مواقع التواصل الاجتماعي و واقع البناء الذاتي للهوية

 مواقع التواصل الاجتماعي وواقع البناء الذاتي للهوية

د. ثريّا السنوسي

جامعة الشارقة

لذكر هذا البحث: ثريّا السنوسي (2019)، مواقع التواصل الاجتماعي وواقع البناء الذاتي للهوية، مجلّة علوم الإعلام والاتصال، عدد 3 السنة الثانية.
 

Abstract

The researcher raised the question about the mechanics of identity building and reshaping its features through social networking sites. The exploratory study, which relied on the technique of electronic interviews, concluded that Social Media may somehow create a hypothetical virtual prison (Foucault’s panopticon), that affects the psyche of users and lead them to look for the virtual crowd admiration and satisfaction through a deliberate selection of the publications presented in accordance with the requirements of the virtual community to which they belong. The self-awareness of the virtual crowd is supposed to push virtual users to “create” a positive self-identity, which is not necessarily identical to their real one.

Keywords

Identity – facebook – panopticon – social Media – virtual Identity.

ملخّص

أنتجت التكنولوجيات الاتصالية الحديثة مجتمعات افتراضية أتاحت للفرد إمكانية تعويض الهوية الحقيقية واستنساخ هويات متعددة بما أن مفهوم المجتمع لم يعد مرتبطا بسياق زمني أو مكاني، بل بمبدأ النشاطات المشتركة. وقد طرحت الباحثة إشكاليتها حول ميكانيزمات بناء الهوية وإعادة تشكيل ملامحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. توصلت الدراسة الاستكشافية التي اعتمدت على تقنية المقابلات الإلكترونية، إلى أن السوشل ميديا يمكن أن تخلق نوعا ما سجنا (أو بانبوتيكون كما يسميه ميشال فوكو) وهو سجن افتراضي تبادلي يؤثر على نفسية المستخدمين، وأن وعي المستخدم بأنه مراقب يقوده إلى محاولة إرضاء الحشد الافتراضي وكسب إعجابه من خلال اختيار مدروس لما يعرضه من منشورات وفقا لمقتضيات المجتمع الافتراضي الذي ينتمي إليه، كما يقود إلى إعادة تشكيل هويته بطريقة إبداعية. كما أثارت الدراسة مسألة صناعة الذات ونحت هوية أو هويات مزيفة.

الكلمات المفاتيح: الهوية – الذات – الفايسبوك- البانوبتيكون – السوشل ميديا- الهوية الافتراضية

 

مقدمة

شكلت المجتمعات الافتراضية وشبكات التواصل الاجتماعي أرضية خصبة لتنامي نوع جديد من الهويات أطلق عليه "الهوية الافتراضية". ولئن اختلف الفضاء الذي تترعرع فيه هذه الهوية - من حيث هي ذات "أفلتت" من ضوابط الفضاء العام الحقيقي ومن معايير المجتمع الواقعي - فإن إملاءات مخصوصة تمارس على الذات داخل ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ب"البانوبتيكون" الموسع والتبادلي. وهو ما يدفع الذات الافتراضية نحو التلون حينا والتفرخ أحيانا، حسب مقتضيات كل مجتمع افتراضي تنضم طوعا إلى مستخدميه. وفي هذا المستوي يمكن للباحثة أن تتساءل عن تجليات الهوية /الهويات الافتراضية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وعن الدور المحتمل لشبكات التواصل الاجتماعي في إعادة بناء الذات وتشكيلها على أرض الواقع.

I. المدخل النظري

1. مشكلة البحث

بما أن التكنولوجيات الاتصالية الحديثة والمشبكة قد انتجت مجتمعا أو مجتمعات افتراضية أتاحت للفرد إمكانية تعويض الهوية الحقيقية، واستنساخ هويات متعددة، على اعتبار أن مفهوم المجتمع لم يعد مرتبطا بسياق زمني أو مكاني، بل بمبدأ النشاطات المشتركة على جميع الأصعدة. فإن السؤال المحوري سيكون موجها بالتحديد إلى كنه الهوية في السياق الافتراضي.

بعبارة أخرى: كيف يتمثل عالم الهوية عبر فيسبوك؟ وكيف يساهم في إعادة بناء هوية جديدة تنسجم ومقتضيات المراقبة الموسعة ومجهولة المصدر داخل المجال الافتراضي؟ وإلى أي مدى يمكن الجزم بقدرة المساحات الاجتماعية الرقمية في طمس الحدود بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي؟

ولعل الباحثة، من خلال طرح هذه الاشكالية حول ميكانيزمات بناء الهوية وإعادة تشكيل ملامحها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تروم التوصل إلى الإجابة عن بعض الأسئلة الفرعية من قبيل:

- بما تتفرد الهوية الذاتية التي تتنزل ضمن نظام بانوبتيكي افتراضي تبادلي، بما هي ذات ممتدة كما يسميها ويليام جيمس (من حيث مشاركتها هموم الآخر واهتماماته)، وذات منعكسة على حد تعبير كولي (من حيث أنها تستمد ثقتها بنفسها من خلال ما يكنه لها المحيطون بها)؟

- ماهي حدود التماهي والتباين بين الهوية الذاتية الحقيقية والهوية الافتراضية فيما يخص الضوابط التي تفرضها الذات على نفسها لتحقيق انصهارها ضمن المحيط الاجتماعي الذي تتنزل فيه؟

- أي دور للفاسبوك في بناء الهوية/الهويات الذاتية للأفراد أوفي إعادة تشكيلها؟

- هل تقوم الهوية الافتراضية على أساس تأكيد الذات الحقيقية للأفراد أم على صناعة ذات أو ذوات مستقلة تماما؟

2. أهداف البحث

- التعرف على مدى تأثير التكنولوجيات الاتصالية في بناء الذات

- الكشف عن أهم الهويات التي يجري الترويج لها في الواقع الافتراضي وفي مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.

- التعرف على الفئات التي تهتم بمسائل الهوية.

- الكشف عن مكامن القوة والضعف لدور وسائل التواصل الاجتماعي التي تشكل الهوية.

3. أهمية البحث

تساهم الدراسة في تعميق البحث حول الهوية الذاتية داخل المنظومة الافتراضية، حيث تركز على نقاط التلاقي والتنافر الممكنة بين ملامح الفرد في الواقع وبين الصورة التي يرسمها لنفسه من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. ولعل الإضافة النوعية لهذا البحث هو كونه يبحث في سبل بناء الذات الحقيقية وتأكيدها بل وتطويرها من خلال الصورة أو الصور التي يرسمها لذاته في الفضاء الافتراضي الذي يحاول الانصياع لضوابطه والالتزام بإملاءاته التي تجعل منه مجتمعا موازيا لا يختلف كثيرا عن المجتمع الحقيقي.

4. منهجية البحث

تتنزل الدراسة في إطار الدراسات الوصفية التي تحاول أن تستكشف حقيقة تجليات الذات ضمن الفضاء الافتراضي وحيثيات تشكلها من خلال رصد آراء عينة من الباحثين في العلوم الإنسانية والإعلاميين ممن يستخدمون السوشل ميديا. وفي هذا الإطار، اختارت الباحثة اعتماد أجوبة أفراد تعرفهم معرفة حقيقية وهم أكاديميون وإعلاميون، (خيفة أن تكون البيانات المنشورة من قبل بقية الأصدقاء حول هوياتهم ومهنهم واختصاصاتهم مزورة). وقد قامت الباحثة بتوجيه أسئلتها عبر خدمة المسنجر إلى عينة مأخوذة من قائمة الأصدقاء. كما تم نشر لافتة مصحوبة بعبارة "ما رأيكم؟”، في الصفحات الخاصة بالباحثة في أربعة من مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك وتويتر ولنكد إن وإنستاغرام لمدة سبعة أيام، ثم تم تجميع التعليقات حولها من المواقع المذكورة، وتم اعتماد فقط الإجابات المتأتية من أفراد العينة القصدية (الباحثين في العلوم الإنسانية والإعلاميين). إذن، فقد اعتمدت الباحثة على تقنية المقابلة الإلكترونية أو المقابلة عبر الحاسوب، و"هي مقابلة تتم عبر البريد الإلكتروني أو المقابلة بالفيديو عن بعد".(1) وقد تم استخدام الأسئلة المفتوحة من أجل ترك المجال واسعا للمستجوب حتى يعبر عن آراءه، بغرض جمع أكثر ما يمكن من المعلومات اللازمة للبحث. كما تم استخدام تقنية المناقشة الجماعية حول مدى تمثيلية الفايسبوك للذات.

5. الدراسات السابقة:

تنوعت الدراسات العربية حول مسألة الهوية في علاقتها بالمجال الافتراضي والإعلام الجديد، ويجدر ضمن هذا السياق ذكر الدراسة أجرتها الباحثة الجزائرية فتحية نور الهدى بلبليدية، سنة 2018 بعنوان "إشكالية الهوية الثقافية في ظل الإعلام

الجديد"، انطلقت فيها من الإشكالية التالية: كيف يساهم الإعلام الجديد في تشكيل الهوية الثقافية للشباب؟ وتعرضت الباحثة خلال مقاربتها النظرية البحتة إلى علاقة الإعلام الجديد بتشكيل الهوية. وخلصت للقول بأن مرحلة الشباب هي مرحلة هامة تتأثر باتجاهات العصر والثقافة السائدة المحيطة به، وخاصة الإعلام الجديد الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من حياة الشباب، مؤكدة أن ذلك ما أثبتته كثير من الدراسات وشواهد الواقع الاجتماعي، حيث أن التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي له تأثيرات على قيم وسلوك هؤلاء وممارساتهم، مما يؤدي إلى تشكيل ثقافة قد تتوافق وثقافة المجتمع السائدة وقد تتعارض وتتنافر معها. وأضافت الباحثة أن التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم تحتاج إلى وعي حضاري وجهد معرفي وثقافي صحيح، من أجل تحويل الفعل السلبي للإعلام الجديد إلى استثمار إيجابي في صالح فئة الشباب بالخصوص، ثم يجب ربطه بثقافته الأصلية، وإعطائه الصبغة الأخلاقية. فالرسالة الاتصالية يجب أن تحافظ على فئة الشباب من كل ما هو دخيل وغريب عليهم يسعى إلى تفكيك التراتبات الاجتماعية وخلخلتها. فتشكيل الهوية الثقافية للشباب اليوم بفعل الإعلام الجديد أضحى واضحا. فهو ظاهرة لها ما لها من الأبعاد الثقافية والحضارية، ومحاولة استيعابها هي دلالات على الحضور الزماني مع التغيرات العالمية(2).

من الدراسات المهتمّة بمسالة الهويّة في علاقتها بالأنظمة الرّقميّة، نذكر كذلك دراسة الباحث عبد الحكيم أحمين، ونشرت في كتاب سنة 2017 تحت عنوان "الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية: أيّ دور لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية؟". تناول الكتاب في فصله الأول والثاني مقاربة مفاهيمية تم خلالها التعرض لتعريفات الهوية ومواقع التواصل الاجتماعي. وقد تضمن الفصل الثالث دراسة تطبيقية حول الدور الإعلامي لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل هوية المجتمعات العربية والإسلامية. وتمثّلت أبرز نتائج هذه الدراسة في تصاعد الحديث عن الهوية مع ظهور العولمة وانتشارها في مجالات الحياة جميعها، وكذلك ارتباطها بـالشعور بالخطر الخارجي، والحاجة إلى الإصلاح الداخلي، والبحث عن كيفية الخروج من التخلف. كما أشارت الدراسة إلى وجود تضارب لدى العلماء والمفكرين في تحديد مقومات الهوية وتعريفاتها. وقدّم الكاتب جملة من التوصيات نلخّصها في الآتي:

-إعداد دراسات متنوعة حول الهوية؛

- إجراء دراسة شاملة بشأن كيفية التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي؛

- دعم المبادرات الفردية والجماعية وصفحات التواصل الاجتماعي وتشجيعها ورفدها بجميع أنواع المواد التي تلائم بيئة الإنترنت؛

- الاهتمام بعناصر الهوية كلها؛

- التحول من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الإنتاج؛

- الاهتمام برفد محتوى الإنترنت بمواد ومعلومات باللغة العربية تفرز ذاكرة حضارية وتاريخية وثقافية للفرد العربي والمسلم).(3). يجدر كذلك ذكر دراسة الباحثة كلثوم بيبيمون، سنة 2016 حول "السياقات الثقافية الموجهة للهوية الرقمية في ضوء تحديات المجتمع الشبكي: من التداول الافتراضي إلى الممارسة الواقعية". وقد استهلت الباحثة دراستها بطرح مجموعة من التساؤلات:

ﺗﺮى، ﻣﺎ الذي يؤسس اﻟهوية اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺗﻨﻮع اﻟﺴﻴﺎﻗﺎت اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ اﻟﻤﺘﺪاوﻟﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺸﺒﻜﻲ؟ وﻛﻴﻒ يتحدد الوجود اﻻﻓﺘﺮاﺿﻲ ﻓﻲ ضوء مواﺻﻔﺎت اﻟﺒﻴﺌﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ؟ ﻣــﺎ ﻫــﻲ التحديات اﻟــﺘــﻲ ﺗــﻮاﺟــﻬــﻬــﺎ اﻟــﻬــﻮﻳــﺔ اﻟــﺮﻗــﻤــﻴــﺔ ﻓــﻲ ﻇــﻞ رﻫـــﺎﻧـــﺎترﻗــﻤــﻨــﺔ اﻟﻌﻠﻮم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ؟ وﻣﺎ ﻫﻲ اﻟﺒﺪاﺋﻞ اﻟﻤﺘﺎﺣﺔ. تناولت الباحثة ﺗﻤﻈﻬﺮات اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺸﺒﻜﻲ ﻓﻲ ﺿﻮء اﻟﺪراﺳﺎت اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة في مقاربة تحليلية من النوع الثاني، إضافة إلى مسألة اﻟﺘﺄﺻﻴﻞ اﻟﻤﻌﺮﻓﻲ ﻟﺴﻮﺳﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ً ﻓﻲ ﺿﻮء ﺗﺤﺪﻳﺎت رﻗﻤﻨﺔ اﻟﻌﻠﻮم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ. وختمت الباحثة دراستها بجملة من الإقرارات لعل أهمها هو أننا ﻧـــﻮاﺟـــﻪ اﻟـــﻴـــﻮم أﻛـــﺜـــﺮ ﻣـــﻦ أي وﻗــــﺖ ﻣــﻀــﻰ رﻫــــﺎﻧــــﺎت اﻷﻣـــــﻦ اﻟـــﻔـــﻜـــﺮي واﻟـــﺤـــﻀـــﺎري؛ ﻓــﻮاﻗــﻊ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ اﻟﻤﻌﺎﺻﺮة اﻟﻤﺸﺘﺘﺔ ﺑﻴﻦ اﻻﻓﺘﺮاﺿﻲ واﻟﻮاﻗﻌﻲ، ﺑﻴﻦ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ اﻟﺸﺒﻜﺎت واﻟﻬﻮﻳﺔ، ﻳﻨﺒﺊ ﺑــﺄزﻣــﺎت اﻹﻧــﺴــﺎن اﻟﻤﻌﺎﺻﺮ اﻟـــﺬي ﻋﻠﻴﻪ أن يدرك ذلك ﻟﻴﺤﻤﻞ ﺑﻴﻦ ﺟﻨﺒﺎﺗﻪ الهم اﻟــﺤــﻀــﺎري، ومطلب إﺑﺮاز اﻟﺠﺎنب اﻷﺧﻼﻗﻲ ﻓﻲ ﻧﻈﻢ تواﺻﻠﻪ ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﺸﺒﻜﻲ .إن اﻟﻬﻮﻳﺔ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ وإن كانت تعكس جزء بسيطا ﻣــﻦ ﺗﻤﺜﻼت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟــﻮاﻗــﻌــﻲ، ﻓــﺈن دﻳﻨﺎﻣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻦ اﻟﺘﺤﺪﻳﺎت اﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻬﺎ. وأوصلت الباحثة بضرورة البحث في مسألة تأصيل أخلاقيات للهوية الرقمية (4).

من الدراسات التي ناقشت موضوع الهوية في سياق الحال، دراسة الباحثة مسعودة بايوسف، التي نشرتها منذ سنة 2011، حول "الهوية الافتراضيّة: اﻟﺧﺻﺎﺋص واﻷﺑﻌﺎد، دراﺳﺔ استكشافيّة ﻋﻠﻰ عيّنة من المشتركين في اﻟﻣﺟﺗﻣﻌﺎت الافتراضيّة". وقد اهتمت الدراسة بخصائص الهوية الافتراضيّة وأبعادها المختلفة، انطلقت فيها الباحثة من الإشكالية التالية: ماهي ﻋﻼﻗﺔ الهوية ﺍﻻﻓﺘﺭﺍﻀﻴﺔ بالهوية الحقيقية وكيف يتفاعل الأفراد داخل المجتمع الافتراضي وما آثار هذا التفاعل ﻋﻠﻰ الحياة الواقعية؟ وقد كشفت الدراسة الاستطلاعية التي قامت بها الباحثة عن عدة نتائج ذات أهمية بالغة، من أبرزها هوّ أنّ الانضمام إلى المجتمعات الافتراضيّة يحدث بدافع الحوار وتبادل الآراء، وأنّ الهوية الافتراضية تمثل عند غالبية الأفراد انعكاسا لهويتهم الحقيقية، وهو ما يفسر تصريحهم لبياناتهم الحقيقية حول الجنس والسن وغير ذلك. ويرى الغالبيّة أنّهم، عن طريق هوياتهم الافتراضيّة يكونون أكثر تفاعلا ونشاطا ومشاركة وأحسن تصرّفا في المجتمع الافتراضي أكثر منه في المجتمع الواقعي (5).

أما بالنسبة إلى الدراسات الغربية، فقد سجلنا غزارة من حيث عدد البحوث وتشابها من حيث المحتوى والتمشي. ومن الدراسات التي يجدر ذكرها، دراسة حول "مفهوم الذاتية الحقيقي مقابل الهوية الرقمية على فيسبوك، قامت بها ماريانا ماركوفسكي وآخرون، سنة2014Marijuana Macofsky. طرح البحث التساؤل المحوري حول ملامح الشخصية الافتراضية وعلاقتها بالهوية الحقيقية للمستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي. وقد تمكنت الباحثة من الحصول على نتائج مهمة عن طريق استبيان موزع على عينة من طلبة المدارس الثانوية بلغت 104 تلميذ وتلميذة تراوحت أعمراهم بين 13 و15 سنة. وأظهرت نتائج الدراسة أنه لا يوجد طالب واحد مع مفهوم الذات السلبي للغاية عبر الفايسبوك و 97.6 في المئة لديهم مفهوم النفس الإيجابي بشكل عام، وأن الهوية الرقمية لطلاب العينة هي شخصية حقيقية تمامًا: أكد الطلاب المشاركون في العينة أهم صرحوا بهويتهم الحقيقية وبياناتهم الصحيحة في صفحات الفايسبوك الخاصة بهم. وتستنتج الباحثة بأن نتائجها تتعارض مع الافتراض العام بأن الشبكات الاجتماعية قد استخدمت كأداة لبناء هويتنا المثالية التي قد تتناقض مع هويتنا الحقيقية. إذ تظهر النتائج أن الهوية الرقمية هي نفسها في الواقع مع مفهوم الذات في الحياة الحقيقية. (6)

نذكر كذلك دراسة بعنوان" منح الشخصية إلى الهوية الافتراضية"، للباحث جاكوب فان كوكسويجك، Van Kokswijk Jacob منشورة سنة 2008. وهي عبارة عن بحث قانوني في الجرائم المرتكبة في الفضاء الالكتروني يحمل مقاربة قانونية ويبين العجز القانوني من وجهة نظره في ضبط المجرمين في المجال الافتراضي. يقول الباحث إن الهوية المجهولة في عالم الفضاء الإلكتروني هي،

عاجلاً أم آجلاً، ملموسة من الناحية القانونية. فالهويات الافتراضية، التي تم إنشاؤها عن طريق الصدفة وبطريقة ذاتية، لا يمكن إصدار حكم في شأنها مثل الروبوتات أي بطريقة آلية. فعلى النقيض من مسرح الجريمة التقليدي، فإن المتطفلين أو المزيفين عبر الإنترنت يتركون القليل من بصمات الأقدام الرقمية. إذ أن تغيير سجلات الكمبيوتر أسهل من تغيير السجلات الورقية. ويترك اللصوص والمزيفون الإلكترونيون عددًا أقل من الأدلة. ويختم الباحث دراسته بالتأكيد على أن العوالم الافتراضية والسلوك الوهمي هي في كل العصور. الفرق الكبير هو الوسيط المستخدم، ومع عناصر المجانية والسرعة التي تقدمها وسائل الإعلام الجديد، يحتاج القانون إلى بعض التعديلات من قبل المحققين والقضاة. ومع ذلك فإن بعض الخبرة العملية (واستخدام قوة تكنولوجيا المعلومات) ستساعد بالتأكيد على فهم الحالة. (7)

نشير أيضا دراسة أجنبية ثالثة قام بها كل من الباحثين Luigia Simona Sica وTiziana Di Palmaو Laura Aleni Sestitoسنة 2011 تحت عنوان: “الهوية الافتراضية: خطر أم مورد؟ "، وهي دراسة حول تأثيرات استخدام الشبكة الاجتماعية والبيئة الافتراضية للمستخدمين المتعددين (MUVE) على عمليات بناء الهوية للبالغين الناشئين. يؤكد الباحثان أن أبعاد استكشاف الهوية تشكل في كثير من الأحيان مناطق من عدم اليقين والمخاطر. وترتبط عوامل التحفيز لاستخدام الشبكة الاجتماعية حسب الباحثين بالعرض الذاتي والتنشئة الاجتماعية. من ناحية أخرى، يبدوا أن استخدام البيئة الافتراضية والشبكات الاجتماعية للفترات المستمرة والمستدامة يمكن أن يكون له آثار سلبية مباشرة على عمليات تعريف الذات. ولذلك فإن الهدف من البحث الاستكشافي كان دراسة آثار استخدام البيئة الافتراضية من حيث المخاطر والموارد على عمليات بناء الهوية للبالغين الناشئين. وقد تم استخدام شكل نسق السرد (مقابلة السيرة الذاتية). وكان عدد المشاركين 25 راشدًا (متوسط ​​عمر 23 عامًا). وقد تم تحليل النصوص المنتجة من خلال التحليل العنقودي المعجمى.

وأظهرت النتائج وجود أربعة مجموعات معجمية (مع مؤشر استقرار 78٪) تتعلق بعمليات البناء الذاتي (المجموعة 1: الفضول والاستكشاف؛ المجموعة 2: الحاجة إلى الانتماء وقناع العواطف؛ المجموعة 3: "الذات المحتملة"؛ المجموعة 4: تأثير القناع). وتسلط الضوء على وجود مخاطر مرتبطة ببناء الهوية، ولكن أيضا فوائد مرتبطة بالأبعاد العلائقية والعاطفية للذات. وتؤكد هذه النتيجة الحاجة إلى دراسة شاملة لآثار استخدام التكنولوجيات الجديدة من أجل التخطيط لمثل هذا الاستخدام في التعليم. (8)

 6. موقع البحث من البحوث السابقة: 

ركزت البحوث العربية على مسألة الهوية الثقافية والاجتماعية ضمن الإطار الافتراضي، حيث تناولت العديد من الدراسات دور وسائل التواصل الاجتماعي في بناء الهوية بالنسبة للفئات الناشئة مثل المراهقين، وركزت أخرى حول تأثير الإعلام الرقمي على الهوية العربية والإسلامية. كما كانت في أغلبها تعتمد على مقاربات نظرية. أما البحوث الأجنبية فقد كانت إجرائية أكثر وركزت على العلاقة بين الذات الحقيقية والذات الافتراضية وطبيعة العلاقة بينهما فضلا عن بعض الدراسات التي تناولت المسائل القانونية والتكنولوجية التي تنبثق من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

ستحاول الدراسة تناول مسألة تشكل الهوية الافتراضية ضمن إطار السوشل ميديا وعلاقتها بالهوية الذاتية للأفراد على أرض الواقع، من خلال رصد اتجاهات عينة من الباحثين في العلوم الإنسانية وعدد من الإعلاميين الناشطين في الفضاء الافتراضي. وبالتالي فإن الدراسة ستأخذ شكل الدراسات الوصفية الكيفية من حيث المنهج. أما من حيث المحتوي، فستنطلق

الدراسة من نظرية الفيلسوف الفرنسي "ميشال فوكو" وأفكاره حول "الذاتانية" أي فلسفة بناء الهوية الذاتية في ظل ما يسميه با"لبانوبتكون"، في إشارة إلى مراقبة السلطة بأنواعها ومصادرها المختلفة. وستحاول الخروج بمعلومات قيمة تلخص اتجاهات نخبة الباحثين في العلوم الإنسانية والإعلاميين حول بناء الذات في المنظومة الرقمية وانعكاساتها على بنية الذات الحقيقية للفرد.

7. المفاهيم والمصطلحات

أ. مفهوم الهوية:

فرض مصطلح الهُوِيَّةُ نفسه باعتباره مصطلحا فلسفيا يستدل به على كون الشيء هو نفسه. فمن الناحية اللغوية اشتق المعنى اللغوي لمصطلح الهوية من الضمير هو، حيث يقصد به «حقيقة الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره». ولم يتوقف عنده أصحاب المعاجم كثيرا، لكنه اتخذ في اصطلاحات الفنون معاني عدة. فقد حدد المتصوفة الهوية بأنها «الحقيقة في عالم الغيب». وعرفها الفلاسفة بأنها «الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق». وعرفها علماء النفس بأنها «وحدة ذات الشخص في مراحله المختلفة، طفلاً وشابّاً وكهلاً وشيخاً». وعلماء الاجتماع يرون في «الهوية» ذلك «الشيء الذي يُشعر الشخص بالاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، والانتماء إليه» و«هي مجمل الشارات والسمات الشخصية لدى الإنسان منذ تلك اللحظة التي يعي فيها الطفل كونه مخلوقا منفصلا عن أمه». (9)

إن تناول الهوية من خلال اللغة أو الدين أو التقاليد لم يعد كافيا للوصول إلى التوصيف الدقيق، لا سيما في زمن مواقع التواصل الاجتماعي وأشهرها فيسبوك وتويتر، حيث أن الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي قد أثار الانتباه إلى الآثار الكبيرة الناجمة عنها في مجالات الحياة المختلفة. وانطلاقاً من هذا المبدأ يوجه الباحث المغربي عبدالحكيم أحمين انتباه المفكرين والباحثين إلى ضرورة إعادة النظر في مسألة الهوية من خلال كتابه "الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية: أي دور لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية؟".(10)

إن المجتمع الافتراضي ظاهرة اجتماعية مثل المجتمع التقليدي مضافًا إليه الخصائص التكنولوجية الرقمية، إذ يوجد تداخل كبير بين المجتمع الافتراضي والمجتمع الواقعي، إلا أن المجتمعات الافتراضية لا يمكن أن تكون بديلًا من المجتمعات الحقيقية، لأنها تقوم على ثقافة هوية جزئية لا تسمح بتشكيل هوية قوية، وهي غير ثابتة ودائمة التغير. وهي مجتمعات تصنعها عقول البشر وتفاعلاتهم الآلية. وأفراد هذه المجتمعات يعيشون بعيدين من القيود الاجتماعية والدينية والقيمية ويخلقون ما يسمى بالهوية الخفية. (11)

ب. الهوية والذات:

ميّز عالم النفس وليام جيمس ثلاثة وجوه للهوية؛ (الذات المادية: وهي الجسد)، (الذات الاجتماعية: وهي الأدوار)، (الذات العارفة: وهي التي تمنح الشخص الشعور بأنه ذات مستقلة عندما يعمل ويفكر). ولأن الحديث عن الفرد لا يستقيم

إلا بتحديد موقعه ضمن المجموعة، فإن عدة عوامل تتدخل في تشكيل الفرد وهويته، فهي تتشكل على مراحل ومع مرور الأيام والحوادث والتجارب وهي تتغير باستمرار، عبر مجالات وأبعاد متعددة تجمع بين الحياة الشخصية والمحيط الاجتماعي والمؤثرات العالمية. لكل شخص أشكال متعددة من الهوية، وهذا التداخل بين الانتماء إلى الهوية الشخصية وأشكال الانتماء الأخرى والمتعددة، يخلق ما يعرف بـ “أزمة الهوية. (12) وقد عمل عالم النفس جيمس مارسيا على إتمام عمل إريكسون وذلك بالتركيز أكثر على أزمة الهوية وتفصيلها بشكل أدق. ويعرّف مارسيا الهوية بأنها بناء داخلي يشيّد من طرف الشخص ذاته وتمثل مجموع المعتقدات والقدرات والدوافع وتاريخ الفرد. وكلما كان هذا البناء متينا كلما كان الفرد أكثر وعيا بأوجه التفرّد والتشابه مع الآخرين. هذه هي نقاط قوته وضعفه في شق طريق حياته بهذا العالم، في حين كلما كان هذا البناء ضعيف التشييد كلما كان الفرد مشوشا بخصوص ما يميزه عن الآخرين وكلما صار أكثر اعتمادا على مصادر خارجية لتقييم ذاته واكتشافها. ويرى مارسيا أن بناء الهوية ديناميكي وغير ثابت فهو يتغير كل حين في مراحل حياتية شتى، فتضاف عناصر جديدة لهذه الهوية وتُزال أخرى، فالإنسان دائم البحث والاكتشاف. (13)

أما كاتيل فيرى أن الذات هي مصدر تأثير كبير على الفرد حيث تضمن الاستقرار والنظام للسلوك الإنساني. وتنقسم الذات في نظر الباحث إلى قسمين: الذات أو النفس الحقيقية والواقعية التي وجب على الفرد أن يقبلها من الجانب العقلي، وكذلك الذات أو النفس المثالية التي يسعى إليها الفرد. ويتفق كاتيل مع جيمس وألبرت وليوين في اعتباره أن الذات هي عبارة عن شيء مدرك وسلسلة من العمليات المتعاقبة على السواء. (14) وتتضمن نظرية الذات لكارل روجرز جملة من خصائص الذات التي يعرفها على أنها تنظيم عقلي معرفي منظم من المدركات والمفاهيم والقيم الشعورية التي تتعلق بالسمات المميزة للفرد وعلاقته المتعددة. وتتسم الذات عند الباحث بقابليتها للتعديل نتيجة النضج والتعلم وبإمكانية استيعابها قيم الآخرين. كما يؤكد روجرز أن أقصى درجات النمو تتمثل في حالة توافق تام بين المجال الظاهري (ويقصد به عالم الخبرة) وبين الذات، وهو ما يحرر الفرد من أشكال التوتر ويحقق الاستقرار النفسي. (15)

ج. الهوية الاجتماعية:

يقول رولان بارث في شأن الهوية الاجتماعية أنها مزودة بفاعلية اجتماعية، وهي ظاهرة مركزية في نظام العلاقات الاجتماعية وتنظيم التبادلات في كل مجالات الحياة. ففي تحديدها لا يتطلب الأمر جرد كل سماتها الثقافية، وإنما يتطلب التعرف على ما تستخدمه تلك الجماعة من سمات دون الأخرى مما يبرر تميزها بين الجماعات الأخرى. والتمايز هنا يخص ظهور هويات على حساب هويات أخرى.(16) ويرى هنري تاجفل عالم النفس الاجتماعي البولندي أن الهوية الاجتماعية

يمكن اعتبارها كأداة تصنيف المجتمع إلى فئات وذلك حسب الأدوار، والوظائف والانتماءات الاجتماعية المختلفة، كالانتماء السياسي أو الديني أو اللغوي، وحتى الانتماءات الجغرافية: مدينة مقابل الريف(17). وحسب تاجفل، فإن هذا التصنيف قد يؤدي لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة، من خلال شعور (ال"نحن" مقابل ال"هم"). ويرى أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من انتمائه للمجموعات، إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي إليها،

وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه. وهذا المفهوم بالذات ينطبق تماما على الهوية المبحرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو ما يطلق عليه عدد من الباحثين " الهوية الافتراضية".

د. الهوية الافتراضية:

تعرّف موسوعة الويبوبيديا الهوية الافتراضية على أنها الشخصية التي يتم انشاؤها من طرف المستخدم الإنسان الذي يعمل كصلة وصل بين الشخص الطبيعي والشخص الظاهري للمستخدمين. (18) كما تعرّفها الدكتورة كريمة علاق في بحثها الموسوم ب"الهوية البديلة في لعبة الحياة الثانية"، أن الهوية الافتراضية هي الصورة الذاتية التي يصنعها المستخدم خصيصا ويطورها لتصبح بديله الذي يعرف بها وتفرده عن الآخرين وتكسبه خصائص مميزة له عن غيره في عالم الحياة الثانية، لتكون بديلة في هذا المجتمع الافتراضي يستخدمها في تقديم نفسه للآخرين ويتفاعل معهم من خلالها. (19)

يمكن القول حينئذ إنه من خلال إنشاء هوية على Facebook، فإننا نخلق شخصا مختلفًا عنا، قد يشبهنا ولكنه ليس بالضرورة كنهنا الحقيقي، بل هو كائننا المجزأ الذي يندمج في العالم الافتراضي. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الشخص الآخر هو مقبول من قبل البقية، وهو ما يجعلنا نركز على هوية شخصيتنا المقبولة في العالم الافتراضي. وهي شخصية منضبطة إلى حد ما أو تحاول أن تكون كذلك حتى تتمكن من الانصهار داخل العالم الافتراضي والانسجام مع من فيه وحتى تحقق هويتها الافتراضية قبولا ولما لا شعبية. وهذا الانضباط هو الذي يجرها نحو الامتثال لقوانين الشبكات الاجتماعية وقواعدها تماما مثلما يمتثل الشخص السجين لأوامر سجانه حتى ينال رضاه ويتفادى غضبه.

ه. من سجون البانوبتكون إلى البانوبتكون الافتراضي

- "بانوبتيكون" "بنثام"

صمّم جيريمي بنثام نموذجًا لسجن أسماه “البانوبتيكون“، ويعني الرؤية الشاملة، تغيّرت على إثره طبيعة السجون في عصره. فقد كان تصميم سجن البانوبتيكون الذي أعدّه بنثام في 1791 عبارة عن مجموعة من الزنازين في شكل دائري، لا يسمح تصميمها بالتواصل بين السجناء، ويتوسطها فناء به برج للمراقبة، وتُضاء من الخارج بحيث لا يستطيع السجناء رؤية من في برج المراقبة، في حين أن المُراقِب وحده من يرى جميع من في الزنازين. ويُرسِّخ هذا التصميم شعور المراقبة الدائمة لدى السجناء، فحتى لو لم يكن هناك من يراقبهم بالبرج فهم لن يستطيعوا معرفة ذلك؛ ما يجبرهم على التصرف طبقًا للتعليمات هو وثوقهم بأن هناك من يراقبهم الآن. في تصميم سجن بانوبتيكون يلعب المعمار دورًا في قوة ممارسة السلطة، وحلِّ المراقبة محل التعذيب والعنف. (20).

ويعتبر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، أن تصميم سجن البانوبتيكون، كجهاز للضبط والإكراه، يجعل السجناء حاملين للسلطة بداخلهم، فالمهم أن يتيقن السجين أنه مراقب طوال الوقت، في حين لا يمكنه الجزم أنه مُراقب الآن بالتحديد. كما أن شخص من يمارس السلطة ليس مهمًا، فأي شخص يستطيع القيام بدور المراقب حتى وإن جاء صدفة، فتتولد عبودية، لا تحتاج إلى القوة لإكراه المسجون على السلوك وفقًا لتعليمات مفروضة عليه، بل تصبح العبودية

جزءًا من السلوك الاعتيادي للمسجون. ويرى فوكو أيضًا أن المراقِب (أو السلطة) يستطيع بصورة دائمة الحكم على السجناء من خلال متابعتهم وتغيير مسلكهم، ويكتسب المعرفة التي تجعل سلطته مستقرة. (21)

إذن، فإن وظائف البانوبتيكون تجعل السجناء يتحملون مسؤولية تنظيم سلوكهم. وبافتراض أنهم يهتمون بآثار السلوك السيئ، فإن السجناء سوف يتصرفون بالطريقة التي تحددها المؤسسة في جميع الأوقات على أساس أنهم يخضعون للمراقبة. لذلك فإنهم يحرصون على تنظيم سلوكهم كما لو كانوا في بانوبتيكون طوال الوقت، حتى بعد إطلاق سراحهم من المؤسسة(22).

البانوبتكون وتأثيره على الهوية الافتراضية

يرتبط التأثير السلبي للمراقبة الجماعية بالعديد من المواضيع الهامة، ليس فقط على المستوى السياسي، وإنما يمتد إلى ما يتعلق بالمعرفة والوعي والسلوك البشري الحر. تمامًا كما يمنع سجن البانوبتيكون التواصل بين السجناء فيما بينهم، ويغيّر من سلوكهم الطبيعي ووعيهم بما يحيط بهم، تؤدي المراقبة الجماعية لوسائل التواصل الاجتماعي إلى نفس التأثير. وهو ما ينتج عنه طمس لبعض ملامح الهوية الحقيقية للأفراد المنخرطين والنشطين في المجال الاتصالي الافتراضي حينا، وتفرخ لهويات متوازية ومتعايشة لنفس الذات الإنسانية، وعادة ما تكون هذه الهويات متعددة بتعدد المجتمعات الافتراضية التي ينتمي إليها الفرد. حيث إن إحساس الذات بأنها مراقبة بصفة متواصلة يجعلها تلقائيًا تحور آراءها ومواقفها واتجاهاتها وفقا لرأي الأغلبية المنخرطة في نفس المجتمع الافتراضي الذي تنتمي إليه بغية الاندماج التام مع أعضاءه.

إذنـ، فطبيعة المراقبة الجماعية، كجزء من الممارسة الافتراضية التي باتت تنطبق عليها صفة التلقائية أحيانا، تضع في ذهن المبحر في وسائل التواصل الاجتماعي أنه تحت مجهر ال"هو" أو ال"هم" الدائم، الأمر الذي يؤثر في طبيعة نشاطاتهم التكنولوجية كذوات منخرطة في المجال العام الموازي أو البديل، وهو ما من شأنه أن يؤثر على الهوية الافتراضية للفرد النشط إلكترونيا، إذ يُوفِّر الإنترنت والشبكات الاجتماعية كمَّا هائلًا من البيانات والمعلومات التي يشاركها المستخدمون بشكل اعتيادي، من خلال نشاطهم اليومي. وترتبط هذه النشاطات بكل المجالات الحياتية ولا تنحصر في محور واحد. ولكن التفاعل الافتراضي حول مختلف القضايا والموضوعات يمكن أن يسبب حرجا أو خوفا أو ترددا عند الذات المبحرة في مقابل المجتمع الافتراضي المنخرطة فيه والناشطة تحت لوائه. وبالتالي فإن جملة من القيود المختلفة التي ترتسم في مخيلة الذات النشطة على السوشل ميديا تحول دون عفوية التواصل وحرية التعليقات بين الأصدقاء الافتراضيين. وهو ما يجرنا إلى القول بأن المجتمع الافتراضي الذي يعده عدد كبير من الباحثين فضاء بديلا ومتنفسا يلجأ إليه الفرد هروبا من قيود الفضاء العام الواقعي، قد تحول إلى مجتمع بانوبتيكي بامتياز، حيث يتردد الفرد النشط ضمنه في الإفصاح عن هويته الشخصية وعن ذاته كما يبطنها ويضطر لاستعارة هوية أو هويات متعددة قد تشبهه ولكنها لا تفصح عن حقيقة سماته الأصلية كلها.

فالفضاء الافتراضي بما أنه مجال واسع يتيح مساحات لامحدودة من التواصل وقائمة لا متناهية من الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء والمتابعين، وشبكة من المعارف والآراء، أصبح شيئا فشيئا فضاء مقيدا بإملاءات لا تختلف كثيرا عن إملاءات المجال العام الواقعي وقواعده ولوائحه السياسية والدينية والأخلاقية والمعيارية والإنسانية على اختلافها وتنوعها. وبالتالي فإن الذات

الإنسانية قد هربت من إملاءات الواقع الحقيقي إلى إملاءات الواقع الافتراضي الذي دخل في منظومة البانوبتكون. وهو ما خلق مزيجا من الهويات ومن الذوات، تلبي كل ذات حاجات بعينها يفترضها المجال الواسع الذي تتنزل ضمنه وتنشط في إطاره. وبالنسبة لميشال فوكو، فإن جهاز البانوبتيكون الذي يمكن صاحبه - دون أن يرصد - من مراقبة غيره هو جهاز مثالي خلق مزيجا من الهويات ومن الذوات، تلبي كل ذات حاجات بعينها يفترضها المجال الواسع الذي تتنزل ضمنه وتنشط في إطاره. وبالنسبة لميشال فوكو، فإن جهاز البانوبتيكون الذي يمكن صاحبه - دون أن يرصد - من مراقبة غيره هو جهاز مثالي

لقيام السلطة التأديبية. ولعلنا في هذا المستوى، لن نركز على السلطة السياسية وما تفرزه من إملاءات هي خارجية تقبلها الذات طوعا أو ترضخ لها قسرا، بقدر ما سنركز على البعد الاجتماعي / الأخلاقي عند تقييم الذات لذاتها من منظور ال"هوّ " المراقب. سنسلط الضوء إذن على سلطة الذات على ذاتها التي ترغمها على الانصياع واتباع ما يسميه تايلور باستراتيجية الاندماج والانصهار لتحقيق الهوية الاجتماعية من خلال تصنيف الذات.

د. البانوبتكون التبادلي:

لابد من الملاحظة بأن المجتمع الافتراضي يلوح وكأنه بانوبتيكون يسير وفق نظام تبادلي، إذ لم يعد الحديث عن مراقبة محددة المصدر وأحادية الجانب (برج الحارس المراقب نحو آلاف المساجين)، وإنما أصبحت المراقبة متعددة ولامتناهية ولا محدودة، يشعر بها الفرد النشط إلكترونيا، وأصبحت المجموعات الافتراضية هي منبع الرقابة إراديا أو لاإراديا، حيث تسلط الضوء على ما يفعله الفرد. كما يصبح الفرد نفسه حارسا وسجينا في الآن ذاته، بما أنه يقوم بمتابعة الحشد الافتراضي وإصدار أحكام مضمرة عليه من خلال ما ينتجه من تعليقات. وهذه الرقابة متعددة المصادر أجبرت الذات على ما يسميه فوكو بالانضباط الاجتماعي، وما ينجم عنه من طمس لبعض ملامح الهوية الذاتية أو الشخصية الحقيقية تارة وإلى استنساخ هويات افتراضية متعددة تارة أخرى.

II. مواقع التواصل الاجتماعي وواقع البناء الذاتي للهوية:

1. السوشل ميديا أو "البانوبتيكون الافتراضي"

انطلقت الباحثة في هذا المستوى من مجموعة من الأفكار التي صاغها ميشال فوكو، والتي يمكن أن تساعد في توضيح كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي فينا على المستوى النفسي. فرغم أن الفيلسوف فوكو قد توفي قبل انتشار الإنترنت، إلا أن دراساته عن التهيئة الاجتماعية وتشكيل الهوية فيما يتعلق بالسلطة تنطبق على الحياة ضمن المجال الافتراضي. وإذا استأنسنا بالمنظور الفوكوي، يمكن القول إن وسائل التواصل الاجتماعي تعد أكثر من مجرد أداة لتبادل المعلومات. فهي وسيلة لتشكيل الهوية، وتتضمن ميكانيزمات تساعد في بناء الذات أي ما يسميه فوكو ب"الذاتانية".

لقد بدأنا الجزء التطبيقي بطرح سؤالنا الأول: هل تعتبر أن السوشل ميديا هي سجن موسع ولماذا؟ وقد تم إرسال هذا السؤال ضمن أسئلة المقابلة عبر خدمة مسنجر في شكل رسالة خاصة إلى عينة قصدية من أصدقاء الباحثة على الفايسبوك.

وضمت العينة فئتي الباحثين في العلوم الإنسانية والإعلاميين الذين تمكنت الباحثة من التعرف عليهم على أرض الواقع. وقد تحصلت الباحثة على 18 إجابة تميز محتواها بالثراء، وبجودة الأفكار المطروحة. وقد خلصت الباحثة من خلال دراسة تحليلية للردود التي تحصلت عليها حول السؤال الأول الذي طرحته إلى أن عددا كبيرا من مستخدمي الفضاء الافتراضي هم على وعي تام بالتحديات التي يمكن مواجهتها كناشطين افتراضيين. أحد الردود يوضح:

"في فيسبوك نحن كلنا حارسين وسجناء لأننا نراقب بعضنا البعض ونتحاكم بشكل ضمني أو علني أثناء مشاركتنا للمحتوى. ففي المشاركة عبر الإنترنت، نتعرى أمام الناس طواعية. ونعترف بذلك. ويستهلك بقية المستخدمين المواد التي ننشرها ونشاركهم إياها. وإذا كنا مفضلين، فإنهم يغدقون علينا بالإعجابات والتعليقات الإيجابية، وبالتالي يقع تكريم الهوية التي نقوم بإنشائها لأنفسنا من خلال مشاركة هذا المحتوى".

إن المبدأ المهم الذي تقوم عليه وسائل التواصل الاجتماعي، حسب العينة هو المشاركة للمواد التي يريد المستخدم اطلاع الحشد عليها ابتداء من تفاصيل شخصيته، ومعطياته الشخصية كالعمر والوظيفة والصورة التي يضعها على البروفايل، وصولا إلى إعادة نشر لصور ونصوص عبر صفحته الخاصة. فالمشاركة أساسية في المجال الافتراضي، ومع ذلك، توضح العينة أن مشاركة المحتوى ليس مجرد تبادل محايد للمعلومات. ففي الغالب، عندما نشارك المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإننا نقوم بذلك مع الإدراك التام بوجود حشد افتراضي من الناس في حالة تأهب للحكم على ذواتنا من خلال ما نؤثث به صفحاتنا. فيصبح بذلك فعل المشاركة آداء أو تمثيلا إلى حد ما - وهو فعل تمييزي يفردنا عن بقية الذوات الافتراضية ويقربنا من بعضها في الآن ذاته. تقول إحدى الإجابات: "هناك بنية ذاتية انعكاسية لمشاركة المحتوى على فيسبوك أو تويتر. فكما يعلم الممثلون على خشبة المسرح أن الجمهور يراقبهم، ويصممون سلوكهم للعثور على أفضل الاستجابات، فإن الاستخدام الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي يعني اختيار المحتوى وتأطيره بهدف إرضاء / أو جني الإعجاب من قبل حشد افتراضي معين". وهذه الحاجات المتعلقة برضا الآخر الافتراضي الذي يراقبنا ونراقبه تحتم على المستخدم، حسب ما ورد في ردود المستجوبين، صناعة ذات منصاعة لاتجاهات الحشد الافتراضي وميول المجتمع الافتراضي المنخرط فيه والناشط تحت لوائه.

رد باحث مشارك آخر يقول: "رؤية واعية ودائمة للكل على الكل، هذا هو ما قصده مارك زوكربيرج عندما رسم ملامح الفايسبوك. فقد أصبحت كل أعمالنا ومشاركاتنا مرئية للجمهور. لذلك فأنا أشاطركم الرأي في أن السوشل ميديا أصبحت نوعًا من السجن الافتراضي، فحتى زوكربيرج نفسه لم يفلت من رقابة الحشد بل وأعلن أنه لم يعد قادرا على الحفاظ على خصوصيته كمستخدم".

من جهة أخرى، لاحظ بعض المشاركين أن الميزات التي يتصف بها الفضاء الافتراضي والتي تقربه من بانوبتيكون "بنثام" ليست بسيئة، ولا يجب إدانتها. يقول أحد الأساتذة وهو باحث مختص في علم الاجتماع: "من المؤكد أنه لا يوجد شكل مركزي للسلطة في الفضاء الافتراضي، بخلاف الأشياء الواضحة مثل الصور غير اللائقة أو إساءة استخدام المستخدمين الآخرين لما يتم نشره وهي ممارسات ممنوعة. ويعمل الناس على تطوير هذه الأفكار وتطويعها وتحديثها بأنفسهم باستمرار، اعتمادًا على علاقاتهم الشخصية -أي قائمة الأصدقاء - والتفاعلات مع الآخرين عبر الإنترنت. هنا يصبح تنظيم الذات أكثر تشددًا من استعارة السجن، إذ يهدف مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي إلى عرض هويته الذاتية استنادًا إلى فهم ما هو مناسب أو "رائع" أو مثير للإعجاب. وهذا لا يعني أن هذا "غير أصيل" أو أنه يجب أن يتم انتقاده تلقائيًا؛ أكثر من ذلكـ، إن هذه الديناميكية تشكل عنصرا رئيسيا في السلوك عبر الإنترنت". وحسب هذا الرأي يصبح واقع البانوبتكون الافتراضي يؤصل لميكانيزمات مخصوصة وليست بالضرورة سلبية، تحكم السلوك الإنساني داخل الشبكة العنكبوتية، وتساهم في حياكة الذات المستخدمة. ويضيف رأي آخر في السياق ذاته: "أعتقد أن النقطة الرئيسية في العديد من النواحي قد تكون أن "الحكم" داخل المجال الافتراضي هو في معظمه كامن أو غير محقق. ما يحدث في المقام الأول هو أن الناس يحكمون على أنفسهم ويعدلون سلوكهم

وفقا لفهمهم لما هو مطلوب، دون أن يدفع أي شخص آخر هذا القدر من الاهتمام بالضرورة". وينسجم الرأي الأخير مع الفكرة التي كان يطرحها ميشال فوكو حول ما أسماه بالتطبيع، فالشعور بالتعري أمام الآخر، ثم مراقبته لنا لا يكون بالضرورة بنفس الحدة التي يروننا بها، وبنفس المنطق الذي يحكمون به علينا في الواقع. إنها العلاقة بين ما يُفترض حدوثه (الملاحظة والمراقبة والتحكم) وما يحدث حقاً (ردود فعلهم).

إذن، يقر أفراد العينة بأن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق سجنا افتراضيا تبادليا يؤثر على نفسية المستخدمين. وأن وعي المستخدم بأنه مراقب ومعروض للحكم عليه من خلال المواد التي ينشرها بما في ذلك التصريحات والتعليقات ونقرات "الإعجاب"، يقوده إلى محاولة إرضاء الحشد الافتراضي وكسب إعجابه من خلال اختيار مدروس لما يعرضه من منشورات وفقا لمقتضيات المجتمع الافتراضي الذي ينتمي إليه. من هذا المنطلق، وعن طريق المشاركة بالمواد المنشورة، يصبح الفرد مجبرا على الكشف عن جوانب من حياته لجمهور مجهول، يحكم عليه على أساس ما ينشره. وهذا ما يعد حسب بعض الإجابات مصدرا للقلق من البانوبتيكون الافتراضي الذي أنشأته مواقع التواصل الاجتماعي. وأمام هذا القلق فإن وعي الذات بالحشد الافتراضي يفترض أن يدفعها إلى العمل بجهد أكبر لصنع هوية إيجابية، وتشكيل هويتها بطريقة إبداعية.

2. أنا فيسبوك إذن أنا (موجود): I AM FACEBOOK THEREFORE I AM

تم في هذا المستوى نشر اللافتة أدناه مع دعوة للتفاعل من خلال سؤال قصير (ما رأيكم؟) وذلك عبر أربعة من الصفحات الخاصة بالباحثة على مواقع التواصل الاجتماعي، لمدة سبعة أيام ابتداء من 11/12/2018 إلى 18/12/2018. وهذه المواقع هي: فيسبوك - تويتر-انستغرام - لينكد إن. وبالإضافة إلى ذلك تم إرسال اللافتة عبر المسنجر في شكل رسائل خاصة إلى قائمة الأصدقاء. قامت الباحثة في هذا المستوى إضافة إلى اعتماد الإجابات الخاصة بالباحثين في العلوم الإنسانية والأساتذة الجامعيين والتي تم إرسالها على البريد الخاص بخدمة مسنجر، بتجميع الأجوبة العلنية الرصينة والجيدة الواردة تحت اللافتة المنشورة وحذف الأجوبة والتعاليق القصيرة الجوفاء أو السطحية. (مثال: "الفايسبوك مكنني من التواصل بزملاء الدراسة في السابق"، "أو يعجبني الكلام المكتوب لأنني أدمنت الفايسبوك". أو " أنا لا أحب كثيرا الفايسبوك" أو "جميلة اللافتة لكنها سوداء الخلفية وأنا لا أحب اللون الأسود"...إلخ).

فكان العدد النهائي للإجابات المعتمدة سواء من خلال التعليقات الواردة تحت اللافتة المنشورة على صفحات الباحثة أو التي تلقتها كرسائل خاصة عن طريق مسنجر 24 إجابة.

لقد انطلقت الباحثة في هذا المستوى من فكرة أن شبكات التواصل الاجتماعي تشكّل ذواتنا إلى حد ما. وقد خاض بعض علماء النفس في إمكانية استخدام هذه الوسائل بطريقة ابتكارية، أي كوسيلة للتنمية الذاتية الإبداعية. وقد اعتمد بعض الباحثين قول أفلاطون في "الجمهورية": "لا تتوقف أبدا عن نحت تمثال خاص بك “لاستعادة هذا المبدأ عند الحديث عن المجال الافتراضي، وطرح السؤال: لماذا لا نقوم بصياغة أنفسنا ومراجعة ذواتنا عبر الإنترنت ونحن نتعامل مع الحشد الافتراضي؟

توضّح فكرة البانوبتيكون الافتراضي سبب ميل الأشخاص إلى أن يكونوا أكبر شأنا على الشبكات الاجتماعية مقارنة بالحياة الحقيقية. فهم قادرون على استثمار القلق الذي ينتجه هذا الفضاء ويستغلونه لإبراز الجوانب الإيجابية لهويتهم. وهو ما يطلق عليه "التأكيد الذاتي الإبداعي"، إذ يصبح الناشط الإلكتروني مثلا ثوريًا اجتماعيًا، ويصبح المدير الأوسط خبيرًا في مجال الأعمال...إلخ. وقد أكد أفراد العينة المستجوبة أن هذه الأنماط من التجارب التي ترتقي بالنفس من خلال بناء الذات وإعادة

تشكيلها وتطويعها تجد مجالا خصبا لها في البانوبتيكون الافتراضي. وبلغة العلاقات العامة، فإن الذات تتخذ من المجال الافتراضي مساحة لخوض حملة إعلانية ترويجية لذاتها. أحد الردود التي وردت عبر المسنجر من أحد الأساتذة الجامعيين يقول:

"يبدو أنّ كل رسالة على فيسبوك تحتوي على استفتاء ضمني حول من أكون. وكأن الأمر كما لو أني أضطر إلى تبرير أو إثبات نفسي من خلال ما أنشره وما أصرح به من تعليقات. لذلك نفعل كل ما في وسعنا لتضخيم فضائلنا وتقديم أنفسنا "فقط" لجعل حياتنا تبدو أكثر جدارة بالاهتمام والتميز. نحن نحاول عن طريق المجال الافتراضي التعبير عن شيء حقيقي حول هويتنا. ولكن لابد أن نعترف أيضا بأننا نخلق أيضًا شيئًا لاستهلاك الآخرين".

يشير هذا التعليق إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن الذات الإنسانية تحاول أولا الترويج لهويتها الحقيقية وبالتالي إلى تأكيد ذاتها. وفي حالة الإخفاق تصبح مجبرة على إعادة رسم ملامح ذاتها وتطويعها لكي تكون جديرة بالاهتمام افتراضيا. ولعل عملية التطويع التي تحدث عنها الدكتور صاحب التعليق في الأعلى تدفع الذات إلى إعادة بناء تفاصيلها. وهو ما يخول بدوره إمكانية الكشف عن بعض المؤهلات الذاتية المغمورة وتطوير أخرى.

في المقابل، ينكر بعض الباحثين اختزال الهوية الذاتية في الانتماء إلى حشد الفايسبوك. مثلما أشار هذا الرّد:"مثلما أختزل الكوجيتو الديكارتي في مقولة " أنا أفكر إذن أنا موجود"، فأصبح التفكير هو علة وجود الإنسان، فإن هذه اللافتة تختصر علة وجودنا في الانتماء إلى المجال الافتراضي، من خلال ممارسة النشاط الفيسبوكي. وهذا أمر فيه غلو على الذات الإنسانية." وحسب هذا الرأي فإن الفايسبوك، من حيث هو باحة لممارسة نشاطات ذات طابع تواصلي، لا يرتقي لأن يكون فضاء لتشكيل الهوية الذاتية للأفراد. وهذا ردّ فعل أحد الأساتذة المشاركين في النقاش، إذ لا يبتعد في رأيه كثيرا عن الرأي السابق حيث يؤكد:

"أجد النص الوارد في الصورة نصا لا يخلو من صلف وادعاء وخطورة. وهو بهذا الاعتبار نص يسلب ذاتية الإنسان. خمس كلمات تختزل وجود الإنسان: الفايسبوك هو الأنا، هو الهوية وأنا هو الفايسبوك. وفي الكلمتين الأوليين هنالك تماهي بين الأنا والفاسبوك. هذا الجمع الافتراضي الممتد الأرجاء يلتقي مع هذا المفرد الذي هو أنا، فكم أنا عظيم!!! وهل ثمة أقوى من هذا الاندماج اندماج الأنا في الفايسبوك واندماج الفايسبوك في الذات البشرية في المفرد ثم انظري إلى أداة الاستنتاج (إذن)Therefore بما يضفي على الخطاب عقلانية. والاستنتاج هو لغة المنطق، فالخطاب ليس إذن خطابا عاطفيا ولا وعظيا ولا دعائيا، إنما هو عقلاني منطقي... والأسلوب تقريري. هو شعار عجيب!!!"

ويتطرق هذا التعليق إلى دور الفايسبوك في الاندماج داخل المنظومة الافتراضية مع الحشد. وهو أمر أشرنا إليه منذ البداية عند الحديث عن الهوية الاجتماعية حيث تسعى النفس إلى تحقيق ذاتها من خلال تفاعلها مع الذوات المحيطة، وإلى الانضباط كما يقول فوكو بغية الانصهار داخل المجتمع الافتراضي الذي تنتمي إليه بعد أن تتم عملية الانتقاء.

ويذهب باحث أخر إلى ذات القول:

” عندما أتحدث عن "الحشد"، أفكر في المقام الأول في المجتمعات الافتراضية التي أساهم في بنائها. وهذه هي الفكرة وراء فكرة "دعوة الحشد": ما يجبرنا على مشاركة المحتوى ليس فقط رغبتنا في التعبير عن قيمنا وخلق أنفسنا عبر الإنترنت؛ إنها أيضا، الرغبة في الانتماء إلى مجتمع مرتبط بقيم مشتركة. إحساسي هو أنه عندما نضع الأشياء على الإنترنت، فإننا نضعها أولاً وقبل كل شيء من أجل مجتمعنا. ليس لدينا فكرة واضحة عن هوية هؤلاء الأشخاص بالضبط في هذه المجتمعات، لكن في النهاية هذا ليس مهمًا. المهم هو أن شبكة القيمة موجودة، ونشعر أننا نساعد في إنشائها والحفاظ عليها من خلال المساهمة في المحتوى". من خلال هذا الرأي، تتراءى لنا الذات جزءا من الآخر، إذ لا يمكنها تحقيق

ذاتيتها منفصلة. وهو رأي تردد بقدر كبير حسب ما اجتمع لدى الباحثة من ردود تدور في نفس الرحى: "عندما نشارك ما نحب ونبحث عنه على شبكاتنا الاجتماعية للحصول على محتوى قيّم لمشاركته، نأتي عبر أشخاص يحبون أيضًا الأشياء التي نحبها. فنحن نحبهم، وأصدقاء لهم، ومتابعين جيدين لهم. وهو شرط أساسي حسب رأيي حتى نتمكن من الاستمرار في مشاركتهم وتلقي ما ينشرونه. في هذه العملية، نبني شبكات اجتماعية قائمة على قيم واهتمامات مشتركة وانطلاقا من هذه الشبكات تتحقق ذواتنا".

الهوية الذاتية في المجال الافتراضي بدت حسب العينة، وكأنها منصهرة في هوية أوسع، وهي الهوية الاجتماعية، وذابت الذات نهائيا داخل منظومة المجموعة من خلال هذا الرأي: "ما هو اجتماعي حول الوسائط الاجتماعية ليس التبادل العابر بين الأفراد، بل هو الطريقة التي تمكننا من تشكيل التجمعات بناءً على الأشياء التي نحبها. وهو يتوقف على الطريقة التي نحقق بها مكانة، ضمن مجتمعنا الافتراضي، بفضل المواد التي نتقاسمها معهم. ويبرز الأمر عندما نرى أنه من خلال المشاركة، فإننا نساهم في مشروع مشترك - وهو بناء مجموعة مشتركة قيّمة للجميع للاستمتاع بها".

من جهة أخرى، أثارت بعض التعليقات مسألة صناعة الذات ونحت هوية أو هويات مزيفة من خلال استغلال المجال الافتراضي وما يوفره من انفتاح منقطع النظير في تطوير الهوية المروج لها. تقول إعلامية مشاركة في النقاش: "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فعلا وسيلة من وسائل تحقيق الذات من جهة والزيف المقدم عن الذات من جهة ثانية. تحقيق الذات من خلال إبراز النجاحات وكل شيء من شأنه أن يبهر الآخر وخير مثال هو بروز طفرة من المشاهير لا لشي سوى نشر صور عن حياتهم الخاصة وما أصبح يعرف بالفاشينيستا في السوشل ميديا. هناك أشخاص يستمدون وجودهم في العالم الواقعي قبل العالم الافتراضي بعدد المتابعين. والأدهى من ذلك، أصبح بعض أصحاب وسائل الإعلام التقليدية يلهثون وراء الأشخاص الأكثر متابعة على وسائل التواصل الاجتماعي بغية استقطاب متابعيهم. هذا نوع من تحقيق الذات. أما الزيف فهو مرتبط بوهم المثالية التي يريد الجميع إبراز أنفسهم كمتحلين بها، وأحيانا ذات هؤلاء أصلا مزيفة وبالتالي كل هذا الوجود الافتراضي مزيف على أرض الواقع. هناك أصلا من استغله جيدا من مشاهير الفضاء الافتراضي لاقتلاع مناصب وشهرة في الفضاء الحقيقي".

وللإشارة فإن مسألة ارتباط السوشل ميديا ببناء الهوية الذاتية قد تمت إثارتها من طرف الكاتبة "بيقي أورنشتاين" منذ سنوات في مقال تحدثت فيه عن خبرتها، والمنشور في صحيفة نيويورك تايمز، حيث أكدت قيمة السوشل ميديا في بناء الذات ونحت هوية سليمة. واعترفت بشغفها باستخدام التويتر من أجل إثبات ذاتها، حيث مثل استخدام السوشل ميديا بالنسبة لها فرصة للتعبير عن نفسها وتطوير كيانها الداخلي، وكان التمرس على التغريد المثالي طريقتها لتقديم شكل للحياة. وجاء مقالها تحت عنوان "أنا في تويتر، إذن أنا موجودة". وصفت "أورنشتاين" في المقال المذكور كيف أن استخدام تويتر أعاد تعريف تجربتها في الحياة والنفس. مؤكدة أنه لم يكن هناك شيء خفي أو قمعي حول هذا التحول. كانت أورينشتاين مشاركًا راغبًا في نحت ذاتها من خلال تويتر(23).

يميل أغلبية المشاركين في هذا النقاش إلى تأييد فكرة قيمة تأكيد الذات الإبداعية عبر الإنترنت رغم أن بعض المستخدمين لا يحبون تسجيل هويتهم الحقيقية ويخيرون تزييفها. ويشعر آخرون بالصدمة عندما يدركون إلى أي مدى تم امتصاصهم في ثنايا الشبكة العنكبوتية وخيوطها، وهم محاصرون في لعبة متواصلة من التمثيل أمام الحشد الافتراضي. وحسب رأي أغلبية المشاركين بردود الأفعال، فإنه يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون وسيلة إيجابية لتأكيد الذات. ويمكننا فعلاً استخدامها كأداة في "فن الحياة" على حد تعبير فوكو، ويعني ممارسة بناء الذات. وذلك لأن وعي الفرد بالحشد يدفعه إلى العمل بجهد أكبر للظهور بهوية إيجابية.

3. الهوية الافتراضية: ما بين النحت الإبداعي للذات وتأكيدها:

تقول بعض الدراسات إن عملية صناعة ذات على الإنترنت لها مخاطرها. لكن التحدي الذي نواجهه في خلق ذواتنا في مجموعة متنوعة من المنتديات واستنساخ توائم لها، يمكن أن يساعدنا أيضًا في تحديد فضائلنا والتطلع إلى التميز الشخصي. وهو ما يدافع عنه فوكو حين يؤكد أن الأشخاص الذين يفترضون أن الذات معطاة ومثبتة يرتكبون خطأً ميتافيزيقيًا. "لا يتم إعطاء الذات بل يتم تصنيعها وإعادة تشكيلها بطرق متنوعة في سياقات متنوعة. وهي مصنوعة بطريقة مختلفة لكل جيل. فإذا كنا مهتمين بالحرية، سواء أكانت شخصية أم جماعية، كان لدينا أفضل دور نشط في خلق أنفسنا، لأن مؤسسات المجتمع ما بعد الحداثي تشكلنا ونحن نمر بها، وكلما سمحنا بتشكيل أنفسنا داخل هذه المؤسسات، نكون أقل قدرة على تعريف أنفسنا بطريقة إبداعية كبشر". (24)

انطلقنا في هذا الجزء من سؤال ثان مفتوح، أرسلناه إلى قائمة الأصدقاء، وهو: أيهما تحبذ: تأكيد مقومات الذات الحقيقية عبر السوشل ميديا أم نحت ذات افتراضية جديدة ولماذا؟ وكانت الإجابات ال 18 متوافقة ومتشابهة إلى حد كبير. فقد ركز عدد من الباحثين المشاركين على التمييز بين المصطلحين: تأكيد الذات من جهة وصناعتها من جهة أخرى مع التركيز على إمكانية التداخل بينهما. يقول أحد الباحثين: "من السهل تصنيع هوية عبر الإنترنت. نقوم بذلك عندما نقوم بإنشاء صور شخصية على Second Life أو شخصيات لاعب في World of Warcraft. فنحن نخلق شخصيات خيالية مستمدة من أحلامنا وتصوراتنا - شخصيات قد يكون لها علاقة ضئيلة أو معدومة مع أنفسنا الحقيقية. ولكن التأكيد الذاتي الإبداعي مختلف نوعا ما. فبدلاً من صنع هوية مستقلة، فإنه ينطوي على تأكيد الجوانب الإبداعية للفرد - تلك الجوانب التي تعتبر قيّمة، وفاضلة وجميلة - وطمس مواطن الضعف والتحرر من الجوانب السلبية". وفي السياق نفسه يؤكد مشارك أخر على ضرورة التمسك بالهوية الحقيقية ومحاولة جعلها تندمج مع الذات الافتراضية: "التأكيد الذاتي له علاقة بالحقيقة وبالخيال. حيث يبدأ مع إحساسك من أنت حقا. إذا لم تعكس مشاركاتك وتغريداتك وتعليقاتك ومشاركتك من أنت بالفعل (أو من تصدق نفسك، على الأقل) فأنت تلعب اللعبة بشكل غير صحيح. الهدف هو التأكيد على مقوماتك الذاتية بالواقع وجعلها تنعكس من خلال ممارساتك في الفضاء الافتراضي". إعلامية مشاركة في الإجابة تنضم إلى هذا الرأي أيضا بقولها: "يكفي بالفعل الاحتفاظ بشخصية عامة أمام آلاف القراء، وملايين المتابعين من خلال حكاياتي. ويجب أن يكون أي شيء مرهف. لا أشعر بأنني مجبرة على أن أكون أي شخص آخر غير أنا على فيس بوك! إن القضية التي أجدها مثيرة للاهتمام في مثل هذه العملية الأدائية هي مسألة الثقة".

وعلى النقيض من ذلك تؤكد إحدى المشاركات على الفرصة الثمينة التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الهروب من الهوية الذاتية الحقيقية: "توفر الحياة الواقعية مساحة صغيرة للتحرك بدون هوية، لكن السوشل ميديا تعتبر فضاء رحبا للتخفي. أود أن أرى أن معلوماتي الحقيقية ليست موجودة هناك، لم لا؟ من الممتع الخروج من نفسك. لا يمكنك فعل ذلك مع أصدقائك في الحياة الحقيقية ". وبالتالي، فإن المجال الافتراضي رغم كونه "بانوبتيكون" (سجن) موسع ومنفتح، إلا أنه يبقى فضاء مغريا للزيغ من الواقع، حيث يتيح ممارسات قد تفضي إلى الشيزوفرنية أي انفصامية الذات وتأرجحها ما بين واقعها الحقيقي والافتراضي.

دائما في السياق ذاته، تستكشف عالمة النفس شيري توركلي التهديدات والتحديات المتعلقة بإثبات الذات الخلاق في كتابها "معاً لوحدي" (25)، وهي تتحدث في كتابها عن "أودري" Audrey، وهي طالبة أمريكية تبلغ من العمر ستة عشر عامًا وتتمتع بشعبية كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. حيث تؤكد الباحثة أن أودري تعي أن ما تضعه على الإنترنت هو نوع من الأداء بمعنى التمثيل. وتصف هويتها على الفايسبوك بأنها "توأم صغير لها على الإنترنت"، وهي تتلاعب بها وتعيد تشكيلها

استجابةً للتعليقات. وتدافع توركلي على فكرتها التي تقر بفضل شبكة الإنترنت باستكشاف الذات لذاتها خاصة في مرحلة الشباب المبكر، حيث استطاعت أودري تأكيد وتطوير جوانب شخصيتها التي قد لا تشعر بالراحة في إطلاقها في بيئات حقيقية. (26)

وبعيدا عن الدعوة للتمثيل، يؤكد الرأي التالي أهمية التشبث بالهوية الذاتية على أرض الواقع دون تزييف أو تصنع. وهو رأي يثمن مبدأ تأكيد الذات وتماهيها ما بين الواقع الحي والافتراضي: "يكفي بالفعل الاحتفاظ بشخصية عامة أمام آلاف القراء، وملايين المتابعين من خلال حكاياتي. ويجب أن يكون أي شيء مرهف. لا أشعر بأنني مجبرة على أن أكون أي شخص آخر غير أنا على فيس بوك! إن القضية التي أجدها مثيرة للاهتمام مثل هذه العملية الأدائية هي مسألة الثقة". رأي أخير يلخص مفهوم الذات وكيفية تفاعلها داخل المنظومة الافتراضية بقوله: "هذا الإحساس بالحرية والهوية المتجددة بل والمتطورة التي تستقي ذاتها من جذورها، زاد من الثقة بالنفس والوعي بالذات، كونها جزءًا من المجتمع، وبالتالي أنا أعد نفسي مساهماً، خاليًا من المراقبة، ولكنني اختار اللعب وفقًا للقواعد. هذا يبدو لي أقرب لوسائل التواصل الاجتماعي التي أتقنها".

وفي الأخير، لابد من الإقرار بأن معظم الإجابات التي تحصلت عليها الباحثة تتناغم مع ما ورد سابقا حول مقولة أفلاطون "لا تتوقف أبدا عن نحت تمثال خاص بك". فعبر وسائل التواصل الاجتماعي، تقوم الذات باستمرار بنحت التمثال الخاص بها أمام حشد حي، وتغير أساليبها وتشكل ملامحها اعتمادًا على كيفية استجابة الحشد لما يسميه فوكو "العمل الجاري" بمعنى الذات التي هي بصدد النحت. وفي الحقيقة، بدت فكرة فوكو عن فن الحياة مفيدة في بناء الذات الافتراضية التي تستمد جذورها من الهوية الحقيقية للأفراد، والتي تبقى في حالة تغير وتحول دائمين من أجل تعديل مرتكزاتها وفقا لمتطلبات البانوبتيكا الافتراضي. فإذا كان الفرد يستخدم الوسائط الاجتماعية بطريقة إبداعية، يمكنه حينئذ استخدامها لاستكشاف جوانب مختلفة من شخصيته الحقيقية، ولتطوير هويته الذاتية داخل الفضاء البانوبتيكي الافتراضي وخارجه.

III. الخاتمة

حاولت الدراسة إثارة السؤال حول دور مواقع التواصل الاجتماعي في إعادة بناء هوية جديدة تنسجم ومقتضيات مراقبة موسعة ومجهولة المصدر داخل المجال الافتراضي، ومدى قدرتها على طمس الحدود بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي. وتوصلت الباحثة إلى جملة من النتائج لعل أهمها:

- إن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق نوعا ما سجنا افتراضيا تبادليا يؤثر على نفسية المستخدمين. وأن وعي المستخدم بكونه مراقبا وخاضعا لأحكام الغير من خلال المواد التي ينشرها يقوده إلى محاولة إرضاء الحشد الافتراضي وكسب إعجابه من خلال اختيار مدروس لما يعرضه من منشورات وفقا لمقتضيات المجتمع الافتراضي الذي ينتمي إليه.

- يصبح الفرد مجبرا على الكشف عن جوانب من حياته لجمهور مجهول، يحكم عليه على أساس ما ينشره. وهذا ما يعد حسب بعض الإجابات مصدرا للقلق من البانوبتيكون الافتراضي الذي أنشأته مواقع التواصل الاجتماعي. فالذات المستخدمة إذن تتصرف في الفضاء الافتراضي تماما كما هو الحال في الفضاء العام الحقيقي. وهي تصرفات تتخذ شكلاً حادًا على الإنترنت نظرًا لأن التفاصيل التي نتشاركها عبر السوشل ميديا تتعلق بأمور خاصة وبقيم وأحلام. وأمام هذا القلق فإن وعي الذات بالحشد الافتراضي يقتضي دفعها إلى العمل بجهد أكبر لصنع هوية إيجابية، وتشكيل هويتها بطريقة إبداعية.

- يميل أغلبية المشاركين في هذا النقاش إلى تأييد فكرة قيمة تأكيد الذات الإبداعية عبر الإنترنت رغم أن بعض المستخدمين لا يحبون تسجيل هويتهم الحقيقية ويميلون إلى تزييفها.

-الهوية الذاتية في المجال الافتراضي بدت حسب عدد من أفراد العينة وكأنها منصهرة في هوية أوسع وهي الهوية الاجتماعية حيث ذابت الذات نهائيا داخل منظومة المجتمعات الافتراضية.

-أثارت بعض الإجابات مسألة صناعة الذات ونحت هوية أو هويات مزيفة من خلال استغلال المجال الافتراضي وما يوفره من انفتاح منقطع النظير في تطوير الهوية المروج لها لكنها دعت إلى التشبث بالهوية الذاتية على أرض الواقع دون تزييف أو تصنع. وهو رأي يثمن مبدأ تأكيد الذات وتماهيها ما بين الواقع الحي والافتراضي.

- إن المجال الافتراضي رغم كونه بانوبتيكا موسعا ومنفتحا، إلا أنه يبقى حسب أفراد العينة، فضاء مغريا للزيغ من الواقع، حيث يتيح ممارسات قد تفضي إلى الشيزوفرنية أي انفصامية الذات وتأرجحها ما بين واقعها الحقيقي والافتراضي.

في الختام، لابد من التأكيد على أن الاستعمالات التكنولوجية، ذات الطبيعة المتغيرة والمنقولة والمتلونة بالمناخ السياسي والثقافي والاقتصادي الذي يعيش فيه المستعملون، أصبحت تعد أحد المعايير لتعريف الهوية الذاتية للأشخاص (27). وتميل الباحثة لاستكمال المقولة التي خرجت بها منذ سنة 2016 "قل لي كيف تستعمل، أقول لك من أنت"، بفكرة على غاية من الأهمية تتصل بطبيعة الهوية الافتراضية التي قد تختلف بل وتتناقض أحيانا وطوعا مع الهوية الذاتية الحقيقية انصياعا لأحكام الحشد الإلكتروني و"أعرافه". وهذا الانصياع قد يساهم حسب ما خرجت به الدراسة في تطوير الذات الحقيقية من خلال إعادة تشكيل أسسها وثوابتها وفقا للمجتمع الذي تريد الانصهار ضمنه.

الهوامش:

  1. Al3loum : http://al3loom.com/?p=1374

2- بلبليدية، فتحية نور الهدى (2018)، إشكالية الهوية الثقافية في ظل الإعلام الجديد، مجلة الدراسات الإعلامية، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، العدد الثالث، يونيو-حزيران. الرابط: https://democraticac.de/?p=54527

3--أحمدين، عبد الحكيم أحمين (2017)، الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية، دار الأمانـ الرباط، المغرب.

4- بيبيمون، كلثوم (2016)، السياقات الثقافية الموجهة للهوية الرقمية في ضوء تحديات المجتمع الشبكي: من التداول الافتراضي إلى الممارسة الواقعية، مجلة إضافات، العددين 33-34- شتاء – ربيع. موجودة على الرابط:

http://www.academia.edu/28395961/السياقات_الثقافية_الموجهة_للهوية_الرقمية_في_ضوء_تحديات_المجتمع_الشبكي_من_التداول_الافتراضي_الى_الممارسة_الواقعية

5- بايوسف، مسعودة (2011)، الهوية الافتراضيّة: اﻟﺧﺻﺎﺋص واﻷﺑﻌﺎد، دراﺳﺔ استكشافيّة ﻋﻠﻰ عيّنة ﻣن المشتركين ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻌﺎت الافتراضيّة، ﻣﺟﻠﺔ اﻟﻌﻠوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، ﻋدد ﺧﺎص اﻟﻣﻠﺗﻘﻰ اﻟدوﻟﻲ اﻷول ﺣـول الهوية واﻟﻣﺟﺎﻻت الاجتماعيّة ﻓﻲ ظل اﻟﺗﺣوﻻت السوسيوثقافيّة ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﺟزاﺋري، جامعة قاصدي مرباح، هرقله، الجزائر. موجود على الرابط:

https://manifest.univ-ouargla.dz/index.php/archives/archive/faculté-des-sciences-sociales-et-sciences-humaines/53-الملتقى-الدولي-الأول-حـول-الهوية-والمجالات-الإجتماعية/827-الهوية-الافتراضية-الخصائص-والأبعاد.html

6- Marijana M. and Cyril, Ss. (2014). Real self-concept VS digital identity on Facebook, Conference paper, Conference: Communication Electronique Cultures et Identitetes, At Universite du Havre, 2014,

Available at: https://www.researchgate.net/publication/322339348_REAL_SELF-CONCEPT_VERSUS_DIGITAL_IDENTITY_ON_FACEBOOK

7-Van Kokswijk. J. (2008). Granting Personality to a Virtual Identity, International Journal of Human and Social Sciences 2:4. Available at: https://ais.ku.edu.tr/course/16235/Granting%20Personality%20to%20a%20Virtual%20Identity.pdf

8- Sica, L. S. and Di Palma, T. and Sestito, L. A (2011). Virtual Identity: Risk or Resource? A Study about Effects of Using Social Network and Multi-User Virtual Environment (MUVE) on Processes of Identity Construction of Emerging Adults, In International Conference: The Future of Education, Available at:https://www.semanticscholar.org/paper/Virtual-Identity-%3A-Risk-or-Resource-A-Study-about-(-Sica-Palma/4d59805236e8babf1b6b42c3288950ce71d5519d

9- علي، نبيل (2011)، الخلوة المعلوماتية» مجلة الدوحة، السنة الرابعة، العدد الثالث والأربعين، مايو.

10- عبد الحكيم احمين، مصدر سابق، ص89.

11- عبد الحكيم احمين، مصدر سابق، ص92-94.

12- عبد الحكيم أحمين، مصدر سابق، ص141-143.

  1. Al3loum, Op.cit

14- لابين، مالاس، وجرين، بيرين (1979)، ترجمة فوزي بهلول (1981)، بحوث تربوية ونفسية: مفهوم الذات، أسسه النظرية والتطبيقية، مكتبة الأنجلو-المصرية، القاهرة، ص10-12.

15- عبد الرؤوف رمضان، رشيدة (2009)، بناء مقياس السلوك المخطط، مكتبة القرطاسية، القاهرة

16- ولد خليفة، محمد العربي (2003)، المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية: دراسة في مسار الأقطار وعلاقاها باللسان والهوية ومتطلبات الحداثة والخصوصية والعولمة والعالمية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص112.

17- Camilleri, Carmel (1990)، Identité et gestion de la disparité culturelle: Essai d’une typologie, In Stratégies identitaires, Paris, PUF, p. 51.

18- Webopedia: https://www.webopedia.com/

19- علاق، كريمة (2018)، الهوية البديلة (افاتار) في لعبة الحياة الثانية: دراسة اثنوجرافية نفسية افتراضية على مجموعة من الشخصيات الافتراضية، مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات التربوية والنفسية، مجلد8، عدد 24. موجودة على الرابط:

http://journals.qou.edu/index.php/nafsia/article/view/2112

20-الطاهر، محمد (2016)، من سجون «البانوبتيكون» إلى تقنيات المراقبة الجماعية، مجلة مدار الالكترونية، موجودة على الرابط:

https://madamasr.com/ar/2016/10/23/opinion/u/%D9%85%D9%86-%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%88%D8%A8%D8%AA%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%82%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1

21- الطاهر، محمد، مصدر سابق.

22- Foucault, M. (1977). Discipline and Punish. Ed. New York City, New York: Pantheon Books, p20.

23-PEGGY, O. (2010). I Tweet; Therefore I Am, THE New York Times, July 13. Avalable at:https://www.nytimes.com/2010/08/01/magazine/01wwln-lede-t.html

24- Turkle, S. (1997). Multiple subjectivity and virtual community at the end of the Freudian century. Sociological Inquiry, No 67, 72-84.

25- Turkle, S. (1994). Constructions and reconstructions of self in virtual reality: Playing in the MUDs. Mind, Culture, and Activity, No 1, 158-167. Turkle, S. (1995). Life on the screen: Identity in the age of the Internet (first Ed.). New York, NY: Simon & Schuster.

26- Turkle, S. (1997). Multiple subjectivity and virtual community at the end of the Freudian century. Op. Cit.

27- السنوسي، ثريا (2016)، تكنولوجيات الاتصال ومسألة الاستعمالات، دار الكتاب الجامعي، العين، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ص20.