لا أحد ينام في المنامة

 

نادر كاظم والمنامة التي لا تنام: من نقد المعنى إلى نقد المبنى

قراءة في كتاب "لا أحد ينامُ في المنامة"

تأليف: نادر كاظم

قراءة: أ. أحمد رضي

المقدّمة:

للتمكُّن من فهم كيمياء المدينة، عن طريق قراءة العلامات النصية في بنيتها المعماريّة والثقافيّة. يقترح الكاتب والناقد الفرنسي "رولان بارت" الإلمامَ بعدد من العلوم وهي: "الجغرافيا، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والهندسة المعمارية، وربما، التحليل النفسي أيضًا “. وأستطيع أن أُضيف على هذهِ القائمةِ أيضًا، أننا نحتاج للإلمام بعلومٍ أخرى من مثل: "علم النفس البيئي، الثقافة الشعبية، الاقتصاد، اللغات، الفنون التشكيلية، بل ربما نحتاج إلى قائمة لا تنتهي من شتّى العلوم بِمُجمل تخصّصاتها الفرعيّة".

وإذْ تَستحيل هذهِ المُهمّة على شخصٍ مُفْرد، لذلك لا يمكن القيام بها دون روح المغامرة الدونكيشوتية، أي أنّه مع معرفتنا باستحالة المهمة، إلَّا أننا يجب أن نخُوضها رغم ذلك.

لطالما تساءلتُ عن سبب قلّة تناول العمران بالنقد الثقافي عربيًّا، بمثل تلك الجديَّة التي يتمُّ فيها تناول النصوص الأدبية تشريحًا وتحليلًا، رغم أن العمران من أكثر الأشياء وضوحًا للعيان، إذ أن هذا العمران، وهذهِ المدن بصروحها، وأزقتها، وشوارعها، لا تتولد إلا من أنساقٍ ثقافيَّة تقْبع في الَّلاوعي والتاريخ والثقافة والعلاقات الاقتصاديّة/ السياسيّة.  فكما يقول ونستون تشرتشل: "إننا نشكِّل مبانينا، وهي تشكّلنا أيضًا".

 وقد تكون أسباب قلة الاهتمام بالنقد الثقافي للعمران وآليات اشتغاله فينا لعوامل عدة، منها: الاعتياد، العمارة فن النخبة، صعوبة العمل، النرجسيّة الوطنية، خشية الدخول في حقل ألغام سياسي.

فالاعتياد على العيش في مدينة، قد يكيّف أذهاننا لاعتبارِ تخطيط المدينة كما لو أنّه جزءٌ من الظَّواهر الطبيعيّة والمناخيّة، ولهذا نحتاج لما أستطيع أن أسميه "عين الغريب" كما في الدراسات الانثربولوجية، أي تمثُّل الدّهشة الأولى في التلقي، ومن ثم محاولة قراءتها ضمن سياقها التاريخي. 

إنّ من يملك رأس المال والسلطة السياسية هو من يتحكم في عملية بناء المدن، ولذا كان العمرانُ غالبًا فنّ النخبة. وكلّما كان المجتمع ديموقراطياً كلّما كان للأفراد دورٌ في صياغةِ بيئتهم وفقًا لاحتياجاتهم. وأمّا ابتعادهم عن التأثير في عمليّة التخطيط، فقد يجعلهم هذا غير قادرين على النّظر للمدينة ككيان حيويٍّ متغيِّر.

قلما يتم تناول العمران بالنقد الثقافي في البحرين، سوى في الجرائد اليومية، حيث لا نجد نقداً حقيقيّا إلّا فيما يخصُّ المطالبة ببناء مرافق جديدة، أو الكتابة السياحيّة عن جماليّات المكان، ونجده أيضًا بوفرةٍ في الكتب المطبوعة مؤخرَا ذات الحنين النوستاليجي أو التوثيقي لبعض القرى والمناطق.

من نقد المعنى إلى نقد المبنى

ويأتي عمل د. نادر كاظم الأخير "لا أحد ينام في المنامة" كإضافةٍ نوعيّة ومهمّة في المكتبة البحرينية والعربيّة. إذ أنَّه ومنذُ انتقالهِ لتحليل الواقع البحريني عبر كتاب "طبائع الاستملاك" عام 2007م وصولًا إلى كتابه " كراهيات منفلتة: قراءة في مصير الكراهيّات المنفلتة" 2010م.

نجدُ في مشروعهِ الثقافيّ تحليلًا للخطابات وبحثّا عن محرّكات الواقع من خلال النصوص، الدينيّة أو السياسية. بينما في هذا الكتاب الأخير "لا أحد ينامُ في المنامة"، سنجدُ انتقالًا، ليسَ تامًا، أو لم يكن هو مبتغى الكتاب. من نقد المعنى إلى نقد المبنى ـ إِنْ صحَّ التعبيرـ.

فكما يقول في مقدّمة الكتاب (ص23) : "هذا ليس كتابًا عن تاريخ المدينة وحسب، ولا عن سوسيولوجيا المدينة، ولا عن تاريخ أفكار سكّان المدينة وآيديولوجياتهم وأمزجتهم، ولا هو عن جغرافيّا المدينة وطوبوغرافيتها وتخطيطها، ولا عن خصوصيةِ المدينة الكولونياليّة (الاستعماريّة) أو ما بعد الكولونياليّة، ولا عن حياة المدينة وهي تتشكّل في تفاعلٍ معقد بين الإنسان وحاجاته والبيئة الماديّة وأشيائها ومعطياتها، ولا هو عن سوسيولوجيا الخليج وما آلت إليه المدينة الخليجية الحديثة بعد الطفرة النفطيّة، ولا عن أخلاقيّات التعايش وفن العيش مع الغرباء في المدينة المعولمة، بل هو عن كل ذلك مجتمعًا في توليفةٍ خاصّة، وبمقاربة متعدِّدة المداخل وعصيّة على التصنيف".

ويبدو أنّ الكاتب سيجعل مهمتنا عصيّة في تقديم ورقة مختزلةٍ تتناول كتابه، إلا أننا سنحاول، مثله، أن نذهب في هذهِ المغامرة. متكئين على كتابه، للذهاب في قراءةٍ أخرى للمنامة.

فكل قارئ للكتاب لا بدّ وأن تتوالد في ذهنهِ أسئلة مما عرفه من خلال معايشته وقراءاته.  ليقدّمها للكاتب، عن سبب التركيز على هذا الموضوع تحديدًا، أو إغفال ذاك الموضوع. وهو بهذا لن يجد تعليلًا كافيًا، سوى المتعة التي يجنيها من خلال رحلته الشائقة في قراءة هذا الكتاب الممتع. فموضوعٌ بهذا الحجم وهذهِ الاهتمامات المتنوعة، لن يكون إلا "عربون محبّة" لمدينة المنامة، وأيضًا كعملٍ أدبي تتنوع فيه الأفكار، وبمعالجة متعدّدة المقاربات، يزيدهُ بهاءً أسلوب الكاتب الرشيق وسرده الممتع لسيرة المنامة وهي تتشكّل، عمرانيّا، وإنسانيّا. منذ القرن الرابع عشر الميلادي وحتى أيّامنا الحاضرة.

إلا أننا سنلجأ إلى التركيز على محور واحد، نراه يخترق الكتاب ويمسك بدفته؟ لنناقشه، ونحاوره، كما ينبغي لأي كتابٍ جديرٍ بالقراءة، كتابٍ يضع أسسًا للنقاش المجتمعي السليم.

صناعة الهوية القائمة على الانفتاح والتعايش في المدينة الكوزموبوليتانية:

 إن كلّ هويّة لا تتشكّل إلا اعتمادًا على سرديّة قصصيّة، تشمل من ضمنِ ما تشمل، التاريخَ وذاكرة المكان، وهي بذلك صناعة، إلّا أنها صناعةٌ ضروريَّة ولا يتحقّق العيش من دونها، هي صناعة تنبثق من مخاوف وطموحات الحاضر في النظر للماضي، فما هي هذهِ السَّرديّة التي يقترحُها علينا كتاب "لا أحد ينام في المنامة"؟

سنجدُ أن الكتاب يقترب أحيانًا من النوستالجيه في استذكاره للمنامة قبل النفط، حيث المدينة/ الميناء المرتكز اقتصادها على تجارة اللؤلؤ، والتي جعلت أناس هذا المكان منفتحين، "وبعيدين عن الجدل الديني" كما ينقل الكاتب في وصف رجال المنامة عن أحد الرّحالة الغربييّن، مدينةٌ تضمُّ بشرًا متنوعين في مذاهبهم وأعراقهم وانتماءاتهم. وهذا ما يجعلها، بالإضافة للامتداد الجغرافي، مدينة ـ حسب تعبير الكاتب ـ، كما ينقل الكاتب عن أرسطو بأن المدينة "تتشكل من اناسٍ يختلفون في مشاربهم، ولا يستطيعُ بشرٌ متماثلون تكوين مدينة". علمًا بأن التنوع الذي نرى أن أرسطو كان يقصده، هو التنوع في طبقات الشعب نظرًا لمهنتهم وموقعهم الطبقي "من فلاحين، ومحاربين، وصنّاع، وتجّار. إلخ إلخ" ولم يكن يعني التنوع الاثني والمذهبي. وهو ما يصدق عمومًا على المنامة أواخر القرن التاسع عشر.

 يعود بنا د. نادر كاظم في هذا الكتاب إلى ماضٍ يرى فيهِ أنّ السِّمة الغالبة هي التعايش والتسامح، وذلك نظرًا لوجود التجارة، ووجود إثنيّات متنوعة. ورغم أنه لا يغفل عن بعض حوادث الشقاق، إلا أنه يجعلها محدودة، زمنيّا، أو بأعداد المشاركين فيها، أي أنها حوادث مضخّمة في مجتمع صغير، حوادث لا تعكّر صفو تعايشه وتسامحه.

واستمرّ هذا الانفتاح إلى أن تمّ اكتشاف النفط، الذي جعله انفتاحًا في جانبه الاستهلاكي في الغالب للسلع المتنوعة والمستوردة من مختلف دول العالم. إلّا أنه انفتاحٌ أصبح يضيق على الجاليات الأجنبيّة مع تنامي المدِّ القومي.  وحسب وجهة نظر الكاتب فإن الخمسينات من القرن المنصرم، هي المرحلة التي بدأت فيها مدينة المنامة تنقطع عن إرثها الكوزموبوليتاني مع صعود "هيئة الاتحاد الوطني" كقوّة سياسيّة، والتي بلغَ تأثيرها حدِّ الممارسة العنصريّة تجاه الأجانب، وأن تتحوّل إلى بيئة طاردة لهم، كما حدث مع هجرة بعض العوائل اليهوديّة نتيجة أعمال الشغب. وهي بذلك تشبه مدينة الاسكندرية التي انقطعت عن إرثها الكوزموبوليتاني مع صعود عبد الناصر للسلطة، مما أدى إلى هجرة كثيرٍ من الإثنيات فيها، تزامنًا مع عمليّات التأميم والمصادرة. إلا أن السؤال الذي يحقُّ لنا أن نسأله، هو أنّ المنامة لم تكن فيها مثل تلك الإجراءات، فهل تكفي بضعة حوادث شغب لتقنع جاليّة بالهجرة؟ فالمنامة وإن كانت تشبه الاسكندريّة كمدينة بحريّة تعتمد على الميناء، ومدينة كوزموبوليتانية كذلك، إلى حد أن عنوان كتابهِ جاء بالتناص مع رواية " لا أحد ينام في الاسكندرية "للروائي إبراهيم عبد المجيد. إلا أنها تختلف عنها في سبب خلخلتها سكانيّا.

فسبب ضمور المنامة القديمة هو النظام الاقتصادي الرأسمالي، وليس الاشتراكي كما في الاسكندريّة. هذا النظام الاقتصادي، هو الذي حوّلها بادئ الأمر من قريةٍ صغيرة إلى مدينة التجّار بفضل الميناء وتجارة اللؤلؤ والتحديثات الإدارية. وهذا النظام الاقتصادي هو خلخلها سكّانيّا، وهو الذي يحوّلها الآن إلى سلعة معلّبة للسياحة. أي أنّ سبب كسادها أو خلخلتها سكانيّا، هو الذي كان سبب ازدهارها أوّل مرة. أمّا تأثيرات "الهيئة، هيئة الاتحاد الوطني" فلم يتعدّ سوى ترحيل فئة صغيرة من الجالية اليهوديّة. ولكنّها لم تكن بأي شكلّ من الأشكال، السببَ في ضمور مدينة المنامة الكوزموبوليتانية.

فهل كانت المنامة قبل الهيئة مدينة التسامح والتعايش في ظلّ الإدارة الاستعمارية؟ ـ كما يقترح الكتاب ـ وكيف يمكننا أن نفهم معنى "الكوزموبوليتانيّة" في هذا السياق؟ وهل أصبحت المنامة بعد الهيئة مدينة قوميّة وتخلّت عن إرثها التعدّدي؟

الكوزموبوليتانيّة، وهي كلمة مكونة من شقيّن، "كوزموس" وتعني الكون باليونانيّة، و"بوليتيك" وتعني السياسة بالإنجليزية، وقد استعملها كارل ماركس وإنجلز أوّل مرةٍ وكانا يقصدان بها الشركات العابرة للقومية أو المتعدّدة الجنسية، بينما كثيرًا ما تُستعمل حاليّا لوصف مجتمع متعدد الأعراق والإثنيات والمذاهب أو المجتمع المعولم، بل وربما تطلق على أفراد ويشار بذلك لكونهم متعدّدي الثقافة والاهتمامات، فبأي المعاني كانت منامة ما قبل الهيئة الوطنية في الخمسينات؟

لا يمكن أن نفهم معنى "التعايش" و "التسامح" دون أن نفهم سياق المدينة الكولونياليّة، حيث كانت توجد آنذاك فئتان، وهما "الأجانب" التابعين قضائيّا للسلطة البريطانيّة، والفئة الثانية هي "الأهالي" سنة وشيعة والذين كانوا رعايا حاكم البحرين.

ولم تكن تلك الجماعات تنظر لنفسها إلا من خلال جماعتها الإثنية والمذهبيّة، ولم تكن السلطة تنظر لتلك الجماعات إلا من خلال انتمائها الهوياتي أيضًا. فالعرائض تقدّم باسم الجماعة المذهبيّة، الأحياء مقسمة طبقيّا ومذهبيّا، والتسامح الديني لم يكن قبولاً بالآخر، أو كما نفهمه حاليّا، بقدرما كان سلوك مداراة اجتماعيّة تفرضها طبيعة السوق وعلاقات القوة، وأيضًا لعلّها نزعة أصولية محافظة ولكن من غير أدلجة، أي لا تكترث بالآخر ومصيره الأخروي أو الدنيويّ طالما كان بعيدًا عن مجالي الخاص. تورد شريفة الأمريكانية مثلاً بأن بعض من بدّل دينه للمسيحية، وهم قلّة، كانوا يتسترون خوفاً من القتل. إلا أن الأجانب كان يتم التغاضي عن ديانتهم شريطة أن لا يثيروا هذا الموضوع أو يعلنوا مجاهرة عدم انتمائهم للدين الاسلامي. كما أن طاقم الارسالية كان يشعر بصعوبة مهمّة التبشير التي تكاد تقترب من الصفر في شهرين اثنين وهما: شهر محرّم وشهر رمضان. (مذكرات شريفة الأمريكانية ص 109)

فهي لم تكن مدينة التسامح بقدر ما كانت مدينة التغاضي، والالتقاء بالآخر لم يكن إلا في شكلٍ استهلاكيٍّ وتجاريٍّ في غالبه، ولم يؤدِّ إلى نشوء ثقافة مشتركة بين الفئات المختلفة، وخصوصًا بين الأجانب والأهالي. سوى عند بعض كبار التجّار.

فالمنامة أوائل القرن كانت بوتقة لصهر الاختلافات، لكنها لم تسفر عن لقاءٍ بالآخر أو بناء هويّة وطنيّة إلا مع ظهور النفط الذي أدّى لنشوء طبقة برجوازية من الأهالي السنّة والشيعة، وهذهِ الطبقة هي التي حملت لواء الوطنيّة التي تعني: أننا لسنا متجاورين في المكان ولا يؤذي أحدنا الآخر فقط، وإنما لنا أيضًا آمالٌ وتطلّعاتُ مشتركة. إلا أن هذهِ الحركة اقتصرت على الأهالي "سنّة وشيعة" وذلك بعد مناوشات ونزاعات بينهم قبل ذلك، فيما عُرف بفتنة محرم. ولكن كيف نشأ هذا اللقاء؟ وما أسبابه التي لها علاقة بتطوّر الحالة المدينية في مدينة المنامة؟

كان ممكنا في مدينة المنامة أن ينشأ ما يسمّى ب "الجيوب الثقافيّة"، أي تلك المناطق المحايدة التي تسمح لساكني "الغيتوات" المعزولين ضمن فضاء جماعتهم بالالتقاء والتّفاعل اليومي مع الآخر في المدارس والمستشفيات والأسواق والأزقّة المتداخلة بينّ حيٍّ وآخر. وهو الأمر النادر الحدوث في القرى آنذاك، إلا أن هذهِ الجيوب الثقافيّة لم تسمح بنشوء ثقافة وطنيّة جامعة، وذلك بسبب اختلاف المصالح ـ وإن أدت للتقارب في بعض الأشياء، كاللهجة مثلاً حسب ما يذكر في الكتاب، إلا أنها لم تؤدِ إلى تكوين هويّة وطنيّة جامعة. فلم يحدث أن تمّ التحدُّث بصيغة المواطنة إلا بعد نشوء الوعي القومي مع أفول تجارة اللؤلؤ وصولًا إلى حركة الهيئة في الخمسينات. وأما سبب اقترابها أحيانًا من العنصريّة تجاه الأجانب، فلا يمكن أن نفصل هذا عن السياق التاريخي/ الاقتصادي لمدينة المنامة، حيث طبيعة المصالح المتناقضة التي تميل لصالح الأجانب وبعض الفئات التي تدعمها المدينة الكولونياليّة. فهذهِ الحديّة التي ظهرت في الخمسينات، لم تنبثق فجأة لأسباب خارجيّة فقط، كالتأثر بالمدّ القومي الناصري، وإنما كان لها أسبابها الاقتصاديّة/السياسيّة داخليّا، والتي لم يُشر الكتابُ إليها كما ينبغي. أي أنَّ تلك الحديّة، والتي لا نبررها قطعًا بوعينا الحالي، وإنما نحاول أن نفهمها فقط. جاءتْ كرد فعل على ما يمكن أن نسميه "العنف الرمزي" الموجّه ضد الأهالي في فترة الكوزموبوليتانيّة، بدءًا من التمييز في الأعمال والرواتب، وفي القضاء، وكذلك في تغريب المدينة عبر تسمية الشوراع بأسماء أجنبيّة، وفي المراسلات الرسميّة والتجاريّة التي تكتب باللغة الانجليزيّة، أو تكوين جهاز شرطة من جنسيات غير محليّة. كان هذا العنف الرمزي هو ما كان يحفظ تماسك المدينة الكوزموبوليتانيّة، وليس في الأمر، كما نفهم بالمعنى الحديث، إيمانًا متجذرًا بقيم التعايش والتسامح. والذي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل عدالة تساوي بين جميع الأطراف. وبما أن حركة الهيئة لم تستطع تحقيق انجاز لما كانت تنشده، سنجد أنّ مدينة المنامة بدأت بالتخلخل سكانيّا لأسباب اقتصاديّة بالدرجة الأولى، وليست بسبب المدّ القومي.

فالعلاقة بين المدّ القومي وأفول المدينة الكوزموبوليتانية المتسامحة، لم يكن واضحًا في الكتاب، سوى فيما يخصُ الجالية اليهوديّة. وهو أمرٌ يثير أيضًا بضعة أسئلة، فهل تكفي بضعة أعمال شغب لتجعل جالية متجذرة ترحل عن موطنها؟ سنجد أن العوائل اليهوديّة الأكثر تجذرًا واصلت الإقامة في البحرين، وبعضها رحل بعد تاريخ التقسيم بسنوات طويلة. فالأرجح أن بعضها هاجرت لتبحث عن فرصٍ أفضل في تل أبيب، بينما العوائل الغنيّة واصلتْ البقاء (مذكرات شريفة الأمريكانية ص181).

لم تتخلخل المدينة سكانيّا، واجتماعيّا، إلا بسبب "عمليات الحضرنة الرأسماليّة"، فكيف يحدث ذلك؟

ففي المدينة التي تعتمد على الميناء، تتركز النخبة التجارية في مركز المدينة القريب من الميناء، ولكن ما يحدث لاحقًا عند ازدهارها هو أن تنزح لهوامشها الفئات الفقيرة القادمة من الريف، وكلما زاد ثراء النخبة وازدهرتْ اعمالها، زاد عدد النازحين، إلى أن يتكدّس مركز المدينة، فتلجأ النخبة حينها للنزوح نحو الضواحي بعيدًا عن المركز المكتظ من أجل بيئة أفضل. ويزداد هذا الابتعاد كلّما تطوّرت وسائل المواصلات. ومع الطفرة النفطية التي أدت إلى طفرة عمرانية، لم يعد النزوح من داخل المدينة لخارجها مقتصرًا على التجّار وإنما تبعتهم أيضًا الطبقة المتوسطة بفضل مشاريع الدولة الإسكانيّة، كما أن النزوح من الريف في داخل البحرين إلى مدينة المنامة قد توقّف بفعل التنمية وحلَّ بدلاً من الريفيين، تلك العمالة الوافدة القادمة من آسيا. ويمكن مقارنة المنامة بما حدث في مدينة الكويت القديمة، سوى أن المنامة لا زالت فيها بعض الأحياء وإن كانت تشكّل أقليّة.

فما زالت المنامة القديمة، كوزموبوليتانيه، إذا كنّا نعني التنوع العرقي والإثني، سوى أن النخبة التجارية قد غادرتها. وتختلف المنامة عن نظيراتها من المدن الكوزموبوليتانية العربية كالاسكندرية وبيروت، في تغريبها عن محيطها العربي وذلك بسبب طبيعة الاقتصاد الرأسمالي الريعي، فيما حافظت المدن العربية الكوزموبوليتانية على طابعها العربي مغذيّة نفسها سكانيًّا من الداخل، فيما يُعرف بظاهر "نزوح الريف نحو المدينة".  

وسوف نجد أن ظاهرة المجتمع المتعدّد، لم تنته في البحرين، مع ظهور النفط. بل إنها زادت وتوسعت لتشمل أغلب مناطق البحرين، بدءًا من مدينة عوالي في ثلاثينيات القرن المنصرم، وليس انتهاءً بالمشاريع العمرانيّة الاستثماريّة في العقد الاخير بعدما فُتحت أمام تملّك الأجانب. ولكن ما يميز بعض هذهِ المشاريع حاليّا، وما يجعلها مختلفة عن المنامة القديمة، أنها تأتي ضمن سياق أشدّ شراسة مع العولمة. حيث يتم توفير بيئة مصطنعة عمرانيّا، وذات أسوار وإدارة خاصّة، ومعزولة عن بقيّة فئات المجتمع. كما أن تطوّر وسائل المواصلات جعلها في منأى من عمليات النزوح للعمالة الفقيرة كما في مدينة المنامة التقليديّة، "حيث كانت عدد بيوت العريش في المنامة حتى منتصف الاربعينات يفوق عدد البيوت الطينية" (لا أحد ينام في المنامة ص126). وهذا ما يجعل الفواصل بين الطبقات أكثر تفاقمًا والتفاعل بينهم أكثر برجماتيّةً وأقل اجتماعيًّا.

سيرة المنامة/ سيرة البحرين.

إِنّ وجود المدينة وازدهارها، يؤدي لوجود إمكانيّة للعمل السياسي عبر تضامن الفئات المختلفة في بيئة حضريَّة يمكن فيها تحقيق التواصل المكثّف، بحيث تعي الفئات المختلفة مصالحها، ودورها، وإمكانيّة قيامها بعمليات ضغط سياسي ضمن نطاق المدينة. مع ملاحظة أن أساس تشكل المدن عبر التاريخ لا يأتي إلا عبر مركزيّة استبدادية، تستطيعُ أن تمنحَ فيها هويّة وطنيّة للجماعاتِ المعزولة وقليلة التواصل فيما بينها. لكنّ تلك المركزيّة لا بدّ وأن تصل في قمة أوجها لمنح الناس المزيد من المشاركة وإلا سبب ذلك توالي الأزمات فيها، فالديمقراطية إن حلّت في بلدٍ مفككٍ عرقياً أو طائفياً لن تنتج سوى الفوضى. والدولة المركزية إن لم تنتقل تدريجيًّا لتمنح المزيد من المشاركة الشعبيّة أدى ذلك لتفككّها. ولا أزعم أن العمران هو علة العلل ومكمن الزلل، بل هو في المحصلة النهائيّة مجرَّد تَمثيلٍ عملي لمصالح فئوية، وتمثيل رمزي لما يعتمل في اللاوعي الجمعي. فنشوء العمل السياسي الذي بلغ ذروته في الخمسينات، كانت قد سبقته قيام دولة مركزيّة. وقد لاحظَ د. نادر كاظم بذكاءٍ في كتابه "طبائع الاستملاك"، أنّ نشوء الأسوار حول المباني بدأ في فترة بلجريف مع نشوء الدولة المركزية، وأن "أول ما تتطلبة الدولة كجهاز انضباطي هو تسكين الأفراد في أماكنهم ووقف تحركاتهم أو على الأقل تحديد هذهِ التحركات ووضعها تحت المراقبة"  وقد كان المجتمع البحريني التقليدي قبل ذلك "تجري معظم أنشطته في أماكن مفتوحة وبطريقه غير ثابته وغير منتظمة ".."ولهذا كانت المقابر والمدارس والمستشفيات بلا أسوار، وهكذا كانت أنشطة الناس متحرِّرة من قانون "العزل والإقفال" _ طبائع الاستملاك ص117.

إن أهمية سيرة المنامة وتحوُّلاتها تكْمنُ في تقديمها نموذجًا لما يمكن أن تُصبح عليه البحرين لاحقًا، أي في مستقبلها. بعد أن أصبحتْ البحرين كاملة، بسبب مساحتها الصغيرة وبفضل تطور وسائل الاتصال والمواصلات، إلى مدينة واحدة، أو يما يمكن أن يطلق عليها "الدولة المدينة" المشدودة ضواحيها لمركزها. أي أن نموذج المنامة انتشر في أرجائها كافة ليشمل حتى القرى البعيدة. ويبدو أنّ أزقة المنامة وأحيائها وأسواقها التي كانت تمثل مختبرًا للتعايش، أصبحتْ الآن على نطاق البحرين بلداتٍ وقرى متنوعة بينها جيوبٌ ثقافيَة.

فهل يتكرّر التاريخ؟ أم أننا سنظلُّ في هذا المختبر دائمًا وأبدًا؟ فحين أقولُ مختبرًا فإنني أعني بأنه لم توجد صيغة تامةٌ وناجزة للتعايش والتسامح قابعةٌ في زمنٍ ما من التاريخ. وإنما كان لهذا التعايش مشاكله، ومنغِّصاته، والتي علينا أن نتجاوزها بقدرٍ أكبر من البحث والتحليل، وهي مهمّة ما زالتْ في بداياتها، وتتطلّب رعاية يوميّة ونقاشًا مجتمعيّا مستفيضًا مبينّا على قراءةٍ واعية للتاريخ، ومتجهًا للمستقبل.

الناشر: دار سؤال.

تاريخ النشر: 711 - 2018

ردمك: 9786148020681