، يعتبر بمثابة الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال المسرحية التي حملت دلالات سياسية وفنية، ودلالة تحليلية بمقاربة نسوية تجسد واقع المرأة المقهور في كل الأزمنة، وإن حملت في أحشائها بذور التغيير. كما تبين لنا أن أزمنة النصوص والعرضين قد نقلت ثقافة المتلقي وأزمنة وعيه بالقضايا العربية السياسية والاجتماعية التي عاشها. وكذلك رسّخ الإخراج في العروض/مادة الدراسة وظيفة الزمن بواسطة عناصر مسرحية بصرية وسمعية وأدائية نُسِجَت بجمالية مكّنت من انسياب الزمن، الذي حمل جوهر مضمون العروض، ورؤية المخرجين التي تعددت وتنوعت مدلولاتها الحضارية والسوسيوثقافية، ولاسيما تلك التي طرحت قضية فلسطين والحروب العربية والاجتياحات الاسرائيلية وقضية المرأة.

عبد القادر بن عرب: زمن الإنسان

الزمن فكرة معقدة من حيث صعوبة تحديد معناها. إن الفلاسفة والأدباء والشعراء ربطوها بمحاور تجاربهم وخبراتهم الخاصة. التجربة الزمنية ممزوجة بصفة حميمية دقيقة مع الحياة الإنسانية، التي تقيدها وتنسقها وتسوقها وتحدد طبيعتها. مسألة تعريف الزمن هي في حد ذاتها مرتبطة بطبيعة الزمن الذي لا يخضع لقبضة الانسان. من أجل الخروج من هذه المتاهات العقيمة والدوران في حلقات مفرغة، وضعتها الفلسفة في فضاءات ميتافيزيقية ليستمر بذلك هذا التعتيم الذي لا يمكن اختراقه ودون التقليل من غموضه. الرواية استعملت مفهوم الزمن وأدخلته في حكاياتها ضمن الأدوار والأبطال لتزيين المشاهد. وبإحساس خاص تناولته الكتابة الشعرية للتعبير عن اختلافات العاطفة وذكريات الماضي البعيدة التي مرت ولا رجعة فيها.

محمّد الحدّاد: الثورة: تسريعٌ للزمن أم شللٌ مؤقّت؟، حفريّات ومراجعات في الذاكرة

تنطلق هذه المقالة من مقولة كارل ماركس Karl Marx "إنّ سنوات من التاريخ قد تمرّ رتيبة متكرّرة فكأنّها يوم واحد، وإنّ أيّاماً معدودات قد تُحدِث تغييرات تاريخية تُعدّ بالقرون". كما تستند المقالة إلى كتاب "عشرة أيام هزّت العالم"، للصحافي الأميركي جون سيلاس ريد John Reed، الذي سجَّل فيه شهاداته المباشرة عن الثورة الروسية لسنة 1917. فتُجري حفريّات ومراجعات في الذاكرة، وتُناقِش إمكانيّة تمثيل الثورات العربية حدثاً من هذا القبيل. ثمّ ترصد بدايات الأحداث ومسارها في تونس، مروراً بمصر ثمّ ليبيا ثمّ اليمن، طارحةً التساؤل عمّا إذا كان "الحراك المدني" تسريعاً للزَّمن أم شللاً مؤقّتاً عمَّق أزمات المجتمعات العربيّة ودفعها إلى تدميرٍ ذاتي، وتخلص إلى أنّ المستقبل مفتوح على احتمالات عدّة في أفق زمنيّ مفتوح. 

عبد الله الزين الحيدري: الزَّمن الاجتماعي والزَّمن الميدياتيكي، إعلام ما بعد الثورة في تونس

من المثير حقًّا غياب التفكير إعلاميًّا وميدياتيكيًّا في موضوع الزّمن، والحال أنّ الصّناعات الإعلاميّة والميدياتيكيّة بشكل عامّ، خاضعة برمّتها لمعادلات زمنيّة دقيقة من حيث المراحل التي تقطعها كصناعة تتقرّر من المصدر باتجاه الجمهور. ونتحدّث في هذه الحالة عن زمن الإنتاج، وزمن البثّ، وزمن الاستقبال، وجميعها أزمنة مستقلّة، متقاطعة في الآن ذاته. الصّناعات الإعلاميّة والميدياتيكيّة، مثلما نتبيّنها، فعل مولّد للزّمن من حيث كونها إنتاجًا للمعنى، إنتاج له أثره في المجتمع، ومن حيث كونها كذلك اهتمامًا بقضايا الشأن العامّ. وانطلاقًا من هذا المنظور، تسعى دراستنا لإدراج موضوع الزمن في أدبيات الإعلام والاتصال كمبحث أساسي يؤدّي إلى جلاء القضايا السّوسيو-إعلاميّة المختلفة باختلاف المجتمعات والثقافات والعصور. 

نهوند القادري عيسى:  الشباب الجامعي بين الزَّمنيْن الأكاديمي والافتراضي، وإمكانات التحكُّم

حاولت هذه الدراسة الاطلاع على تمثلات الشباب الجامعي من أبناء الجيل الرقمي لزمنهم، بهدف معرفة فيما إذا كان يسهل عليهم التحكم به وهم يعيشون ظروفًا ضاغطة محكومة بالتباعد بين الزمن الإعلامي والزمن الواقعي، بين الزمن الاتصالي والزمن الأكاديمي. ومن خلال سرد الطلاب لزمنهم عبر الإجابة على أسئلة الاستبيان التي افترضت ضمنًا أن ضغط السرعة على الطلاب غيَّر من علاقتهم بالمعرفة وأربك علاقتهم بالزمن الأكاديمي البطيء، والملتزم بالمهل المحددة. تبينت صعوبة رسم صورة واضحة لزمنية الطلاب. فعلى الرغم من أنهم وجدوا في استخدام الإنترنت انعكاسًا إيجابيًا على أدائهم الأكاديمي لكونه يُسهِّل عليهم الوصول إلى مصادر المعلومات، إلا أنهم وجدوا أن هذا الاستخدام زاد من عزلة أفراد الأسرة وحدَّ من العلاقات الاجتماعية. وعلى الرغم من مشاعرهم المتضاربة تجاه تقسيمات الزمن، إلا أن سطوة الحاضر بانت بوضوح في أجوبتهم.

في معنى الزمن، ترددت مرارًا على ألسنة الطلاب كلمة الوقت، ناظرين إليه على أنه الحياة بعينها. وبدت المفارقة أوضح عندما أعلنت الغالبية من ناحية أن لديها متسعًا من الوقت، لتعود وتجيب بأن لديها الشعور بأنها غير قادرة على التحكم بالوقت. وعلى الرغم من اعتراف الغالبية بانعكاسات الفارق بين زمن الإنترنت وزمن الواقع المتمثل في تسريع الوقت، وهدره، وعدم التمكن من إنجاز العمل، إلا أنها ظنت أن الإنترنت ساعدها على التركيز والانتباه.

 بالمقابل، في حلقة النقاش لعبت الفتيات المشاركات في الزمن ومع الزمن ناظرات إليه على أنه شريط من الأحداث واللحظات المؤثرة في حياتهن. بدت غالبيتهن متمهلات، غير متوترات واعيات لمخاطر الإفراط في استخدام النت، ولمفاعيل هدر الوقت، متحكمات بزمنهن، غير منبهرات وغير متخوفات من الزمن الافتراضي، مختصرات الزمن الأكاديمي بالاستحقاق.

وخلصت الدراسة إلى أنه بعدما تعمقت الفروقات بين زمنية الطلاب والأساتذة، أصبح المطلوب من الجامعة أن تعيد النظر في زمنيتها، وأن تتحول إلى مكان لبناء علاقة مغايرة مع المعرفة، أي تحفيز الطلاب على أن يديروا مشاريعهم، وأن يتعلموا طرق البحث ومعالجة المعطيات وتحليلها وتنظيمها وحفظها ونشرها، وتحضيرهم لوعي لعبة الزمن بطريقة أكاديمية واعية لمعنى التفاعلية، ولمفاعيل السرعة والمباشرة والآنية على أدائهم التعليمي، وأن يدركوا الفروقات بين الحقيقة وما يشبه الحقيقة، بين الافتراضي والواقعي، والأهم من كل ذلك إكسابهم مهارات التأمل والتفكير وسماع النفس والعودة للداخل، قبل الشروع في الاتصال، كي يتجنبوا الإبحار بحثًا عن المعلومات على غير هدي. 

لمى كحّال: الإنسان المُعاصر بين الزَّمن الاتّصالي والزَّمن الواقعي، أزمنة متداخلة ومتقاطعة

في عصر طرأت فيه تحولات جوهرية في مجالي الإعلام والاتصال، تحولات ساهمت في تجاوز حدودي الزمان والمكان، وفي تزاوج الواقعي بالافتراضي، نجد الناس يتخبطون بين زمنين غير منسجمين، لا بل متناقضين. زمن اتصالي تحكمه وسائل الاتصال الحديثة، وتكتنفه السرعة والعجلة، يقابله زمن اجتماعي هو الزمن اليومي المعيش، بكل ما يكتنفه من بطء ناتج عن الضغوطات والتعقيدات الحياتية والتفاصيل اليومية. الأول زمن افتراضي، والثاني زمن واقعي.

الأسئلة التي نطرحها في هذه الدراسة هي التالية: كيف يتغلغل الزمن الإعلامي السريع في حياة الأفراد اليومية ليرسم معالمها وليسرّع إيقاعها الرتيب؟ هل يستطيع الأفراد مواكبة السرعة التي يتّسم بها الزمن الاتصالي، في ظل ضغوطات وتفاصيل يومية تتعارض مع هذه السرعة المفرطة؟

نركز في بحثنا على متغير العمر. ومن خلال دراسة مجموعة من الحالات، نجري مقارنة بين جيلين: جيل "قديم" يعتبر التحول التكنولوجي الاتصالي أمرًا طارئًا ومستجدًا في حياته، فيبذل جهدًا للّحاق به، وجيل "جديد" يعيش أصلًا في الزمن الافتراضي، ويعتمد اعتمادًا كبيرًا على وسائل الاتصال الحديثة حتى باتت هذه الأخيرة ترسم بأجندتها السريعة شكل يومياته وإيقاعها. لقد أحدثت تكنولوجيا الاتصال تغييرًا في مفهوم الزمن. فمن خلالها يعيش الفرد أزمنة متداخلة تجعل الفصل بين الواقعي والافتراضي أمرًا صعبًا للغاية. فما هي علاقة الإنسان المعاصر بالزمن؟ وهل انتفى متغير الجيل في العالم الافتراضي؟

علي شكر: الحاكِم واستمراريّة السلطة في ظلّ تسارُع الزَّمن، (الربيع العربي أنموذجًا)

نعيش اليوم في ظل تطورات هائلة أثرت في مختلف مجالات الحياة، وكان لوسائل الاتصال الحديثة أثر كبير في إحداث بعض جوانب التطور ومنها مسألة تسارع الزمن. ونحن في العالم العربي تأثرنا بتسارع الزمن على عدة صعد من بينها تغيير أنظمة الحكم والحكام في بعض البلدان العربية التي كانت أنظمتها استمرت لعقود طويلة دون تطوير( تونس، ومصر، وليبيا واليمن)، وبعض حكامها دامت ولايات حكمهم المتتالية لثلاثة وأربعة عقود.

بدأ "الربيع العربي" في أواخر العام 2010 ليحدث تغييرًا جذريًا فيما خص مسألة ثبات الحاكم، ونظام الحكم في العالم العربي. وكانت وسائل الاتصال الحديثة أداة رئيسية في إحداث التغيير وانطلاق "هذا الربيع" وعلى رأسها الهاتف الخلوي، والفضائيات، والإنترنت. طال التغيير أنظمة لم يكن يتوقع حدوث تغيير فيها لاسيما مصر وليبيا، وكان الجيل الذي أطلق الحراك الشعبي هو جيل الشباب المتمكن من استخدام وسائل الاتصال الحديثة، ومن ثم انضمت إليه كافة الفئات العمرية، ولم يتطلب التغيير وقتًا طويلًا فتغيَّر النظام والحاكم في تونس ومصر خلال أقل من شهر. وتُبَيِّنُ هذه التجربة أن التغيير صار مطروحًا على مستوى العالم فيما خص الحاكم ونظام الحكم، وليس هناك دولة بمنأى عن تأثير تسارع الزمن.

 هيفاء زنكنة: ملاحظات أوّلية حول قياس "الزَّمن السّجني"، قراءة في كتابات مُعتقَلين سياسيّين تونسيّين

تثير قراءة مذكرات أربعة سجناء سياسيين سابقين، من ذوي الانتماءات السياسية المختلفة، المنشورة في مرحلة ما بعد الثورة التونسية في 14 كانون الأول 2011، العديد من الأسئلة، عن التغير التدريجي بإحساسهم بالزمن، خاصة عند تعرضهم لتجربة السجن الانفرادي أو الإهانة والتعذيب الجسدي والنفسي، أو كلاهما معًا. فما الذي يعنيه الزمن للمعتقل وهو لا يزال في فترة الاستجواب، أو بعد إصدار الحكم عليه؟ وكيف يتعامل مع الزمن السجني، إزاء ثبات المكان/الفضاء المغلق، سواء كان في" قبر تحت الأرض"، مربوطًا في حائط الزنزانة بسلاسل حديدية ولا يمكنه استعمال دورة المياه فيتبول في مكانه، أو موجودًا مع مجموعة من المعتقلين قد يلهي وجودهم إلا أنه لا يعوض بشيء؟

سأتناول في هذه المقالة كيفية تعامل كاتبي المذكرات-الروايات، من المعتقلين السابقين، مع الزمن وتعدد مستوياته، وانعكاس ذلك على يوميات بقائهم في السجن، وقدرتهم على الصمود النفسي والجسدي، والقدرة على التذكر، ومحاولة التمييز بين الحاضر والماضي، ومحاولات استعادة الذات الإنسانية وأحلامها، بعد إطلاق السراح، من خلال الكتابة وتوثيق شهادات من تحاول الأنظمة المستبدة تغييبهم من الذاكرة الجماعية. 

رفيف رضا صيداوي: الزَّمن وتقاطعاته من خلال عالَم العمل

تناول هذا البحث الزمن من زاوية سوسيولوجيّة، أي بوصفه نتاجًا للفكر الجمعي، بما أنّ التمثّلات الاجتماعية كافة، وحتّى الدينيّة منها، هي نتاج تعاون بين البشر يمتدّ، ليس في المكان فقط، بل في الزمان أيضًا. وعليه، فإن بحثنا السوسيولوجيّ هذا تناول زمننا الحديث الكوسموبوليتيّ، بما يستتبعه من ظواهر أو مشكلات متجدّدة أو جديدة على المستويات كافّة، وخصوصًا مع الطبيعة المتحرّكة والديناميّة للمجتمعات. وقد اخترنا ميدان العمل إطارًا ميكرويًّا لمقاربة التشابكات القائمة بين هذا الزمن الكوسموبوليتيّ من جهة، والأفراد من جهة أخرى.

الشركات أو المؤسّسات متعدّدة الجنسيّة أو العابرة للدّول، والتي تتمظهر فيها أنماط العمل وشروطه ومتطلّباته السائدة عالميًّا، شكّلت بالنسبة إلى بحثنا هذا إطارًا مغريًا لتلمّس بعض ملامح ديناميات علاقة الأفراد بهذا الزمن الجديد الذي يفرض شروطه وزمنيّاته انطلاقًا من إطار العمل وسياقاته، ولاسيّما في ظلّ الشعور بانفلات الزمن، وضغط الوقت وضيقه، على الرغم من كلّ التسهيلات التي وفّرها التطوّر الحضاري، فضلًا عن المرونة المتزايدة لأوقات العمل.

وقد استند بحثنا هذا إلى حوارٍ مركّز مع ستة أشخاص (ذكورًا وإناثًا) تتراوح أعمارهم بين 23 و46 سنة، ومن أصحاب الكفاءات المهنيّة العالية، يعملون في شركات متعدّدة الجنسيّة أو عابرة للدّول، بهدف رسم علاقتهم بهذا الزمن الجديد، وذلك من خلال أطر العمل وسياقاتها الخاصّة (معاناة نفسيّة، نقص الوقت، إرهاق، ضغط...).

وقد ساعدنا هذا الحوار المركّز، من خلال الشركات والمؤسّسات المُمثِّلة للزمن الجديد الكوسموبوليتيّ هذا، في توضيح الكيفية التي تتفاعل فيها أزمنة الحياة والعمل. بحيث إنّ تعقّد التفاعلات بين الزمنيّات، وصعوبة المصالحة بين أوقات العمل وتلك الخاصّة بالحياة العائلية قد تمّ تناولها انطلاقًا من أبعاد ثلاثة:

أولًا: كيفيّة مواءمة الأفراد بين الزمنيّات المختلفة: تلك التي تشمل أوقات العمل، وتلك التي تشمل الحياة الخاصّة (العائلة، والترفيه، وممارسة نشاطات مختلفة، وإدارة الوقت....)؛ وإلى أيّ حدّ بات زمن العمل أو زمنيّته هو الذي يُبنْيِن زمن الحياة الخاصّة أو زمنيّتها، وإلى أيّ حدٍّ بات هناك تداخل بينهما.

ثانيًا: مدى إسهام انتشار ثقافة المدى القصير (أو الآني أو اللحظوي) -أو تغلغلها في أساليب الحياة، وفي المشروعات الشخصيّة، والالتزامات الفرديّة-في تكريس الشعور بضغط الوقت.

ثالثًا: في ظلّ الاتّجاه المتزايد نحو الفردانيّة والاستقلاليّة الفرديّة، وما يترتّب عن هذا الاتّجاه من ميلٍ متزايدٍ لدى الأفراد نحو خياراتهم الشخصيّة ونحو تحقيق الذات، كيف يُترجَم ذلك في إحداث شرخٍ أو تناقضات بين الأوقات الخاصّة والأوقات الاجتماعيّة، لا بل بين الزمنيّات كلّها.

عزّة سليمان: قياس الزَّمن في القانون

يشكل الزمن عاملًا أساسيًا في ما يتعلق بآثار القاعدة القانونية، بمختلف فروعه، نظرًا لدور القانون في المجتمع. إلا أن التشريعات الحديثة أظهرت الزمن في بعدٍ جديدٍ تحوّل إلى عنصر مكوِّن من عناصر المواضيع المحمية، بما يخدم التوجهات العالمية الحديثة في حماية خصوصية الشعوب وثقافتها وهويتها. ظهر هذا الدور على أثر الجهود التي قامت بها منظمة اليونيسكو في حماية الفولكلور الشعبي والمؤشرات الجغرافية والمشاهد بأنواعها، وغيرها من الأموال الثقافية. كما وكرّس قانون حماية البيئة مفاهيم جديدة في القاعدة القانونية من خلال التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة في خطوة إضافية في تكريس الزمن الاستباقي. وتم استكمال هذا السعي من خلال المسؤولية الاجتماعية كإطار جديد في دور المنظمات والمؤسسات الاقتصادية.

أمال حبيب: الوقت والاستدامة: التاريخية، البراديغم، العقبات

"وحده الزمن يتكلم". هذا ما توصل إليه مؤتمر ريو 20+ في تحدي الوقت لتنفيذ مقررات "جدول أعمال القرن 21" عشرين سنة بعد قمة الأرض عام 1992. فالتحديد الأساسي للتنمية المستدامة يضع الزمن في مواجهة الحاضر (الأجيال الحاضرة) مع المستقبل (الأجيال المستقبلية) ويربط بالوقت تلبية حاجاتها الحالية والمستقبلية. تحلّ الاستدامة محّل النموذج الاقتصادي الذي يعتمد المؤشر الاقتصادي في قياسه للنمو وتهدف وفق "جدول أعمال القرن 21" و"مبادئ ريو" إلى تحسين حياة الإنسان بالحفاظ على البيئة ومجابهة الفقر وإدخال مقاربة في معالجة المشاكل تستند على الجوانب البيئية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية ومؤشراتها، فضلًا عن اعتماد عاملي الوقت والفضاء في تنفيذ الاعمال إنجازًا للأهداف.

حسب Chesneaux، ترتكز الاستدامة على ثلاثة عناصر: الطبيعة مع إمكانياتها ومحدودياتها، والمجتمع ومفهوم "الكائن في المجتمع"، والوقت في كل آفاقه: الوقت قصير المدى، طويل المدى، وطويل طويل المدى الذي لا رجعة فيه. ضمن هذه الأطر بين وقت قصير المدى ووقت طويل المدى، يشكل الوقت عنصرًا أساسيًا في مقاربة الاستدامة تؤدي إلى مبادئ ووسائل لإدارة المخاطر وتفعيل دوره في إيجاد الحلول للمشاكل.

يبيّن المقال أهمية عامل الوقت في الاستدامة ويقدم براديغم المبادئ والأدوات والمقاييس التي تكرّس دوره كعامل فعال في تحقيق أهدافها ضمن المجتمعات الحالية، فضلًا عن العقبات التي يمكن أن تحدّ من دوره كعامل فعال في تحقيق الاستدامة.

سلمى سماحة: زمكان المشهد اللبناني

يترك الزمن أثره في الذاكرة الجماعية والفردية، ويعتبر المشهد إحدى أدوات استخراج هذه الذكريات وإحدى الوسائل التي يمكن من خلالها تحديد التطور الزمني للمجتمع. وينعكس ذلك من خلال التنوع المشهدي وطريقة ظهوره. يتغير المشهد عبر الزمن من خلال تعديلات تطرأ بشكل مستمر وفقًا للدورة الطبيعية للحركة اليومية والفصلية والسنوية، ووفقًا للتغيرات التي تطرأ على العقارات، والتي تتمثل بالزحف العمراني على المناطق الريفية. كما وإن المشهد يُظهِر طول المدة الزمنية للتاريخ، والجيولوجية. وهو أيضًا، يشكل دليلًا على نوع وكم الوقت الحر المتروك للشعوب والأفراد. إن المشهد كعنصر ديناميكي يشكل أيضًا وسيلة أساسية لتحديد عناصر الإرث الطبيعي والثقافي والتاريخي لمنطقة محددة. يشكل أيضًا دليلًا على ذاكرة المكان، وأداة لإحياء المحطات التاريخية والأحداث التي من شأنها حفظ هوية الشعوب. من هنا، فإن التأخر في حماية المشاهد اللبنانية، بما تمثله من هوية تاريخية وثقافية وطبيعية، يمثل خطورة فادحة. فالمشكلة تكمن في غياب تعريف حديث لمفهوم المشهد وكذلك غياب أي إطار قانوني مواكب للتطور في التشريعات التقنية الدولية الحديثة. إن الظروف الأمنية التي أحاطت وتحيط بلبنان منذ أكثر من أربعين سنة، بما تتضمنه من تدمير مستمر للمدن والطبيعة إضافة إلى حركات اللجوء المتكررة التي شكلت عاملًا في تغييرات طارئة على المشهد اللبناني وعنصرًا مكونًا من عناصره. إن مواكبة رؤية المواطن اللبناني للمشهد ومقارنته بالواقع المحلي يظهر ازدواجية في حقيقة انتمائه.

يقدم لنا التاريخ الموثّـق عددًا من النصوص التي تتناول انتهاك التحريم: حكاية آدم وحواء في النص الديني؛ وأسطورة أوديب الملك اليونانية وقراءة فرويد لها؛ ترى الباحثة، أن هذه القراءة، على أهميتها ونفاذ بصيرتها، تعاني من يقين شبه إيديولوجي يتلازم مع إغفال "فرويد Freud" عناصر وأبعادًا في الأسطورة غيرها الماثلة في قتل الأب والزواج من الأم وإن كانت تتصل بها اتصالًا لا يقبل الفكاك. أبعاد ضرورية، لا وفاء لشمولية الأسطورة وحسب، بل ضرورية أيضًا لكلّية النظرية ذاتها التي اعتبرها "فرويد Freud" وأتباعه صالحة لكل زمان ومكان. وعليه، تسعى الباحثة إلى قراءة جديدة لبعض النصوص الأساسية التي تناولت انتهاك التحريم لتتوقف طويلًا أمام "أوديب الملك" وقراءة "فرويد Freud" االمجتزأة لها وتحاول إعادة الاعتبار للعناصر والأبعاد المغفلة منها في قراءته، خاصة ما يتصل منها بالبعدين النفسي والأنتروبولوجي، لتنتهي من ثَـم إلى اكتشاف ما تنطق به بواطن هذه الأسطورة، وبلورة معضلتها الأساسية التي قادت أسرتها الملكية إلى انتهاك المحرم.

شعبان يوسف: يوتوبيا العودة إلى الأزمنة القديمة في الفِكر والأدب والمسرح

عادة ما تختلط الأزمنة الثقافية والتاريخية والسياسية، فنلاحظ أن القوى الحديثة، التي تسعى من أجل تسييد فكرة اقتصادية أو سياسية، تلجأ إلى النصوص القديمة لتدشينها بأشكال فنية وأدبية عديدة، وتبرز النصوص الدينية المستخدمة والمستثمرة سياسيًا، في صدارة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية، وتحاول كافة الكيانات السياسية الفردية والمؤسسية الهادفة استثمار الطاقات الحيوية التي تكمن فى النصوص الدينية، لأنها أكثر النصوص التي تعمل على الجذب وشحذ الهمم والإثارة، ومن هنا نهضت بعض أشكال التمرد على تلك الاستدعاءات ودحضها بشكل قاطع، وهذا ما حدث -على سبيل المثال- في تجربة تدشين"الخلافة الإسلامية" في مصر عام 1924 لحساب الملك فؤاد، وتم التجهيز لمؤتمر موسع لتصبح أبحاثه ذريعة قوية لذلك التدشين، ولكن الشيخ علي عبد الرازق استطاع في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" أن ينسف الفكرة من أساسها، ويفشل ذلك التدشين القوي في حينه.

وعلى هذه الوتيرة جاءت نصوص فنية في الأدب والمسرح، تتذرع ببعض المقولات القوية في أزمنة سحيقة، لتمرير بضعة أفكار قديمة، ومستلّة من سياقاتها التاريخية-الزمنية، لزرعها في الأزمنة الحديثة. من هنا نجد صيحات في مصر والشام وغيرها من بلاد عربية أخرى، تنادى بالعودة إلى أزمنة فردوسية بعيدة، تلك الأزمنة التي دشنتها ظروف وملابسات تاريخية واجتماعية خاصة في زمنها، ولا يمكن استعادتها. هنا استعراض لنماذج من تلك النصوص على مدى القرن العشرين.

نجلاء حمادة: تجربتي في ضوء نظريّات عن زمن الرَّغبة وأزمنة الحريّات

تعتبر هذه الدراسة البحث في الوقت جزءًا من البحث في الزمن، لأن الوقت هو أهم مكوّنات الزمن. وهي تقدّم في قسمها الأول عرضًا مقارنًا لنظريات ثلاث فلاسفة: "هنري برغسون Henry Bergson" الذي ركّز على الزمن المعيش ذاتيًا معتبرًا إياه من صنع الحريّة، وثيودور "هوسرل Husserl" الذي درس الإحساس اليومي بالوقت من وجهة ظواهريّة، و"جون بول سارتر Jean-Paul Sartre" الذي أعطى الحريّة العمليّة، صانعة التغيير الذي يساويه برغسون بالزمن، حيّزًا مركزيًا من فلسفته. وتضيف الدراسة، في القسم ذاته، موضوعًا لعالم اجتماع، كي يتسنّى لها الكلام على الفوارق الثقافيّة والجندريّة في النظرة إلى الزمن، كما تضيف لمحة من نظريّة "ألبرت آينشتاين Albert Einstein" عن نسبيّة الزمن وفق سرعة راصده، ولمحة عن تأثير المواد الكيمائيّة والأمراض على تقدير الإنسان للوقت، كي لا تغفل الاكتشافات العلميّة المستجدّة في الموضوع. وتستكمل الدراسة عرضها التحليلي بذكر رؤية اثنين من كبار المحللين النفسانيين لمسار عيش الزمن الإنساني.

وفي القسم الثاني من الورقة، تستعرض حمادة تجربتها، بين مراحل تختلف فيها نوعيّة الحريّة المعيشة، وبدفع من رغبات تحوك نسيج عيشها للزمن. وخلال عرضها تقارن حمادة بين ما ورد في القسم الأول من نظريات ومعلومات وبين خبرتها، معلّقة على الفوارق، ومعمّقة فهمها لتجربتها على ضوء ما ورد في ذلك القسم. 

جين سعيد المقدسي: مائة عام على وعد بلفور

يصادف في ٢ تشرين الثاني ٢٠١٧ مرور مئة عام على وعد بلفور، وبالتالي مئة عام على البداية الرسمية للقضية الفلسطينية ومآسيها، كما على قيام الحروب والاحتلال والظلم للشعب الفلسطيني والعربي. ولكن هذه الذكرى تشهد أيضاً على مرور مئة عام من مقاومة الوعد والمشروع الصهيوني والإمبريالية والاحتلال. ومن المؤكد أننا سنشاهد قريباً العديد من الوقوف على ذكرى وعد بلفور وما تبعه من مآسي، في فلسطين والعالم العربي، وغيرها من مناطق العالم، وذلك من خلال مؤتمرات سياسية وشعبية وأكاديمية، أو مظاهرات ومناقشات تلفزيونية وغيرها. ينظر هذا المقال في تاريخ استذكار وعد بلفور وغيره من محطات تاريخية من مجازر واجتياحات وانتهاكات في المئة سنة الأخيرة. فيطرح بعض الأسئلة حول هذا الموضوع: كيف ولماذا نقف سنوياً عند هذه الذكريات الأليمة؟ ما الجدوى من إحيائها في إطار النضال الوطني؟ ماذا تقدم من إفادة لمشروع التحرر الوطني؟

يخلص المقال إلى أنّ الذكرى المتكرّرة لوعد بلفور ترجعنا إلى البدايات التاريخية، والأساسات السليمة لمقاومته، وإلى التوحّد الوطني ضدّ الظلم والإمبريالية، بعيداً عن النزاعات السياسية والأيديولوجية التي تفرق بيننا. بكلمة، تتضاءل هذه الفروقات ليظهر جليّاً جوهر القضية الفلسطينية ألا وهو النضال ضدّ الظلم ومواصلة السعي من أجل الحرية والكرامة وحق تقرير المصير.

  • الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر.
  • تاريخ النشر: 2017
  • ردمك: 9789953039473