السرد والدلالة: دراسة في تأويل النص الروائي

 

تأويل الرواية بصدد كتاب:
 «السرد والدلالة: دراسة في تأويل النص الروائي» 

د. عبد الرحمن التمارة

تقديم
يُعدُّ كتاب «السرد والدلالة: دراسة في تأويل النّص الروائي» أحد عناصر مشروع نقدي علمي مشروط بسياقات معرفية، وقائم على قضايا سرديّة متنوّعة، وتحكمه رهاناته علمية مختلفة. بهذا المعنى، فإن مشروع البحث في «النص السردي الحديث»، من زوايا بناء مرجعيّته وتأويلها، يرتبط بسيرورة معرفية منفتحة، ويقترن بأسئلة قابلة للتّطوير، وبأهداف متنوعة واستراتيجيات متغيّرة. لهذا، فإنّ كتاب «السرد والدلالة» تبلور ضمن مجال إبستمولوجي مؤطَّرٍ بالانفتاح، ومؤَسَّسٍ على تجاوز وهم الكمال وادعاء الاكتمال.
لقد تولّدت فكرة المشروع من سياق تكوين أكاديمي، ارتبطتُ فيه، دراسة وبحثاً، بعالم النقد الأدبي الحديث. وبعد ذلك بسياق تأطير تربوي، بالتدريس الجامعي، ساعد في تعميق البحث في السرد الحديث. هكذا، تبيّن أن تشكُّلّ النص السردي الحديث، قصة كان أم رواية، وبناء مكوناته وعوالمه المختلفة، لا تؤطره مثالية متعالية على الواقع المعيش، في امتداداته المتنوعة، ولا تحكمه واقعية فجّة تؤمن بالتقاط الواقع بميكانيكية مفرطة. لهذا، فإنّ الحديث النقدي عن المرجعية النّصية يتوخى تجاوز النزعة الواقعية التي تقرُّ بوجود العالم الخارجي في النص السردي الحديث، وتجاوز النزعة المثالية التي تنفي إمكانية حضور ذلك العالم في النص بشكل مطلق. بهذا المعنى، فإنّ بناء مرجعية النص السردي الحديث يُعبرّ عن تشييد محتوى سردي ممتلئ دلاليا، ومعبر عن نظام علاقات داخلية وخارجية مختلفة. لكن ذلك التشييد يظل مرهونا بالتحكُّم الجيد في المقومات الأساسية للكتابة السردية، مما يجعلها مرجعية مفتوحة، أثناء التلقي المصحوب بالتأويل، على تعدد الدلالات وتنوع الأبعاد. 

1.فرضية البحث وإشكالية 
يفضي التأمل في سيرورة التفاعل بين النص والمتلقي إلى التأكّد منْ أنَّ التأويل فعل معرفي اقترن بمجالات معرفية مختلفة؛ حيث انفتح على نصوص مقدَّسة، واقترن بنصوص فلسفية، وارتبط بنصوص تاريخية وأدبية، مما يؤكد «بلاغة الحاجة» للمؤول التي أطرت النص، بمختلف تنويعاته المعرفية والأجناسية، في علاقته بالتأويل. إن تلك «الحاجة» انبنت إبستمولوجيّا على جملة من الأهداف التي يتوخى المتلقي تحقيقها أثناء ممارسة فعل التأويل، بوصفها أهدافا تضمر ضرورة التأويل أثناء التفاعل مع النصوص. وبما أن اهتمامنا، هنا، ينزع إلى الارتباط فقط بتأويل النص الروائي يمكنُنا القول إن «البناء» و«التوسيع» من أهم الأهداف التي يتوخى مؤول النص الروائي تحقيقها؛ حيث يغدو التأويل فعلا معرفيا يمكِّن من بناء مدلولات وعوالم محتملة، فتكون متولِّدة من علاقة الغائب والمحذوف والمسكوت عنه بالحاضر والمثبت والمصرَّح به في النص الروائي. وبذلك يساهم التأويل في «بناء» أنساق دالة ممكنة ومحتملة، ما دام التأويل «لا يرتكز فحسب على ما يصرح به النص، [لهذا] من الضروري أن نذهب إلى ما وراء النص بحثا عن جانب محذوف لم يقُله أو لم يستطع الإفصاح عنه» .
هكذا، فإنّ فرضية الدراسة تنطلق من كون «البناء» هدفا هاما لتأويل النص الروائي، وهو هدف يفصح عن جمالية الاقتصاد والإخفاء التي تحكم بناء النص الروائي، مما يفرض توجيه الممارسة التأويلية صوب «توسيع» عالم النص الروائي، وفتح مرجعيته المعروضة نصِّيا على عوالم توحي بها علامات النص ومكوناته الدالة، لأن «التأويل يجعل الباب مفتوحا دائما على ممكنات لم تتحقق» . 
إن الفكرة السابقة تدفعنا للتساؤل عن العوالم الممكنة التي يُشيدها تأويل النص الروائي انطلاقا من العالم النصي الذي يُشكِّل منطلق التأويل؟ وهل يعتبر تشييد عوالم دلالية ونسقية مختلفة ومتعددة أثناء تأويل النص الروائي مُنطَلَقا عِلِّيا للحديث عن انفتاح تأويل النص الروائي؟ وكيف يبني النص الروائي مرجعيته؟ وهل يكون لطريقة تشييد مرجعية النص الروائي تأثير قوي على ضرورة تفعيل التأويل؟ وهل يتحكم عنصر موضوعاتي معين في تشييد مرجعية النص الروائي؟ وبعبارة أخرى ما هي طبيعة «الموضوع» الذي يشكل مرجعية النص الروائي؟ وما هي الكيفية التي يتمُّ بها تسريد هذا الموضوع في نص الرواية؟

2.منهج البحث
انبنت رؤيتنا في هذه الدراسة النقدية على التأويل، باعتباره آلية منهجية تمكّن من قراءة النص الروائي وتحليل مرجعيته النصية، لأجل اقتراح «دلالات» على العالم المسرود في الرواية، وليس البحث عنها داخله بوصفها دلالات ثابتة. من هنا تبلور حديثنا عما نسميه «السرد والدلالة»، باعتبار الأول (السرد) عنصرا مساهما في بناء مرجعيات النصوص الروائية المؤسسة على مكونات متنوعة تدفع عمليا للتأويل، وبوصف الثاني (الدلالة) جملة من المدلولات المقترحة للدوال النصية البانية لمرجعية الروائية، لأن المقاربة النقدية تأسست على التعامل مع العناصر البانية لمرجعية النصوص الروائية باعتبارها «علامات» دالة على مدلولات متنوعة ومختلفة، ما دام «الأدب ليس شيئا أخر سوى العوالم التي تبنيها اللغة» . 
من هنا، فإن المنهج الذي اعتمدناه في تأويل مرجعية النصوص الروائية المقترح تأسس على معطيات السيميائيات التطورية التي تنظر للنص الروائي بوصفه كونا من «العلامات» النصية الدالة، وهي علامات منفتحة على مدلولات محتملة، وعوالم وأنساق دلالية ممكنة. بيْدَ أن بناء دلالات تلك العلامات النصية يبقى رهينا بالتلقي والتأويل؛ في الأول يتمُّ «إنتاج» العوالم الممكنة للدوال وعلامات النص الروائي، وفي الثاني يتم «فتح» النص الروائي، بعوالمه المحتملة، على سياقه الثقافي والتاريخي والحضاري الراهن.

3.محاور البحث وقضاياه 
لقد جاءت الدراسة النقدية في سياق مقالي مدرج ضمن مشروع نقدي موحد قوامه «تأويل السرديات» النصية، بوصفها عوالم منفتحة على دلالات مختلفة ومتنوعة. لهذا، جعلنا الدراسة النقدية منبنية على محورين اثنين: 
المحور الأول نظري، فكانت البداية بتمهيد أولي، ثم أعقبناه بالبحث في سؤال المرجعية النصية للرواية وكيفية تشكّلها. أفضى ذلك إلى الوقوف عند دواعي التأويل، أو بالأحرى ضرورته في حالة النصوص الروائية، وعند حدود التأويل الممتدة، مما ساهم في انفتاح تأويل مرجعيات تلك النصوص على دلالات متعددة.
المحور الثاني تطبيقي، همّ دراسة نصوص روائية مغربية (عبد الكريم غلاب، محمد عزالدين التازي، أحمد الكبيري، زهرة المنصوري، محمد أمنصور، مصطفى لغتيري، عبد السلام فيزازي، محمد الأشعري، مصطفى آدمين، عبد العزيز الراشدي) وعربية (نجيب محفوظ، عبد الله خليفة، حسونة المصباحي) منتمية للألفية الثالثة، باستثناء نص روائي واحد، عبْر تحليل وتأويل عوالمها الدلالية ومكوناتها السردية والخطابية. وقد تحكّم في توجيه الدراسة التحليلية التأويلية طبيعة المرجعية النصية المعروضة في النص الروائي، بناء على طبيعة محمولاتها الدلالية المهيمنة، مما أفضى إلى الوقوف عند أنواع متعددة من العوالم المسرّدة في تلك النصوص الروائية. وهذا ما جعل اشتغالنا متمركزا حول مفهوم «التسريد» باعتباره مفهوما مشتقا من «السرد» يجعل النص الروائي متضمنا للمكونات الدلالية والجمالية. وبمعنى أخر، أثناء الانطلاق في تشييد النص الروائي تتمّ المراهنة على «تسريد» موضوع أو قضية أو فكرة..، لكن بمواصفات فنية وجمالية ولغوية وخطابية يتطلبها فعل السرد، ويفرضها الجنس الروائي بمواصفات نوعية. 
تمرُّ الخطوات المنهجية لتأويل نصوص روائية عربية ومغربية، إذاً، نظريا عبر مرحلتين هامتين؛ المرحلة الأولى، تمَّ فيها رصد الطابع النوعي والمميز للنص الروائي على مستوى بناء مرجعيته النصية وتشييدها، باعتبار ذلك مدخلا هاما لاستدعاء فعل التأويل أثناء التفاعل مع النص الروائي. والمرحلة الثانية تمَّ فيها تحديد مفهوم «الانفتاح» الذي يمكن أن يتَّسم به تأويل النص الروائي، وبعده الانتقال إلى تأويل النصوص الروائية المقترحة بفتح عوالمها النصية على أنساق دالة وعوالم ممكنة ومحتملة. وهو ما يعني أن الحديث عن «انفتاح تأويل النص الروائي» سيرتهن تنظيميا بالوقوف عند ثلاثة عناصر أساسية؛ الأول محوره تحديد المكونات المشيّدة للنص الروائي، بوصف التشييد منطلقا هاما لاستدعاء فعل التأويل. والثاني أساسه رصد المكونات النصية للرواية القابلة للتأويل، باعتبار تلك المكونات النصية قادرة على تحديد نمط التأويل وتوجيهه قصد «إنتاج» نص جديد، بالنظر إلى الأنساق الدالة والعوالم التي يمكن أن تنفتح عليها المرجعية النَّصية للرواية بمختلف مكوناتها البنائية. والثالث قوامه «تفعيل» تأويل نص روائي له مرجعيته النصية الخاصة، حيث يتم تحليل ودراسة عوالمه وتأويلها بما يناسب تلك العوالم. لهذا يغدو التأويل، في هذا المستوى، بحثا في الأنساق الدالة للنص الروائي من جهة، وبحثا في الأبعاد الجمالية التي اقترنت بتلك الأنساق من جهة ثانية.
تركيب
تجلَّى بوضوح أن الفعل التأويلي ضروري لبناء دلالات النص الروائي، فيصير التأويل عملية إنتاجية وتشييدية، لأنه يبني مدلولات النص الروائي الداخلية حينا، ويفتح دواله على مدلولات خارج نصيِّة حينا آخر. وتزداد أهمية تأويل النص الروائي وضرورته لمّا ننظر إلى الرواية من زاوية تشكل مرجعيتها، فنجدها مرجعية منفصلة عن العالم الكائن والمحقق، ومتصلة بفعل تمثيلها بعالم الإمكان والاحتمال. وهذا يعني أن غاية الرواية، باعتبارها جنسا أدبيا، هي «ليس تسجيل عالم البداهة بل العبور إلى ما ورائه، وتحقيق الانفصال عنه» . أمام هذا الهدف يصير التأويل ضروريا؛ أولا لبناء عالم «ما وراء البداهة» كما توحي به العلامات النصية، وثانيا لإبراز الكيفية الجمالية والفنية التي ابتعدت بموجبها المرجعية النصية عن «عالم البداهة». وبذلك يكون التأويل ضرورة للنص الروائي، لأنه يشيّد ما انفلت من النص وغاب عنه، ويمكّن من ملء الفجوات ويساهم في سدِّ الفراغات. يظهر أنّ التأويل قد يكون ضرورة أساسية لكثير من النصوص الروائية، لأن بفضله يصير النص الروائي دالاً ومعبِّراً، ويغدو حاملاً لعالم مُمكِن ومُحتمل تحتمل علاماته النصية مدلولات متنوعة، ما دامت «وظيفة الفن ليست معرفة العالم وإنما هي إنتاج مكملات للعالم» . 

  • الناشر: فضاءات للنشر والتوزيع.
  • تاريخ النشر: 10-7- 2018
  • ردمك: 9789957308957

*د. عبد الرحمن التمارة، أستاذ باحث، جامعة مولاي إسماعيل، الكلية متعددة التخصصات، الرشيدية، المغرب
temaraabd@yahoo.fr