افتتاحية العدد الثالث: السّرد والهويّة

أ. د. نادر كاظم

تدور معظم أبحاث العدد الثالث من مجلة علوم الإعلام والاتصال حول إشكالية "الهوية" و"السرد"، بوصف السرد أحد مكونات الهوية. وإذا ذهبنا أبعد فإننا سنقرأ الهوية بوصفها سرداً بما إنها لا تتحقق إلا في السرد وبوساطة السرد. وهي الهوية التي يسميها بول ريكور "الهوية السردية" أي ذلك النوع من الهوية الذي لا يتحقق إلا بالتأليف السردي وحده، حيث يتشكل الفرد والجماعة معاً في هويتهما من خلال الاستغراق في السرديات والحكايات التي تصير بالنسبة لهما بمثابة تاريخهما الفعلي.

والسرد هنا يتجاوز دلالته التقنية التي تحصره في أشكال السرد التخييلي المعهودة كالرواية والقصة والملحمة، ليعبر عن مفهوم أنطولوجي أوسع بما ينطوي عليه من فعالية تحكم كل ما يحدث في الزمان، ويتعاقب فيه وينتظم داخله وفق صيغة معينة. والسرد – بهذا المعنى – ليس هو قرين الوجود فحسب، بل هو الشرط الضروري لهذا الوجود، وذلك من حيث هو تعبير عن شكل الوجود في العالم، وطريقة التموضع في الزمان. ولربما كانت صياغة بول ريكور لهذه الإشكالية هي الأكثر وضوحاً وتماسكاً، ويمكننا النظر إلى كتابه "الزمان والسرد" من خلال تناصه المقصود بكتاب هايدغر الذائع عن "الوجود والزمان"، فإذا كان الوجود لا يتحقق إلا في الزمانية وفي الموقف التاريخي، أي إنه وجود متعيّن غير متعالٍ، فإنه – بحسب ريكور – وجود قائم بالسرد وبوساطته؛ لأنه وجود لا يتحقق إلا بطريقة سردية، أو هو - بتعبير آخر - وجود سردي. وهذه الطبيعة السردية هي التي تميّز الوجود الإنساني عن وجود الحيوانات، وهي التي تميّز الأحداث التاريخية عن الأحداث الطبيعية التي تفتقر إلى السردية.

والسرد من حيث هو تأليف لمتنافرات تحدث في العالم يجمع بين أشكال السرد التخيلي كالقصة والرواية، والحقيقي كالتاريخ، وكيانات مشكّلة كالهوية، وأنظمة ثقافية ناشطة كالأيديولوجيا. وعملية التأليف لا تكتمل في نصوص السرد، بل لدى القارئ كما يقول بول ريكور، فمعنى السرد - أو دلالته - ينبثق من "التفاعل بين عالم النص وعالم القارئ"، وذلك لأن السرد هو وساطة بين الإنسان والعالم (وهو بهذا المعنى تورّط بالعالم)، وبين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان ونفسه.

وتأسيساً على هذا التصور الأنطولوجي للسرد، ينبغي إعادة النظر في طرائقنا المعهودة في التحليل والقراءة، وذلك لما يقتضيه هذا التصور من ذهاب إلى ما هو أبعد من النص بحدوده اللغوية المغلقة وبدلالته الأدبية المحدودة. وهو ما يضمن إنجاز قراءة تربط النصوص بالممارسات والأفعال والقيم والمعتقدات والمؤسسات والكيانات الثقافية والأنظمة الأيديولوجية ومختلف الخطابات الفاعلة في الثقافة، بمعنى أننا سنقرأ النص بوصفه خطاباً متورّطاً بالعالم وبالثقافة بمختلف مؤسساتها وممارساتها الخطابية وغير الخطابية. وهو ما تحاول أبحاث هذا العدد أن تقدمه بقراءات معمقة تبدأ بالخطاب الإعلامي، ولا تقف عند حدود مؤسسات المجتمع وأنظمته.