صراع الأدوار التربوية بين الأسرة، المدرسة والتكنولوجيا الحديثة

صراع الأدوار التربوية بين الأسرة، المدرسة والتكنولوجيا الحديثة

(دراسة ميدانية على عينة من تلاميذ ثانويات الجزائر العاصمة)

د. إيكوفان شفيق

قسم الاعلام جامعة مولود معمري الجزائر

 

لذكر هذا البحث: إيكوفان شفيق (2019)، صراع الأدوار التربوية بين الأسرة، المدرسة والتكنولوجيا الحديثة، (دراسة ميدانية على عينة من تلاميذ ثانويات الجزائر العاصمة)، مجلّة علوم الإعلام والاتصال، عدد 3 السنة الثانية.

 

Abstract

The institutions of socialization represent an important source for the individual in acquiring the elements of social life. The family, being the first social cell, is responsible for building society and protecting its traditions and customs by exercising parental authority. It is parallel to the emotional role of children, and ensuring their healthy and balanced growth, morally and financially. The school is also the main space in which the child forms his knowledge system in addition to the moral system. However, these institutions are no longer the only ones in the educational influence on the child, after the recent technology invaded the life of societies, which posed the problem of a conflict between these parties. From this standpoint, we conducted a field study on a sample of students at the secondary level at the level of Algiers, to see the extent of the student's attachment to modern technology at the expense of the family and the school, and other points that we will include within this study.

Keywords

Role conflict– Socialization – Internet –– virtual Identity –– Education

ملخّص

تعتبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية مصدرا مهما، يكتسب منها الفرد عموما والطفل بالخصوص، مقومات الحياة المختلفة. ويمكن القول، إنّ ما حققته هذه المؤسسات، يتفاوت من حيث التشكيل والتأثير في صياغة شخصية النشء. فالأسرة بكونها الخلية الاجتماعية الأولى، تتولى بناء المجتمع، وتحصين تقاليده وأعرافه، عن طريق ممارستها للسلطة الأبوية كسلطة طبيعية وبديهية. فتكون موازية لدور الاحتضان العاطفي للأبناء، وضمان نموهم السليم والمتوازن معنويا وماديا. كما أن المدرسة هي الفضاء الأساسي الذي يكوّن فيه الطفل منظومته المعرفية إلى جانب المنظومة الأخلاقية. غير أن هاتين المؤسستين لم تعد الوحيدتين في استقطاب والتأثير التربوي على الطفل، بعد اجتياح التكنولوجيا الحديثة حياة المجتمعات، وهو ما طرح إشكالية وجود صراع بين هذه الأطراف. من هذا المنطلق نسعى إلى إجراء دراسة ميدانية على عينة من التلاميذ بالطور الثانوي على مستوى العاصمة، لمعرفة مدى تعلق التلميذ بالتكنولوجيا الحديثة على حساب الأسرة والمدرسة.

الكلمات المفاتيح: التلميذ – الأسرة – المدرسة – الانترنيت - صراع الأدوار التربوية – التنشئة الاجتماعيّة.

I. المدخل النظري للبحث

1. موضوع البحث ومشكليّته

تسعى كل من الأسرة والمدرسة إلى تحقيق مقاصد وقواسم مشتركة في أداء وظائفها التربويّة والتعليميّة، وفي طليعتها تحصين المكتسبات الاجتماعية المتراكمة، ضمانا لتناقل الموروث الثقافي للمجتمع بين مختلف الأجيال، عن طريق بناء فكر وثقافة تربوية تمتاز بالتراكمية والثبات، يتم ترجمتها في الواقع بأليات مختلفة قائمة على شبكة من الروابط والعلاقات والمبادرات ومستويات محدّدة من المواقف والقرارات والممارسات التي تعمل على تماسك حركة المجتمع. إنّها أدوار محوريّة في بناء المجتمع وتقدّمه، وتشكّل مجتمعة المرآة العاكسة لمنظومة الأخلاق والقيم الشائعة في المجتمع والدالة على مؤشرات تماسكه وصلابته ومناعته وتوازنه. ويمكن اعتبار الفضاء المدرسي والأسري النواة الاجتماعية الأولى للتنشئة والبناء. وتعتبر كل مدرسة وأسرة بيئة تربوية خاصة ومتفردة في خصائصها وارتباطها مع الشروط المادية والثقافية ومع إرثها الاجتماعي المحلي. ولا شكّ أنّ مؤسّسة الأسرة والمدرسة يعملان في حدود بيئة مزدحمة من حيث وجود مصادر متنوعة للتنشئة بما يجعل أساليب التربية والتكوين والتعليم رغم اختلافها وتضاربها في العديد من الحالات، متعايشة مع بعضها البعض، ومتصارعة في الآن ذاته قصد استقطاب الناشئة واكتساح حياتها اليوميّة.

وقد شاع بشكل كبير في السنوات الأخيرة مصطلح صراع الأدوار التربوية. والحقيقة أن صراع الأدوار التربوية، مرتبط بالصراع الاجتماعي ككلّ الذي ورد في أدبيات علم الاجتماع القديم والحديث. ويرجع الاهتمام بحقيقة الصراع الاجتماعي إلى علماء الاجتماع في القرن التاسع عشر، مثل " هوبز " " Hobbs " الذي تصور أن المجتمع البشري هو في حالة صراع وحرب مستمرة. والسّؤال الذي نطرحه انطلاقا من مبدإ الصراع القائم في المجتمعات بشكل عامّ يتمثّل في مكانة الأسرة كمؤسسة تنشئة اجتماعيّة ومعرفية ودورها في التربية والتكوين في سياق اتسم بتدفّق هائل لأساليب جديدة في التنشئة الرّقميّة تدور فصولها على شبكة الإنترنت.

2. فرضيات الدراسة

ننطلق في دراستنا من الفرضيات الآتية للكشف عن حقيقة صراع الأدوار بين الأسرة والمدرسة من ناحية والأنظمة الرّقمية الجارية بكثافة على شبكة الإنترنت من ناحية ثانية. الفرضيّة الأولى تتمثل في وجود عجز على مستوى الأسرة والمدرسة في احتواء التلميذ وإشباع حاجاته المعرفية والثقافية والتربويّة. الفرضيّة الثانية تتمثّل في "قدرة" التكنولوجيا الحديثة على استقطاب التلميذ معرفيا وثقافيا على حساب الأسرة والمدرسة. الفرضيّة الثالثة، تتلخّص في ميل التلميذ إلى المضامين التكنولوجية بشكل أكبر مما تقدمه الأسرة والمدرسة. أمّا الفرضيّة الرّابعة فتقوم على كون شبكة الانترنيت تمثّل محورا فاصلا بين مرحلتين تربويتين: مرحلة استحواذ مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية على تربية الطفل، ومرحلة استحواذ التكنولوجيا على هذه العملية. وسنعمل من هذا المنطلق على إجراء دراسة ميدانية على عينة من التلاميذ بالطور الثانوي على مستوى العاصمة الجزائر، لمعرفة مدى تعلق التلميذ بالتكنولوجيا الحديثة على حساب الأسرة والمدرسة، وأثار ذلك عليه.

3. عيّنة الدراسة

شملت دراستنا في إطارها المكاني 15 ثانوية على مستوى الجزائر العاصمة، موزعة على سبعة بلديات وقد اخترنا هذه الثانويات بشكل عشوائي، لاعتبارات موضوعيّة تتمثل في كون العاصمة أقرب جغرافيا للباحث ويتيسّر له بذلك القيام بالأعمال الميدانيّة على أحسن وجه، ثمّ إنّ العاصمة تعدّ مزيجا سكانيا متنوعا من مختلف ولايات الوطني بما يجعل العيّنة ممثلة بشكل أفضل لمجتمع البحث. أما الإطار الزماني فقد امتدّت الدراسة الميدانية من 25 أفريل إلى 20 ماي 2017.

حدّدنا في دراستنا هذه عينة من التلاميذ في الطور الثانوي ممثلين في 200 وحدة، موزعين على 15 ثانوية، من خلال توزيع استمارة استبيان شملت عدة أسئلة في المضمون. كما اعتمدنا على بعض الأساتذة والأولياء في تدعيم البيانات من خلال إجراء مقابلات مباشرة، مثّلت أداة ثانية إلى جانب الاستبيان. وقد اخترنا العينة العشوائية البسيطة لأنها في تقديرنا تمثّل أكبر قدر من المفردات الموزعة في مجتمع البحث، ولكون المدارس الجزائرية متقاربة في مستوى التكوين بسبب قلّة المدارس الخاصة التي قد تتميز عن المدارس الحكومية، لهذا اعتبرنا تقارب المستوى التعليمي للتلاميذ والأساتذة المبحوثين دافعا لاختيار العيّنة العشوائية البسيطة التي يتيح الفرصة لجميع أفراد العينة في البروز أثناء الدراسة. كما جاءت عينة الأطفال مقترنة بالأساتذة الذين يدرسونهم، وأوليائهم حتى تكون الإجابات ذات علاقة ارتباطية بالسياق العام للمبحوث.

II. شبكة الانترنيت كوسط للتربية

تعتبر التربية نشاطا أو عملية اجتماعية هادفة، تستمد مادتها من المجتمع الذي يمارسها بشكل جماعي على أفرادها. والتأثير والتأثّر الذي تحدثه عمليّة التربية، لا يمكن أن يحصل إلا من خلال المؤسسات الاجتماعية المتنوعة التي تتولى مهمة تنظيم علاقة الإنسان بغيره، وتعمل على تحقيق انسجامه المطلوب مع ما يحيط به من كائناتٍ ومكونات. وتُعد هذه المؤسسات التربوية بمثابة الأوساط أو التنظيمات التي تسعى المجتمعات لإيجادها تبعاً لظروف المكان والزمان، حتى تنقل من خلالها ثقافاتها وقيمها، وتُحقق أهدافها وغاياتها التربوية. ويجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنّ المؤسسات التربوية لا تكون على نمط واحد، أو كيفية واحدة طول حياة الإنسان. إنها متعددة الأشكال، مختلفة الأنماط، وتختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان، وظروف مجتمعه، ونوعية النشاط التربوي، الذي تتم ممارسته فيها، إضافة إلى توجه القائم بالعملية التربوية. ومن أهم هذه المؤسسات التربوية اليوم، وسائل الإعلام والاتصال بمختلف أنواعها وأشكالها، التي انتشرت بشكل واضح في المجتمع، حاجزة لنفسها دورا تربويا. وقد أنتجت وسائل الإعلام والاتصال تقنيات رقمية عالية، زادت من تأثيرها على الأفراد، وفي مقدّمتها شبكة الانترنيت.

ولم يكن أحد من العلماء أو المختصين في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، يدرك حجم التغيير الذي ستتركه الانترنيت في بداية ظهورها، وفي المراحل الأولى من تطورها التقني، بعدما ساد الاعتقاد أنّ ما خلّفه التلفزيون والراديو على الجمهور وعلى باقي مجالات الحياة، لا تضاهيه أية وسيلة أخرى، بسبب درجة التأثير الذي كانت تمارسها هذه الوسائل، وطبيعة التلقي التي كان يبديها الجمهور.

غير أنّ هذا الاعتقاد سرعان ما بدأ يتبدّد مع كل خطوة جديدة تخطوها شبكة الانترنيت، في طورها التقني والفني على حدّ سواء، إلى أن أصبح الراديو والتلفزيون يوصفان من وسائل الإعلام والاتصال الكلاسيكية أو التقليدية، التي تتطور بفعل القيمة المضافة من طرف شبكة الانترنيت. إضافة إلى اكتسابها لشريحة واسعة من الجمهور، جمهور يتسم بخصائص مغايرة لخصائص جمهور الراديو والتلفزيون، من ناحية التعاطي مع الرسائل الإعلامية، وكذا نوعية التأثير الذي تتركه هذه المضامين. هذا ما جعل شبكة الانترنيت، وسيلة اتصالية فريدة في تعاطيها مع الجمهور، الذي اكتسى هو الأخر خصائص فريدة. 1

فظهور الانترنيت، وبداية انتعاشها أواخر الخمسينات من القرن الماضي على يد وكالة " آربا " التي أنشأتها كتابة الدولة الأمريكية، لتدعيم البحث العلمي لأغراض عسكرية، قبل أن تنتشر في الجامعات ومراكز البحث نهاية الستينات من القرن الماضي. واكتساب الوكالة لأول شبكة سميت "أربانات" والتي وضعت بجامعة كاليفورنيا، وكانت مجهزة بأربعة أدمغة، تضاعفت بحوالي 40 موقعا سنة 1972. لتعوض "الأربانات" في منتصف التسعينات، بمجموعة من الشبكات الكبرى المترابطة 2. وقد عرفت تطورات متلاحقة بصورة يصعب معها أحيانا متابعتها ما جعل مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan سنة 1962 يصور العالم كقرية صغيرة، رغم أنه كان يعني حينها وسائل الإعلام التقليدية. وبظهور الانترنيت، أصبحت نظرة "ماكلوهان" رؤية حقيقية أكثر منها مجازا 3، فلا يكاد يوجد مجال واحد في منأى عن إفرازات التكنولوجيات الجديدة، التي طغت على جميع مجالات الحياة.

وقد أضحى استخدام الأنترنت معيارا لتطور الدول، وقوتها المعلوماتية الموازية للقوى الاقتصادية والعسكرية، ما زاد من تسارع الدول لامتلاك التكنولوجيا. فالتجارة العالمية بدأت تدريجيّا في التخلّي عن أسواقها التقليدية، واقترنت بالشبكة، قبل أن تقتفي أثارهما باقي مجالات الحياة على غرار المراسلات الفردية. وتعد هذه الوسائل على اختلاف أنواعها، من أهم وأبرز الوسائط التربوية في عصرنا الحاضر، وأكثرها تأثيـرا على تربية وثقافة ووعي الإنسان، خاصة الطفل، حيث تُقدم برامج مختلفة وثقافات متنوعة من خلال أدوات ومنصّات إلكترونيّة مختلفة باتت تخاطب جميع الفئات في العالم، ومختلف الأعمار إلى حدّ ظلت فيه جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأفراد، الذين لا يستطيعون الاستغناء عنها. وتتميّز وسائل اليوم، الإعلاميّة والاتصاليّة، بقدرتها الفائقة على جذب اهتمام الناس، من مختلف الأعمار والثقافات واستقطابهم. كما تتميّز بتأثيرها القوي على الرأي العام في مختلف الظروف، ويصل تأثيرها إلى قطاعات عريضة من فئات المجتمع، ما يعطيها قيمة مضافة في المجال التربوي. وانطلاقا من هذا الاعتبار، أضحت شبكة الانترنيت مؤسسة تربوية، تنافس المؤسسات الأخرى في أدوارها التعليمية والترفيهية بالخصوص. وشبكة الإنترنت تمثّل وسطا ثقافيّا يتطوّر تقنيّا باطّراد، حاملا معه مؤثرات تربوية جديدة على الطفل، لا تقوى الأسرة ولا حتى مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى منافستها فيه. فدخول شبكة الانترنيت في المجال التربوي، وسيطرتها على اهتمام الطفل، نجم عنه تأثير بالغ نلخصه في الآتي:

أ. إتاحة الوصول السريع لكل ما هو معروض ومتاح، بسبب السرعة والانفتاح، إلا أن ذلك لا يراع من الجانب التربوي، المرحلة العمرية للطفل. كما أن السرعة والتكرار، يرسخان المفاهيم المنقولة عبر شبكة الانترنيت، فقبل انتشار الوسائل الحديثة، كان الأولياء أكثر قدرة على التحكم في التغذية العقلية للطفل، فيتحكمان فيما يسمع وفيما يقرأ وفي الأماكن التي يرتادها، وفي تكوين الصداقات. لكن الوسائل الحديثة الآن بما توفره من سرعة وانفتاح تقلّص من سيطرة الوالدين، وتبعدهما من التأثير في العمل التربوي.

ب. الإخلال بتقديم الأولويات التربوية، ومن ثم تتيح الوسيلة الاكتساب المبكر لمفاهيم اجتماعية قبل وقتها، عبر ما يعرض من ألعاب أو أفلام أو إعلانات متلاحقة، كمفهوم العلاقة بين الرجل والمرأة، فيراها طفل لم يبلغ الخامسة أو السادسة. وهو ما نجده أيضا في كثير من أفلام الأطفال، التي تحوي في مضمونها وإسقاطاتها قيما متعسّفة في الكثير من الأحيان على القيم الأخلاقيّة المحليّة. وتذهب بعض المضامين إلى أبعد من ذلك، فهناك الأفلام والأغاني والبرامج التجاريّة والإعلانات التسويقيّة، التي تعمل على إثارة الشهوات وغرس نزعة الاستهلاك والمتعة، التي لها آثارها السلبيّة على كلّ الفئات العمريّة.

ب. تقديم المواقف بصورة ممثلة مصحوبة بمؤثرات مرئية وصوتية، وهي ميزة لها آثار إيجابية كثيرة ونافعة، لكن مع ذلك لها آثار غير صحية في التربية، قد تضر بالنفس والعقل إذا ما تُركت مطلقة بلا ترشيد أو توجيه. إذ تؤدي إلى ملء خيال الطفل بها، مما يؤدي إلى ثبات هذه المواقف في الذاكرة بشكل قوي. والخطر هنا إنّما يكون في طبيعة تلك المواقف والمشاهد، التي يمكن أن تكون غير مناسبة لسن الطفل الذي يشاهدها. إضافة إلى المواقف الفاسدة، أو المفزعة التي من شأنها أن تسبب الفزع للطفل أثناء النوم، أو تزرع فيه الخوف والقلق والاكتئاب. أو مواقف دافعة لارتكاب الجرائم والإضرار بالغير، لما تقدمه من شخصيات خيالية مفزعة تتمتع بقوى خارقة. 4

ج. التأثير في القدرة على التصور العقلي، إذ يعتاد العقل مشاهدة كل شيء مصورًا أمامه، جامدًا على الصورة المشخصة التي تقدمها اللعبة أو فيلم الكارتون، فيضعف فيه حس الخيال والتصور النظري. بل قد يصل الحال إلى عجزه عن تصور مسألة حسابية سهلة، وحلها دون كتابتها على الورقة، بسبب ما قد تصيب به تلك الوسائل العقل من سلبية في التلقي، إذ ينبغي أن تكون مزيجًا من التفاعل بين السماع والرؤية والنقاش والتفكير، وهو ما لا توفره هذه الأنواع من الألعاب لمستخدميها.

د. تولُّد آثارا خطيرة في النفس من الصعب معالجتها، بسبب الإدمان على مشاهدة التمثيليات والأفلام والإعلانات والقصص والمواقف، التي لها إسقاطات ودلالات سلوكية سلبية كثيرة على المتلقي. فعلى سبيل المثال، قام طالب بمحاولة السطو على بنك في مصر، بعد مشاهدته لفيلم عربي جسّد تلك الوقائع. والإدمان إنما يتشكّل بفعل الجذب والاستقطاب الشديد لتلك الوسائل، من ذلك مثلا فقدان الفرد للإحساس بمن حوله فلا يشعر بندائه، ومنهم من يفقد الإحساس بالوقت ويفرّط بذلك في مسؤولياته وواجباته. بل قد يؤدي إدمان الإنترنت إلى الانتحار، عند غياب توفّر الاستخدام، مثلما حدث للفتاة المصرية التي كانت مدمنة على استخدام شبكة الانترنيت، وقد أقدمت على الانتحار، بسبب منعها من استخدام الانترنيت من طرف والديها.

ه. إدمان الإنترنت يفرز سيطرة الطابع المادي على تفكير الأبناء، فمطالبهم المادية لا تنتهي ولا يجد فيهم الآباء تلك الحالة من الرضا التي كانت لدى الآباء أنفسهم وهم في هذه المراحل العمرية. فالمتطلبات المادية مع كثرتها في أيديهم لا تسعدهم، بل عيونهم على ما ليس لديهم، فإذا أدركوه تطلعوا إلى غيره. فالرغبات تتزايد بشكل مستمر، ولا تقف عند وضع محدود.

III. تأثير شبكة الانترنيت على الدور التربوي للأسرة

ننطلق في دراستنا من فرضية انتشار شبكة الانترنيت في الدول العربية بما فيها الجزائر. ويُعدّ هذا الانتشار فاصلا لنظامين أو مرحلتين تربويتين، تميزت كل واحدة منهما بخصائص منفردة. وسنحاول توضيح الدور التربوي الذي تعتمده الأسرة العربية، بما فيها الأسرة الجزائرية، وما طرأ عليه من تغيّر في ظلّ استخدام الإنترنيت عبر مراحل مختلفة.

1. الدور التربوي عند الأسرة قبل انتشار شبكة الانترنيت

إنّ النظرة إلى التربية بمختلف إجراءاتها ووسائطها، يعتبر إحدى المصادر الأساسية للقوة بالنسبة للفرد والمجتمع، وهذا ينطبق على كافة المجتمعات القديمة والمعاصرة، المتقدمة والنامية، وان تفاوتت درجة الاعتماد على عمليات التربية باعتبارها مصدرا للقوة. ومن هنا كان الاهتمام بتوفير فرصة للتربية بشتى صورها، وذلك من منطلق الإيمان بأنّه كلما نمت قدرات الفرد وإمكانيته، أدى ذلك إلى تقدم المجتمعات وقوتها. وعمليات التربية اختلفت باختلاف العصور والأدوات. ودراسة التربية عند تحليل العلاقات الأسرية، تنبع من كون التنشئة تعد بمثابة برمجة اجتماعية، وتدريب على شغل أدوار معينة. فإن دراسة بنية السلطة، لا تقل عنها أهمية، وتعني هذه الأخيرة بصفة عامة، نمط توزيع القوة والنفوذ داخل الأسرة. 5. وقد مثّلت السلطة في الأسرة التقليدية محور النظام التربوي، بحيث كانت على أساسها تتوزع مهام التوجيه والضبط، والتي كان يمثلها عادة الأولياء، لأسباب ودوافع تاريخية، وأخرى مادية وعرفية. وقد مكّنتهم من تقمّص دور القائد والموجه الرئيسي داخل النظام الأسري، خاصة في الدول الإسلامية. والسلطة هي القدرة على التأثير والتوجيه والامتثال، تأخذ الطابع الشرعي في إطار الحياة الاجتماعية، وهي القوة الطبيعية أو الحق الشرعي في التصرف، أو إصدار الأوامر. ويرتبط هذا الشكل بمركز اجتماعي، ومن ثم يخضعون لتوجيهاته وأوامره وكذا قراراته. وتتجلى أهمية السلطة من خلال الهيمنة والسيطرة، والقيادة في العلاقات داخل النسيج الأسري، ومنه تتفرع جميع الروابط المتعلقة بمسألة التربية. وتمتاز العلاقات الأسرية داخل الأسرة التقليدية بما يلي:

أ. الشؤون والأعمال المنزلية اليومية: ارتبطت مسؤولية القيام بهذه الأشغال بالزوجة، إلا أنه نظرا لخروج المرأة للعمل، أصبحت هذه الأخيرة تنتظر من الزوج أن يقوم بدور المساعد في هذه الأعمال. ولا يقصد بالمساعدة أو المساهمة هنا، قيامه بالأعمال المنزلية فحسب، بل هو تقدير من جانبه، لدورها ومراعاة لمشاعرها، ومتاعبها الجسمية. هذا الدور الفعّال الذي تقوم به الأم، أو الأخت الكبرى أو الجدة، يجعلها على احتكاك مباشر مع الطفل، فارضة عليه نوع من السيطرة المبنية على الاحترام والتقدير. وهي فضلا عن ذلك تزوّده بكل القيم والمبادئ التي يحتاجها في مراحل نموه، فالطفل في هذه المرحلة يعتمد بشكل كلّي على الأم في ظلّ غياب، أو قلّة مؤسسات التنشئة الأخرى التي ظهرت في وقت لاحق. ودور الأم في هذه المرحلة، يقتصر على الدور التربوي، فهي عموما غير مكلّفة بأعمال خارجية، كالعمل على حساب أشغال المنزل، كما أنها لا تعتمد على بدائل التربية الأخرى، كروضات الأطفال، أو المربيات.

ب. المسئول عن اقتصاديات الأسرة: هنا يقودنا الحديث عن المسؤول عن تلبية الحاجيات المادية للأسرة، وهو عادة الأب أو الأخ الأكبر، أو حتى الجدّ. وهو من خلال هذا الدور، يمارس سلطة على الأبناء، فيتم التواصل على مستويين: من الهرم إلى القاعدة، ومن القاعدة إلى الهرم. ويحلل "حليم بركات " هذين الشكلين في الأسرة العربية التقليدية، فيقول: " يتخذ من فوق إلى تحت طابع الأوامر والتبليغ، وتوجيه التعليمات والتلقين، والمنع والتحذير والتخويف والتهديد. وقد يقترن هذ التواصل من فوق إلى تحت بالعقاب أو الحرمان والغضب والإخضاع 6

إنّ هذا النوع من السيطرة، يغلب عليه طابع العنف المادي، الذي يمارسه ذوي السلطة والنفوذ في الأسرة، على سائر الأفراد، الذين لا يملكون هذه الموارد. وقد يتحول العنف المادي الذي قد يمارس جسديا بنوع أخر من العنف، وهو العنف الرمزي، الذي قد لا يختلف كثيرا في حدّته عن العنف المادي، ويتجسد هذا النوع من العنف، من خلال فرض الآراء والمواقف على الطرف الأخر، أو إشعاره بالضعف والتبعية للشخص الممارس لهذا العنف لأسباب مادية أو بيولوجية. ونسرد في ما يلي خصائص النظام التربوي الذي كان سائدا في الأسرة العربية في النقاط الآتية:

ـــــ تقسيم الواجب التربوي بين الأم والأب: بحيث تتولى الأولى عملية التربية والتعليم، وتوفير الرعاية النفسية والثقافية للطفل، وتمكينه من جملة القيم الأخلاقية. فيما يتحمّل الأب، مسؤولية النفقة، وتوفير الحاجات المادية.

ـــــ التقليد في الأسلوب التربوي: يكاد يكون أسلوب تنشئة الأطفال في الأسرة العربية التقليدية، تكرار الأسلوب الجيل السابق، الذي يكون بالنسبة لها، مرجعية مقدسة، لا يجوز مخالفته. فالأم تستقي معلوماتها في العناية بالطفل من والدتها أو قريباتها، ونادرا ما تستشير مربيا أو طبيبا أو كتابا. وعليه بقيت مصادر التربية محلية، لم تتأثر بعوامل خارجة عن البيئة المحلية، التي قد تحملها وسائل الإعلام والاتصال كما يحدث اليوم.

ـــــ اعتماد أسلوب العقاب الجسدي كوسيلة من وسائل التنشئة: فالعقاب والتهديد بالحرمان من العطف، في حال انحراف الطفل عن السلوك السويّ، الذي يرسمه له الأولياء، كان يعتمد بشكل واسع، من أجل إعادة الطفل إلى الطريق الذي يراه الأولياء، سويّا فيمارس الوالدين هذا الخيار، بهدف ترويض الطفل، وتعويده على الطاعة والامتثال.

ـــــ محدودية المراجع والمصادر التربوية للطفل: يعتمد في ذلك اعتمادا شبه كلي على الأسرة كمرجعية لسلوكياته ومواقفه، سواء من حيث التكوين أو التعديل، وقد يساعده في ذلك دور العبادة والمدرسة، وهما مؤسستين لا تشكلان تعارضا مع توجهها التربوي.

ــــــ الانزواء الثقافي في إطار الثقافة المحلية: والتي تعتبر في نظر المجتمع مقدّسة في إطار ما يسمى بالثقافة المحافظة، وهذا نتيجة عدم انتشار وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، ما جعل المجتمع في منأى عن غزو ثقافي أجنبي، من شأنه منافسة القيم السلوكية المحلية. فكانت الثقافة المحلية، هي الثقافة الوحيدة السائدة في المجتمع، والتي يبني على أساسها الطفل ثقافته.

ـــــــ ربط الطفل اجتماعيا: وذلك من خلال تحسيسه بمكانته في المجتمع من جهة، وحق هذا المجتمع عليه من جهة أخرى، ما ينمي واجب الولاء، لما تقتضيه الأعراف، والأخلاق الاجتماعية. والأسرة في هذه المرحلة، تحاول تجسيد الأوصال بين الطفل ومجتمعه. وهي تنظر إلى المجتمع، كمؤسسة ضبط أوسع منها، لها القدرة على تقييم السلوك، وكذا قبوله أو رفضه. كل هذا يحدث في الجماعة وبالجماعة، على حدّ تعبير عالم الاجتماع المغربي " محمد شقرون " فالإنسان العربي، مطبوع بشدّة بتطبّع الجماعة التي ينتمي إليها، فهو لا يوجد إلا كعضو فيها 7

ـــــ هيمنة القيم الروحية والأخلاقية على القيم المادية: فالأسرة العربية التقليدية، كان لها هامش كبير من العلاقات الشخصية والعامة، أي تلك التي تربط أعضاء الأسرة الواحدة، أو أعضاء الأسرة بالمجتمع. ولأن أهم الحاجيات المادية للأسرة التقليدية كان يتمحور في مسألة الغذاء والسكن، وهما حاجتان يتحملهما عادة الأب، ومن غير الصعب توفيرهما، حضي الطفل في هذا النظام بهامش واسع من الرعاية والاهتمام الروحي والأخلاقي، بعيدا عن تعقيدات الحياة المادية التي قد تجعل من تفكير الطفل، مثقلا بالاهتمامات والتطلعات المستقبلية ذات البعد المادي.8 فتطلعاته كطفل لم تكن تتجاوز لعبة بسيطة، تجسّد صورة المجتمع المحلي، من خلال مبادئه وعلاقاته، يشاركها مع عدد من الأطفال أو الرفاق بشكل جماعي.

ــــــ التعرض المحدود لوسائل الإعلام والاتصال: فالطفل الجزائري في النظام التربوي القديم كان قليل التعرض لوسائل الإعلام، سواء من حيث نوعية الوسائل، أو طبيعة المضامين وهو بالمقابل، كان يجد بدائل أخرى، كاللعب الجماعي، أو الحوار الأسري، فضلا عن المدرسة ودور العبادة. وهو بهذه العلاقة الفاترة بوسائل الإعلام والاتصال، يقوّي علاقته بمؤسسات التنشئة الاجتماعية الكلاسيكية عامة، والأسرة بالخصوص، والتي توفر له جميع المتطلبات التربوية التي يحتاجها، بشكل مباشر أو غير مباشر، دون أن تساهم في ذلك مؤسسات دخيلة على النسيج الاجتماعي، من شأنها التأثير على المنظومة التربوية للطفل. وهذا الأخير وجد البدائل المرضية عبر وسائل الإعلام. غير أنه ما كان يميّز هذه الأخيرة أنها قليلة الانتشار، ولم تتميز بالطابع التكنولوجي المتطور، كما هي عليه اليوم.

ــــــ قلّة الصراعات داخل الأسرة: وهذا نتيجة الحياة البسيطة التي كانت تتمتع بها الأسرة التقليدية، بسبب عدم تعقّد مشاغل الحياة. فالمشاكل الأسرية، كانت تحلّ في إطار داخلي، وبشكل عقلاني، من خلال تدخل العقلاء والوجهاء. في الوقت الذي كانت الأعراف تفرض على المرأة احترام الزوج، وأكثر من ذلك، التنازل على حقوقها في سبيل المحافظة على أسرتها. وهذا الاستقرار، وإن كان على حساب المرأة، انعكس بشكل إيجابي على الطفل، الذي وجد داخل النسيج الأسري جوّ الأمن. فالنزاعات والمشاكل الأسرية تخلق جوّا مضطربا، وتؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية، غير سويّة لدى الطفل. بل قد يصل به الأمر حدّ البحث عن بديل أخر لهذه الأسرة المضطربة، التي لا توفر له الجوّ الملائم، وذلك من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

ـــــــ النظام الأهلي للأسرة في ربط علاقة الطفل بالمجتمع: فالأسرة تقوم بتربية الطفل بشكل مستقلّ، بحيث تمدّه بالواجب التربوي، قبل أن تسمح له بالاحتكاك بالمجتمع، أين يتلقى عملية التنشئة من خلاله. ولا يستطيع الطفل أن يدخل في علاقة بالمجتمع إلا من خلال أسرته، التي تعتبر محطة أولى، وضرورية في رحلة الطفل الاجتماعية، وهي أيضا المؤسسة التي تحصّر الطفل نفسيا وثقافيا للاحتكاك بالمجتمع المحيط به. ولا تقف علاقة الأسرة بالطفل خلال المرحلة الانتقالية نحو العلاقات الاجتماعية. إنما تبقى تلك العلاقة قائمة، تعتمد على التوجيه والمتابعة.

ـــــــ التكافل والضبط الاجتماعي: مثّل المجتمع في إطاره العام، والأسرة في إطارها الخاص ضابطا اجتماعيا، يلتزم فيه الفرد بتعاليم وسلوكيات لا يجوز له مخالفتها. وهي بذلك تصنع منظومة محكمة على أفراد المجتمع، شأنها شأن زعيم القبيلة، أو القانون الوضعي، أو غيرها من المؤسسات الردعية. وهي ما سمّاها " شوومكاي shoomkey بالحتمية الاجتماعية، حيث يؤدي انهيار الضبط الاجتماعي على مستوى المجموعات التقليدية إلى انحراف الطفل.

ومن السمات الرئيسية للعملية التربوية في المجتمع الجزائري التقليدي، هوّ أنّ الطفل ابن الأسرة، وابن المجتمع في الوقت ذاته. فإذا أخطأ الطفل، أو أصابه مكروها، وغظّت الأسرة الطرف عنه، أو تجاهلت ذلك، قام المجتمع بدوره، وهو ما يعتبره واجبا إزاء هذا الطفل لقد اندمج دور الأسرة والمجتمع بشكل كبير، وأصبحت عملية التربية واجب مشترك بين الطرفين، تحرّكه دافعية التكافل. والطفل بنفسه، يشعر بنوع من الرقابة المستمرّة، والمشددة، بحيث تقلّ احتمالات جنوحه، في ظلّ التكافل الحاصل بين الأسرة ومؤسسات التنشئة الأخرى.9

ــــــ قلّة الصراعات داخل الأسرة: وهذا نتيجة الحياة البسيطة التي كانت تتمتع بها الأسرة التقليدية، بسبب عدم تعقّد مشاغل الحياة. فالمشاكل الأسرية، كانت تحلّ في إطار داخلي، وبشكل عقلاني، من خلال تدخل العقلاء والوجهاء. في الوقت الذي كانت الأعراف تفرض على المرأة احترام الزوج، وأكثر من ذلك، التنازل على حقوقها في سبيل المحافظة على أسرتها. وهذا الاستقرار، وإن كان على حساب المرأة، انعكس بشكل إيجابي على الطفل، الذي وجد داخل النسيج الأسري جوّ الأمن. فالنزاعات والمشاكل الأسرية تخلق جوّا مضطربا، وتؤدي إلى ظهور أنماط سلوكية، غير سويّة لدى الطفل. بل قد يصل به الأمر حدّ البحث عن بديل أخر لهذه الأسرة المضطربة، التي لا توفر له الجوّ الملائم، وذلك من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

ـــــــ النظام الأهلي للأسرة في ربط علاقة الطفل بالمجتمع: فالأسرة تقوم بتربية الطفل بشكل مستقلّ، بحيث تمدّه بالواجب التربوي، قبل أن تسمح له بالاحتكاك بالمجتمع، أين يتلقى عملية التنشئة من خلاله. ولا يستطيع الطفل أن يدخل في علاقة بالمجتمع إلا من خلال أسرته، التي تعتبر محطة أولى، وضرورية في رحلة الطفل الاجتماعية، وهي أيضا المؤسسة التي تحصّر الطفل نفسيا وثقافيا للاحتكاك بالمجتمع المحيط به. ولا تقف علاقة الأسرة بالطفل خلال المرحلة الانتقالية نحو العلاقات الاجتماعية. إنما تبقى تلك العلاقة قائمة، تعتمد على التوجيه والمتابعة.

ويغلب على العملية التربوية في الأسرة التقليدية الطابع الديني، إلى جانب منظومة العادات والتقاليد الاجتماعية. والطفل من خلال هذا النظام، يبقى على علاقة مستمرة بالأسرة، ويعتبرها مرجعا ثقافيا ومعرفيا، مهما قوية علاقته بالمجتمع. رغم عدم وجود تعارض كبير بين الأسرة والمجتمع، خلال هذه المرحلة. فالأسرة تبقى محتفظة بريادتها التربوية، ومسؤوليتها المباشرة على الطفل، إلى غاية سنّ متقدم من عمره، يستمر عادة إلى غاية زواجه، وإنشاء عائلة خاصة به، دون أن يكون ذلك سببا في انقطاع علاقته وولائه بالأسرة النووية.

2. الدور التربوي عند الأسرة في ظلّ استخدام الانترنيت

غيّرت التكنولوجيا الحديثة، النظام التربوي في الأسرة الجزائرية بشكل ملحوظ، بحيث ساهمت إلى جانب عوامل أخرى بإعادة ترتيب الأولويات التربوية، فضلا عن القائمين عليها، وسط صراع في الأدوار، الذي يستمرّ إلى وقتنا هذا. فشبكة الانترنيت زحمت الأسرة في وظيفتها التربوية، وهو ما يظهر في العديد من الجوانب الاجتماعية. فالطفل يتأثر بشكل أو بآخر بما تحمله ثقافة الكمبيوتر، غير أن هذا التأثّر يتحدد اتجاهه وقوته بحسب تدخل الأولياء في توجيه هذا الطفل، ومنحه الاستعدادات الأولية لمواجهة هذه المضامين. وهناك العديد من التحديات التي تواجه الأسرة في استخدام الطفل للإنترنيت. على رأسها مخاطر التحصيل الزائد للمعلومات، الإدمان، العوائق اللغوية.

وما زاد من خطورة الموقف، الهوة الشاسعة بين الطفل وأوليائه في مجال استخدام التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الإنترنيت. فبعض الأسر، لا يكلفون أنفسهم عناء التعرف على مكتسبات التكنولوجيا الحديثة، أو على الأقل مواكبة أبنائهم، المتعلقين بها، وتوجيههم. يُوجد بعض الأطفال، الذين لم يتجاوزوا عقدهم الثاني، ومع ذلك يتفاعلون مع الإنترنيت بكل سهولة، مقابل جهل مطبق من طرف الأولياء بالمبادئ الأساسية لاستخدام التكنولوجي ما يعطي فرصة للأطفال لتجاوز دور الأولياء في توجيههم للاستخدام السليم لهذه الأنظمة الرّقمية. هذا الوضع يضعف الدور التربوي للأسرة، خاصة في مجال التوجيه والارشاد فالشرخ الحاصل بين الأولياء وأطفالهم، في مسألة الاستخدام التكنولوجي، لا يخدم على الإطلاق البناء الاجتماعي والأسري. بل يعطي للإنترنيت كمؤسسة تنشئة دخيلة، فرصة كبيرة لاستقطاب الأطفال إلى عالمها. ومن أهم خصائص النظام التربوي الحديث، نذكر:

ــــــ تراجع الدور الريادي الأب في عملية القيادة داخل الأسرة لأسباب متعددة، من بينها مقاسمة المرأة الدور الاقتصادي، من خلال خروجها للعمل. بحيث مكن التعليم المرأة من اكتساب المهارات والخبرات اللازمة لولوج عالم الشغل، والتمتع بدخل وظيفي مستقل، وسواء جاء خروج المرأة إلى ميدان العمل كنتيجة لعدم كفاية مرتب الزوج، أو غير ذلك من الأسباب، فإنه يسمح لها بالمشاركة في نفقات الأسرة ويدعم حظوظها في صنع القرار. إضافة إلى الانفتاح المعلوماتي الذي حضي به الطفل، بشكل قد يفوق المنظومة المعرفية للأب، ما يجعله في موقف محرج أمام رغبة الطفل في إشباع حاجاته المعرفية.

كل هذا إضافة إلى عوامل أخرى، ساهمت في تراجع السلطة الأبوية، داخل الأسرة، لصالح أطراف من الأسرة، كالأم أو الإخوة، وأحيانا أخرى لصالح مؤسسات التنشئة الأخرى.

ـــــ تفكك العائلات إلى أسر نووية: إن تفكك العائلات إلى أسر صغيرة نووية، تقتصر على الزوج والزوجة وأولادهما، تسكن في منزل مستقل خاص بها، يعني الإخلال بإحدى القواعد الهامة التي تعتمد عليها العائلة في تشكلها. ونعني بها قاعدة السكن مع أهل الزوج، أي أن المرأة عندما تتزوج وتغادر بيت أهلها، تستقر في بيت أهل زوجها، مما يعني جملة من العلاقات المتبادلة بين الابن المتزوج وأهل البيت، من جهة، وبين الأطفال والأجداد والأعمام من جهة أخرى. وكذلك مجموعة من الواجبات المادية منها، وحتى تلك المتعلقة بالمعاملات، يجب على الزوجة أدائها لأهل بيت الزوج وخاصة لأبوين. فاستقرار الزوجين وأطفالهما تحت سقف بيت مستقل عن إقامة أهلهما، يشكل عامل لتضعضع سلطة ونفوذ العائلة الأبوية، والتي كانت تمارس بشكل مشترك بين كبار السن، وهو ما ينعكس بالطبع على القائمين على العملية التربوية للطفل.

ـــــــ محدودية النسل: فالأسرة الحديثة أصبحت تتجه نحو تحديد النسل، وذلك راجع لأسباب متعددة، منها اقتصادية وثقافية وأخرى اجتماعية. وهذا التحديد في النسل، يفترض أن ينعكس إيجابا على العملية التربوية، حيث يصبّ الوالدين اهتمامهما على عدد محدود من الأطفال 10 متجاوزين بذلك الضغوط التي كانت تعرفها الأسرة التقليدية، المسئولة عن عدد كبير من الأطفال القريبين من حيث السن، والحاجات التربوية. غير أن هذا التخفيف في تعداد الأطفال داخل الأسرة، لم يكن له الوقع المنتظر من الناحية التربوية. حيث كان منتظرا من العائلة التي تملك عددا قليلا من الأطفال، أن تكون أكثر تمكنا من السيطرة على سلوك أطفالها واتجاهاتهم.

غير أن الواقع يشير إلى غير ذلك، وقد وصل الأمر حدّ الصراع داخل الأسرة، بين الأطفال وأوليائهم بسبب تعارض الرغبات والأهداف التي يميل إليها الطفل من جهة، والتي قد يعارضها الأولياء من جهة أخرى. غير أن الخطر قد لا يكون في التعارض في حدّ ذاته، إنما في التوفيق بين التوجهات المتعارضة.

ـــــــ تأثير النموذج الأسري الغربي على العائلات العربية: لقد شهدت الأسرة في الغرب تغيرات كبيرة أفقدتها صفة الأسرة، و أصبحت مجرد اسم على مسمى، بالنظر الى ما مرت به من مراحل، و ما تعيشه من تشرذم و تفكك كبيرين، فعندما سئل السناتور مونيهان " Monyhan " الذي قضى اكثر من اربعين سنة في الحياة السياسية عن أهم تغير شاهده في الولايات المتحدة خلال فترة خدمته أجاب قائلا: " إن أكبر تغير حصل في حياتي هو انهيار كيان الأسرة في منطقة شمال الأطلنطي كلها "، أي الغرب عموما علما أن هذا السناتور الذي حلت محله بعد وفاته هيلاري كلنتون " Hillery Clinton " كممثلة عن نيويورك لم يكن متدينا بل انه كان ليبراليا من النوع القديم الذي يؤمن بالأسرة كلبنة أساسية في بناء المجتمع وهو يختلف عن الليبراليين الجدد الذين لا يؤمنون بدور القيم الدينية والاجتماعية في حياة الانسان. وتعمل وسائل الإعلام والاتصال من خلال الدعاية على تقديم هذا النموذج، الذي يختلف عما هو سائد في البلدان الأخرى، فتحرص على إبراز طبيعة الحريات التي تتمتع بها المرأة والأبناء. وتعمل بعض الحركات النسائية في الدول العربية على الضغط والمطالبة بمزيد من الحقوق والحريات للمرأة، اقتداءً بالنمط الغربي، واستنادا إلى حقوق الإنسان وحقوق المرأة المعمول به.

يمنح هذا التوجه الأسرة عموما والأم خصوصا، حقوقا تعتقد أنها تحررها من قيود التربية المنهكة. فازداد التوجه نحو الاتكال على مؤسسات التنشئة الأخرى، وعلى رأسها وسائل الإعلام والاتصال، التي لا تكلف الأسرة أموالا كبيرة من جهة، وتثير إعجاب الأطفال من جهة أخرى. لقد أحدثت التكنولوجيا الحديثة التي أفرزتها وسائل الإعلام والاتصال، تغيرات كبيرة على الأسرة الجزائرية، وهي ليست منفردة في هذا التغيير إذ تشهد الكثير من الدول والمجتمعات صورا مشابهة لهذا التغير، بحيث تغيّر بنائها ومنهجها التربوي. كما أصبحت العلاقات الأسرية تشهد تحولات سريعة، أثّرت بشكل مباشر على العملية التربوية. ومن أهم التحولات التي عرفتها العلاقات الأسرية في ظلّ التكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال، يمكن أن نذكر ما يلي:

أ. التفكك الأسري: من الواضح أن التفكك الأسري هو صورة مصغرة عن تفكك اجتماعي قائم، يظهر بشكل جليّ من خلال التركيز على العلاقات الاجتماعية التي أصبحت عليها في عصر التكنولوجيا. فهذا الأخير ـــ التفكك الاجتماعي ــ هو مؤشر عن صراع بين المعايير الثقافية في المجتمع، وعلى ضعف قواعد السلوك ومعاييره. كما أنه مؤشر على سوء التوافق، الذي يعوزه الانسجام مع بيئته. فالأسرة باعتبارها الخلية الأساسية في المجتمع المعرض للتغير والتطور، هي أيضا معرّضة لذلك بمعية أفرادها. بحيث يكون ضعف أداء الأدوار التقليدية والمقبولة سابقا، حاصلا بسبب تأثير الاختراعات والابتكارات التكنولوجية، التي ولّدت أدوار جديدة. وما يحدث في الأسرة الجزائرية، هو أن الاعتبار العالي للآباء وكبار السن تراجع بسبب تأثير الإنتاج المادي التكنولوجي على سلوك الطفل، الذي تغيرت نظرته وفلسفته للأحداث. فوقع انشقاق بين نظرة الآباء لحياة أبنائهم، وبين تصور هؤلاء الأطفال لحياتهم ومستقبلهم خارج جلباب أوليائهم.

ب. تراجع سيطرة الأولياء لتوجيه سلوك الطفل: من المعروف أن الأسرة هي أقدر الهيئات الاجتماعية على صبغ شخصية الطفل، مستخدمة في ذلك جميع أنواع الاتصال الاجتماعي. فنجد الاتصال على قدم المساواة أساسه الصداقة والتوجيه المقنع ونجد كذلك الاتصال المتصف بالسيطرة والقمع عند اللزوم، من أجل تعديل أو تغيير سلوك ما للطفل.

3. مظاهر صراع الأدوار التربوية في ظلّ استخدام الطفل لشبكة الإنترنيت

تتعدد مظاهر صراع الأدوار التربوية داخل الأسرة، بتعدد المواقف والسلوكيات المتضاربة بين الشركاء في العملية التربوية، خاصة بين الأولياء والأطفال. ما يؤثر على السياق الاجتماعي الذي يمثل مصفوفة من العلاقات الاجتماعية. ونقصد به الأنظمة المحفزة، والدافعة للاستعمال. وصراع الأدوار، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، هو نتيجة لانفتاح إعلامي واتصالي غير محدود، مسّ جميع المجالات والأفراد، بما فيها الفلسفة التربوية. فعندما تكون هذه الأخيرة غريبة، مستوردة، غير منبثقة من أصول هذه الأمة وفكرها وعقيدتها، فإن هذه التناقضات ستعمل بكل تأكيد سلبا على نوعية المخرج التربوي، واتجاهاته وفكره، الذي تسعى إلى تطبيقه على تربية الطفل. ومن ثمّ ينعكس على سلوكه، ونمط التفكير الذي قد يتعارض مع النمط السائد في مجتمعه.

والتربية التي لا تفرض شموليتها، واتّساق اتجاهاتها، ووحدة منطلقاتها ومسارها، لا يمكن أن ترسم معالم سلوكية وفكرية موحدة على جميع الأفراد في المجتمع. فمتى تعارضت الأصول مع الأهداف، وتناقضت الأسباب مع المسببات، وتباينت المناهج مع الغايات والكليات، تفقد معناها. وتعتبر تقنيات المعلومات الحديثة، وعلى رأسها الإنترنيت، إحدى أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل مجتمعنا ومؤسستنا، بوصفها من أهم العوامل المؤثرة في عملية التعليم والثقافة والمجتمع. ومادام الطفل العربي، يعيش في بيئة يتعرض فيها لتيارات وقيم ثقافية متنوعة، وأحيانا متعارضة ومتناقضة ويتعرض لأساليب مختلفة في أنماط التفكير، بين ما يتابعه على شبكة الإنترنيت، وبين ما تقدمه له الأسرة من قواعد تربوية، يجد الطفل نفسه في حالة مدّ وجزر بين القيم الاجتماعية، وما يراه على شبكة الإنترنيت، ما قد يدفعه في النهاية إلى سوء الاختيار، في المواقف والسلوكيات التي قد تفرض نفسها عليه، خاصة في ظلّ انعدام التوجيه الذي يمكن أن تمارسه مؤسسات التنشئة وعلى رأسها الأسرة، والذي من شأنه تخليصه من كل ذلك. فالتوجيه على قدر كبير من الأهمية في مواجهة الثقافات الدخيلة على الأسرة والمجتمع، غير أنه يحتاج قبل تنفيذه، إلى تمرّس وقدرة على التحكم في مصادر هذه الأفكار والثقافات.

يحدث هذا في وقت انحسر فيه دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة الثقافية، وترسيخ القيم، فلم يعد الطفل مرتبط بالأسرة فقط في تلقيه للقيم، والأفكار والمعلومات. بل أصبح يلجأ إلى مصادر أخرى تقدم له أنماطا ثقافية كثيرا ما تهدّم الأنماط الثقافية المكتسبة من الأسرة أو المجتمع 11. فعندما تقف الأسرة عقبة في وجه الطفل لإشباع حاجاته المعرفية والنفسية، تظهر على هذا الخير علامات العدوان، ومحاولات الخروج من إطار الضوابط الاجتماعية، لتحقيق حاجاته ورغباته.

إن المميزات الشاخصة التي تتميز بها العائلة العربية في الوقت الراهن، هي نتيجة تزاوج ثقافي تاريخي، بين ما خلفه المستعمر، وبين العادات والقيم الحضارية التي سيطرت على المجتمع في الماضي البعيد. إضافة إلى الظروف الاقتصادية والتكنولوجية، التي أحاطت بالمجتمعات العربية، وهذا نتيجة التفاعل والاتصال الحضاري، الذي يتم عبر وسائل الإعلام والاتصال. لقد خلق هذا الوضع حالة من إعادة الترتيب في الأدوار، ينجم عنه صراع بين أطراف العملية، والتي نخصّ بها في دراستنا هذه الأسرة والطفل. ولهذا الصراع عدة مظاهر نلخصها، أوّلا في اضطراب مصادر القيادة داخل الأسرة بين الأب، الأم وأحيانا حتى الأبناء: هذا الوضع شتّت عملية المتابعة والتوجيه المتعلقة بالطفل، فأصبح هذا الأخير في الكثير من الأحيان خارج رقابة الأولياء، ناهيك عن الصراعات المحتملة بين الزوجين فيما يتعلق بعملية التوجيه. كما تتجلّى مظاهر الصّراع في السعي للتحرر الثقافي وذلك من خلال عزوف الطفل عن الانخراط في الثقافة المحلية التي ينظر إليها نظرة قاصرة، سواء لأنها تعجز عن إشباع جميع رغباته المعرفية، أو لكونها تضيّق عليه مجال الحرية. ومن مظاهر الصراع كذلك نجد نزعة الطفل للحريّة في اختيار شبكة معارفه، ذلك أنّه في الأسرة التقليدية، وقبل انتشار التكنولوجيا الحديثة في الوسط العائلي والمجتمع، كان الطفل يخضع في أغلب فترات يومه إلى السلطة الأبوية، ممثلة عموما في الأب. هذه السلطة التي تقدم له التوجيهات وتحدد له الواجبات التي يجب أن يتبعها في سلوكياته. أما في زمن التكنولوجيا الحديثة، فالأمر قد تغير، وسلطة الأسرة عموما، والأب خصوصا في تحديد هذا الجانب، قد انحصرت. فمصدر الصداقة التي ينشئها الطفل، لم يعد الشارع، بل العالم الافتراضي، الذي يعجز الكثير من الأولياء على متابعته ومراقبته. مظاهر الصّراع تجلّت أيضا في قدرة التكنولوجيا على تلبية الحاجات المعرفية والعاطفية للطفل، وصورة ذلك هوّ أنّ الحاجة عند الطفل، والتي كانت من أهم الروابط التي يعتمد فيها على الأسرة عموما، والأولياء خصوصا، كانت محلّ صراع بين الأسرة والتكنولوجيا الحديثة، والتي استطاعت هذه الأخيرة سحبها من نظيرتها. فالتكنولوجيا أبهرت الطفل بإمكانياتها الهائلة في توفير المعارف، وإشباع مختلف الحاجيات. فهي موسوعة معرفية، فضاء اجتماعي، منبر لحرية الرأي، مصدر تعليمي واستشاري، إضافة لكونها متصلة بحاجات الطفل، الذي لا يدرك المقاصد من الأمور الممنوعة التي تفرضها الأسرة عليه. وقد مثّلت ميزة السيطرة، والقمع والإجبار سمة مميزة، وذات فاعلية إلى حدّ كبير في تقويم سلوك الطفل، على أساس الثواب والعقاب. وهو أسلوب مباح، من الجانب الديني، والنفسي وحتى الاجتماعي. غير أن هذه الميزة التي كان لها وقعها في العلاقات الأسرية عند العائلات التقليدية، بدأت تتلاشى تدريجيا، في ظلّ الأسرة الحديثة، ذات العلاقات المتعددة بالتكنولوجيا الحديثة. فسلطة الضبط التي يمارسها الأولياء، تراجعت بشكل ملحوظ، لأسباب متعددة، أفضت إلى وجود علاقات تحررية، تغلب عليها في بعض الأحيان تبعية الأولياء، لرغبات الأبناء. وعلى عكس العلاقات الشخصية التقليدية التي كان الأولياء فيها يسيطرون على سلوك الطفل، ويتولون مهمة تعديله أو تغييره. أصبح هذا الأخير اليوم غير خاضع للسلطة الضابطة من طرف الوالدين. فقد تغيرت طبيعة العلاقة تغيرا جذريا، فلم تعد العلاقة بين الطرفين علاقة بين "والدين" و " الأطفال" ولكنها علاقة من نوع جديد تتم بين أشخاص متساوون في الحقوق. وبذلك تظهر في لحظة معينة من دورة حياة الأسرة، عملية اختيار حاسمة تمس كيان تلك الأسرة الحديثة.

الجدول رقم 2: الزمن اليومي لاستخدام التلميذ لشبكة الانترنيت

الاستخدام الساعي للإنترنيت

التكرار

النسبة

أقل من ساعة

14

07 %

ساعة

13

06,5%

ساعتين

42

% 21

ثلاث ساعات

73

% 36 .5

أكثر من ثلاث ساعات

58

% 29

الـــمـجـمـــوع

200

% 100

نلاحظ من خلال النتائج المعروضة في الجدول أن 65,5 % من أطفال العينة يستخدمون شبكة الانترنيت لمدة ثلاث ساعات فأكثر يوميا، مقارنة بمن لا يتعدى استخدامهم للشبكة ساعتين فأقل، بنسبة 34.5 % ما يؤكد مدى استخدام الطفل الجزائري للشبكة سواء كان الاستخدام يومي، أو بالحجم الساعي. وفي قراءة تحليلية لما تم عرضة من نتائج في الجدولين الأول والثاني، يمكن ردّ هذا الاستخدام الكبير للشبكة من طرف الطفل إلى عدة عوامل، من بينها توفّر الوسائل التكنولوجية المتعددة ذات الاتصال بشبكة الانترنيت مثل الكمبيوتر، الهاتف الذكي، وغيرها من الأجهزة الكثيرة، التي أصبحت مرتبطة بشبكة الانترنيت. إضافة إلى سهولة وعدم تكلفة الارتباط بالشبكة، سواء تعلق الأمر بامتلاكها في المنزل، أو مقاهي الانترنيت. وقد تطور الأمر أكثر مع دخول تقنية " الاتصال اللاسلكي " أو ما يعرف ب ireless Fidelity أو WIFI . هذا الارتباط بشبكة الانترنيت، مؤشر واضح على نوع من العزلة التي يمارسها الطفل على حساب جوه الأسري والاجتماعي، فالعلاقات الافتراضية لا يمكنها مهما توسعت، ان تعوض العلاقات الحميمية التي يمارسها الطفل مباشرة مع عائلته أو أصدقائه، ما يجعل شبكة الانترنيت بديلا شكليا للعلاقات، خالية من الجانب العاطفي، والرابط الاجتماعي. إن تعلق الطفل بشبكة الانترنيت، بلغت درجة شعوره بالضيق والعصبية في حال انقطاعه عن استخدامها لوقت طويل، وهو ما عبّر عنه معظم الأطفال، بالشكل الذي يوضحه الجدول التالي:

الجدول رقم 3: شعور التلميذ عند انقطاعه عن استخدام شبكة الانترنيت

شعور الطفل

التكرار

النسبة

النقص والانزعاج

179

% 89.5

لا يؤثر على شعوره

21

% 10.5

المجموع

200

% 100

نلاحظ من خلال النتائج المعروضة، أنّ 89.5 % من الأطفال يشعرون بالنقص، والانزعاج بسبب انقطاعهم عن استخدام شبكة الانترنيت، مقابل 10.5 % فقط من الأطفال لا يؤثر عليهم الانقطاع عن استخدام شبكة الانترنيت، وهي نسبة ضئيلة بالمقارنة مع نظرائهم المتأثرون بهذا الانقطاع. يتبين لنا جليا، مدى الإدمان الذي يصبح عليه الطفل، بسبب الاستخدام المكثّف والغير صحّي لشبكة الانترنيت. فقد أصبحت هذه الأخيرة، تتقاسم مع الأسرة والمجتمع حيّزا هاما من حياة الطفل، بل حتى أنها استحوذت على أكبر اهتمامات الطفل، لما تمنحه له من تقنيات ومضامين. ولدراسة ظاهرة العنف، يتوجب التعرض إلى الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، فيتطلب استخلاصها مما يقدمه الأطفال أنفسهم، حين نتوجه إليهم بالسؤال التالي: لماذا تدمن التعامل مع شبكة الإنترنت؟ وهو سؤال أفرز نتائج تحتاج إلى تدقيق ومتابعة، بحيث برزت دوافع نفسية أسرية لاستخدام الطفل لشبكة الانترنيت، لم ينتبه لها حتى الأولياء من خلال إجاباتهم. وهذا ما سنحاول عرضه من خلال الجدول التالي:

الجدول رقم 4: أسباب إدمان الطفل على شبكة الانترنيت

أسباب إدمان الانترنيت

التكرار

النسبة

الهروب من المشاكل والضغوط الأسرية

31

% 15.5

إشباع رغباته المعرفية والترفيهية

45

% 22.5

ملأ الفراغ الذي يعاني منه داخل الأسرة أو المجتمع

124

% 62

المجموع

200

% 100

يتبين لنا من خلال هذا العرض أن أغلب الأطفال يدمنون على استخدام شبكة الانترنيت لملأ الفراغ الذي يعانون منه سواء داخل الأسرة، أو المجتمع، بنسبة % 62. في حين أقرّ % 22.5 من الأطفال أنهم يدمنون على شبكة الانترنيت، لما يجدون فيها من مضامين وتقنيات، تشبع رغباتهم المعرفية والترفيهية. أما النسبة المتبقية والمقدرة بـ % 15.5 فقد برّروا إدمانهم على شبكة الانترنيت بالهروب من المشاكل والضغوط الأسرية. فالأنترنيت، التي تصنع عالما مختلفا عمّ هو في الواقع، عالم مثالي من وجهة العديد من مستخدمي الشبكة، قد تكون ملاذا للطفل، للهروب من مشاكل الأسرة.

إنّ ربط الأطفال إدمانهم على الانترنيت بالفراغ الأسري، أو الهروب من المشاكل الأسرية بنسبة كبيرة من مجموع العينة، يمثل توجها جديدا لم يكن متوقعا غير أنه واقع حقيقي، لدوافع الإدمان فالكثير من الأطفال دفعوا إلى هذا الإدمان، لأن نظام الشبكة يعوض نقائص كثيرة، يعاني منها الطفل ظهرت من خلال الأجوبة التي تقدم بها هذا الأخير ومن أهمّها الفراغ العاطفي. فالطفل قد يعاني نقصا عاطفيا من طرف الأسرة لسبب من الأسباب، ما يجعله يبحث عن بديلا أخر لتعويض هذا النقص، فيلجأ إلى الأصدقاء والمعارف الافتراضيين من أجل ذلك. نجد أيضا المشاكل الأسرية والضغوط التي قد تمارس على الطفل قد تدفع بالطفل إلى الهروب نحو بديل أخر، يجد فيه ما يحتاجه من حرية وهدوء وفرض رغباته. فكل هذه الحاجات توفرها شبكة الانترنيت، ما يجعلها البديل الأفضل من منظور الطفل. إنّ تحكّم الطفل في شبكة الانترنيت، لا يقابله تماثل من جانب الأولياء، حيث أثبتت النتائج أن معظم الأولياء، لا يتحكمون في شبكة الانترنيت، ما يقصي قدرتهم على مراقبة ومتابعة الطفل في استخدامه للشبكة.

الجدول رقم 5: تحكم الأولياء في استخدام شبكة الانترنيت

تحكم الأولياء في استخدام الانترنيت

التكرار

النسبة

أستخدمها بشكل جيدا

38

% 19

نوعا ما

45

% 22.5

لا أتحكم في استخدامها

117

% 58.5

المجموع

200

% 100

نلاحظ أن أغلبية الأولياء لا يتحكمون في استخدام شبكة الانترنيت، بنسبة 58,5 % من مجموع وحدات العينة، مقابل 22,5 % ممن يتحكمون فيها نوعا ما. ولا تتعدى نسبة الأولياء الذين يتحكمون في استخدام شبكة الانترنيت بشكل جيد 19 % وهي نسبة قليلة مقارنة بالنسب السابقة. هذا الوضع ساهم كثيرا في زيادة الفجوة بين الأطفال المستخدمين لشبكة الانترنيت وأوليائهم ممن لا يتحكمون فيها من جهة، وحال دون قدرة الأولياء على متابعة أبنائهم، أو حتى القدرة على اتخاذ قرار بخصوص واقع استخدام أبنائهم لشبكة الانترنيت. يتضح بشكل جليّ الفجوة الواسعة في مستوى التفكير بين الأطفال وأوليائهم حيث بيّنت نسبة كبيرة من إجابات الأولياء، عدم وجود تقارب في مستوى التفكير والحوار بينهم وبين أبنائهم المستخدمين لشبكة الانترنيت، ويتضح ذلك من خلال الجدول التالي

الجدول رقم 6: تباين مستوى التفكير بين التلميذ وأوليائه

التباين في مستوى التفكير بين الأولياء والأبناء

التكرار

النسبة

عدم وجود تباين في مستوى التفكير

78

39 %

وجود تباين في مستوى التفكير

122

61%

الـــمـجـمـــوع

200

% 100

بالعودة إلى النتائج المذكورة نلاحظ أن نسبة 61 % من الأولياء يقرّون بوجود تباين في مستوى تفكيرهم مقارنة بمستوى تفكير أبنائهم المستخدمين لشبكة الانترنيت، مقابل 39 % فقط ممن لا يرون وجود لهذا التباين في مستوى التفكير. وأكثر من ذلك، فقد أوضحت النتائج الميدانية أن الأولياء الذين يعترفون بوجود فرقق في مستوى التفكير بينه وبين أبنائهم، يقرّون كذلك أن هذا التباين يثير قلق وانزعاج أبنائهم. يبدو أن اختلاف التفكير بين الأطفال وأوليائهم يعود بالدرجة الأولى إلى بيئة التنشئة لكليهما. فالأولياء محلّ الدراسة معظمهم يزيد سنهم عن الخمسين سنة، فهم لا يعتبرون من جيل التكنولوجيا الحديثة، عكس أبنائهم، إضافة إلى مستواهم التعليمي المتوسط، ما يجعلهم غير مؤهلين بشكل كبير لمواكبة التطورات الرقمية الحاصلة، وهو ما يشكّل تحديا حقيقيا أمامهم في تقريب مستوى تفكيرهم من أبنائهم.

الجدول رقم 7: العلاقة بين المستوى التعليمي للأولياء ومصدر معلومات التلميذ

مصدر معلومات الطفل

المستوى التعليمي

للأولياء



 

الأسرة



 

المدرسة



 

الأصدقاء



 

الانترنيت



 



 

مجموع

تكرار

النسبة

تكرار

النسبة

تكرار

النسبة

تكرار

النسبة

أمّي

1

% 0 .5

6

% 3

3

% 1.5

51

%25.5

%30.5

ابتدائي

2

% 1

5

% 2.5

3

% 1.5

34

% 17

% 22

متسوط

12

% 6

7

% 3.5

2

% 1

21

%10.5

% 21

ثانوي

13

% 6.5

2

% 1

3

% 1.5

14

% 7

% 16

جامعي

11

% 5.5

1

% 0.5

1

% 0.5

8

% 4

%10.5

المجموع

39

%19.5

21

%10.5

12

% 6

128

% 64

% 100

نلاحظ من خلال الجدول، وجود علاقة بين مصدر المعلومات المفضلة لدى الطفل، وبين المستوى التعليمي للأولياء. فنجد أن 61% من الأطفال الذين يعتمدون على الأسرة كمصدر رئيسي للمعلومات، أو التأكد منها، يتراوح المستوى التعليمي لأوليائهم بين الثانوي والجامعي في حين لا يتجاوز عدد الأطفال الذين يعتمدون على الأسرة، ممن مستوى أوليائهم أقل من الثانوي نسبة 49%

وتتقارب النتائج بالنسبة للأطفال الذين يعتمدون على المدرسة في كسب والتأكد من المعلومات، بحيث نجد أن 85 %. من الأطفال الذين يفضلون المدرسة على الأسرة في ذلك لا يتعد المستوى التعليمي لأوليائهم المتوسط، مقابل 15 % فقط ممن لديهم المستوى الثانوي أو الجامعي، ومع ذلك يعتمد أطفالهم على المدرسة في ذلك. وتتضح الفروق بشكل أكبر في الاحتمال الخاص بشبكة الانترنيت كمصدر للمعلومات، بحيث نجد أن 82 % من الأطفال الذين يعتبرونها كذلك، المستوى التعليمي لأوليائهم لا يتعد المستوى المتوسط، مقابل 18 % فقط ممن مستوى أوليائهم بين الثانوي والجامعي، ومع ذلك يفضلون شبكة الانترنيت لتحصيل معلوماتهم، أو التأكد منها.

إن الطفل المتفتّح على التكنولوجيا الحديثة للإعلام والاتصال، وعلى رأسها الانترنيت، ينبهر بشكل كبير، بالكمّ الهائل من المعلومات، سواء من حيث طبيعة هذه الأخيرة، حجمها، سرعة نقلها، وحتى الحرية في طرح الأسئلة والفضول في معرفة بعض الأجوبة لتساؤلات عديدة. وبالمقابل، فالأولياء ذوي المستوى التعليمي البسيط أو المنعدم، لا يستطيعون منافسة ما تحمله شبكة الانترنيت من كمّ لا متناهي من المعلومات. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يلجأ الطفل إلى هذه الأخيرة، التي لا تكلفه سوى الضغط على زرّ، ليجد كل ما يريده من معلومات، بدل من أخذ وقت أطول مع الأولياء، وقد لا يتلق الإجابة التي تشبع حاجته المعرفية.

الجدول رقم 8: مصدر معلومات التلميذ ومدى اقتناعه بها

اقتناع الطفل بمصادر معلومات

مصدر معلومات الطفل

مقتنع

غير مقتنع



 

المجموع

تكرار

النسبة

تكرار

النسبة

 

الأسرة

14

% 07

25

% 12.5

39

المدرسة

16

% 08

05

% 2.5

21

الأصدقاء

05

% 2.5

07

% 3.5

12

الانترنيت

114

% 57

14

% 07

128

المجموع

149

% 74.5

51

% 25.5

% 100

نلاحظ من خلال الجدول أعلاه أن رضا الأطفال واقتناعهم بالمعلومات التي يكتسبونها يتجسّد أكثر عندما يكون هذا المصدر شبكة الانترنيت، وهذا بنسبة % 57 من إجابات الأطفال، مقابل % 07 فقط من رضا الأطفال عندما يكون مصدر المعلومات هي الأسرة. وتحوز المدرسة على نسبة أكبر من رضا الأطفال مقارنة بالأسرة، بحيث تم تصنيفها كذلك من طرف % 08من الأطفال، يليها الأصدقاء بنسبة % 2.5 . وعلى العكس من ذلك، تحتل الأسرة أكبر نسبة من عدم رضا الأطفال عن المعلومات التي تقدمها له بنسبة % 12.5 تليها شبكة الانترنيت بنسبة % 07 ثم الأصدقاء % 3.5 وأخيرا المدرسة بـ % 2.5. ويمكن تفسير هذا التوجه نحو شبكة الانترنيت مقارنة بمصادر المعلومات الأخرى التي تحيط بالطفل، كون معظم الأولياء لا يملكون مستوى تعليمي، يمكّنهم من إشباع الرغبات المعرفية للطفل، في ظلّ السيل الكبير للمعلومات عبر الانترنيت. أما المدرسة، فهي الأخرى أصبحت تدفع بالطفل إلى استخدام شبكة الانترنيت، وأحيانا تفرض هذا الاستخدام في إجراء البحوث والتحضيرات المدرسية، فيجد الطفل نفسه أمام كمّ معلوماتي يضاهي ما يقدمه له المعلم. أما الأصدقاء، فهم يشتركون مع بعضهم البعض في الارتباط بشبكة الانترنيت، ويعتبرونها مرجعية فكرية ومعلوماتية، يتبادلون مع بعضهم البعض المعارف. ما جعل الانترنيت تسيطر على مصدر معلوماتهم.

الجدول رقم 9: دور المدرسة في التوجيه السليم للطفل في استخدامه لشبكة الانترنيت

تلقي التلميذ لشروح في المدرسة حول استخدام الانترنيت

التكرار

النسبة

نعم

26

% 13

لا

174

% 87

المجموع

200

% 100

نلاحظ من خلال النتائج المعروضة، أن % 87 من الأطفال لم يسبق لهم أن تلقوا شروحا في المدرسة عن كيفية الاستخدام السليم لشبكة الانترنيت، مقابل % 13 فقط من الذين سبق لهم تلقي ذلك بالمدرسة. إنّ عدم تخصيص المدرسة لدروس تولي اهتماما بالكيفية السليمة لاستخدام الانترنيت من طرف التلميذ يضع هذا الأخير أمام عشوائية الاستخدام. وأكثر من ذلك، يربط بعض المعلمون معايير التقييم المدرسي بالنسبة للبحوث والواجبات المنزلية بشكلها وكمية المعلومات المحصلة من طرف التلميذ. ويكفي لهذا الأخير الانتقال إلى أقرب مقهى انترنيت ليطلب البحث جاهزا دون الاطّلاع عليه، وأحيانا يحوي هذا البحث على تناقضات عديدة، تمرّ على المعلم مرور الكرام. كل ذلك، يتم على حساب الإطار المعرفي للطفل، والذي ينشأ على طبع الاتكال، بعيدا عن روح البحث والتقصّي.

4. عرض النتائج

نلاحظ أوّلا تباين مستوى التحكم في شبكة الانترنيت بين الأطفال وأوليائهم. فالكثير من الأولياء لديهم مستوى تعليمي متوسط أو ضعيف، ما يجعلهم غير مؤهلين لتبني التكنولوجيا الحديثة مقارنة مع أبنائهم وهو ما أفرز العديد من النتائج من بينها وجود شرخ في التفكير بين الأولياء والأطفال، نتيجة اندماج الأطفال في عالم ثريّ فكريا ومتجدد. وتمسّك الأولياء بالعالم الكلاسيكي الذي لا يروق الكثير من الأطفال، بحيث أكد % 61 من الأولياء عدم وجود تقارب في التفكير بينهم وبين أطفالهم، مقابل % 39 ممن أكدوا وجود هذا التقارب في التفكير. هذا الشرخ يفسره بعض خبراء علم الاجتماع بالطبيعي نتيجة التطور الاجتماعي والذي يتميّز في كل مرحلة بخصائص تختلف عما سبقه من مراحل، ما ينتج بالضرورة جيلا متميزا عن سابقه. غير أنه كثيرا ما يوصف ذلك بالتمرد على التقاليد والقيم الاجتماعية، في الوقت الذي يبرره بعض خبراء علم الاجتماع بالاختلاف الموضوعي المتعلق بتغيّر ظروف الحياة.

كما نلاحظ انزعاج الأطفال من عدم تجانس مستوى التفكير بينهم وبين أطفالهم: فقد تسبب استخدام شبكة الانترنيت لدى الطفل دون أوليائه، واتساع الشرخ في مستوى التفكير بينهما، في انزعاج الطفل من ذلك، وهو ما أكده 51 % من الأولياء، ممن لاحظوا ذلك باستمرار. وقد ذهب علماء النفس إلى أن الطفل يبحث دائما عن التميّز في مجال التفكير، فهو مغامر بطبعه، وعلى قدر كبير من الفضول وحبّ الاستكشاف، ما يجعله يميل كثيرا إلى الديناميكية في أفكاره، في حين أن كبار السن أكثر استقرارا في أفكارهم وغير اعتياديين كثيرا في وجهات نظرهم. هذا ما يشكّل الشرخ في مستوى تفكير الأولياء وأبنائهم، وهو ما لا يروق للطفل فيبحث دائما عن البديل.

إنّ اعتماد الطفل على شبكة الانترنيت كمصدر لمعلوماته على حساب الأولياء ومؤسسات التنشئة الأخرى أحدث الهوة في استخدم شبكة الانترنيت بين الأطفال وأوليائهم، وما نتج عنها من تدني مستوى تفكير الأولياء من منظور الطفل، إلى اعتماد هذا الأخير على شبكة الانترنيت كمصدر لمعلوماته وأفكاره على حساب الأولياء ومؤسسات التنشئة الأخرى. بحيث يعتمد % 64 من الأطفال على شبكة الانترنيت في ذلك، مقابل % 19.5 ممن يعتمد على الأسرة، و % 10.5 يعتمدون على المدرسة في تكوين معارفهم ومعلوماتهم. في حين لا تتجاوز نسبة من يعتمد على الأصدقاء في هذه العملية % 06. وفي هذا الإطار أكدت العديد من الدراسات الميدانية التي مسّت مؤسسات التربية والتعليم على المستوى الابتدائي والمتوسط في الجزائر التوجه الذي يتبناه معظم المعلمين بخصوص تكليف التلاميذ بالبحوث، حيث أثبتت الإحصائيات المقدمة أن أكثر من ثلثي المعلمين يحثّون التلاميذ على الاستعانة بشبكة الانترنيت في إنجاز البحوث، ويركزون في عملية تقييمها على الكمّ المعلوماتي والشكل الجمالي لهذه البحوث، عل حساب أدبيات البحث العلمي، فيقع التلميذ في التناقض المعلوماتي ويضيع أمام الانفجار المعرفي في شبكة الانترنيت. 12

هذا التوجه الذي أصبح عليه الطفل، أجّجه المستوى التعليمي المنخفض للأولياء، حيث أن أكثر من ربع عينة الأولياء هم أميّون بنسبة % 30.5، مقابل % 22 منهم لا يتعدى مستواهم الدراسي الابتدائي.

على صعيد آخر نجد أنّ الأولياء لا يمارسون الرقابة والمتابعة اللازمة لأبنائهم أثناء استخدامهم لشبكة الانترنيت، بسبب جهل معظم الأولياء لمبادئ استخدام الشبكة. هذا ما جعل الطفل يشعر بحرية أكبر في استخدامه لشبكة الانترنيت، ويتجاوز بعض القيم التربوية، والضوابط الاجتماعية. وحتى محاولة الأولياء فرض الرقابة على أبنائهم أثناء إبحارهم في شبكة الانترنيت، قد لا يعطي النتائج المطلوبة، بسبب تفوّق الأطفال تقنيا عن أوليائهم في استخدام الانترنيت، ما يطرح مسألة تكوين الأولياء في هذا المجال. يوجد حينئذ مشكل مزدوج ذو بعدين متناقضين مطروح في مستوى الأسرة. بعد يشمل حرص الأسرة على دمج أطفالهم مع مستجدات العصر وطرق العيش والتعامل مع التقانات الحديثة، خاصة في مجال الإنترنيت والعلوم والتواصل والبرمجيات وسواها، وهذه حقيقة جليّة، وبُعد مُعرب عن حالة من الخوف والهلع التي تصيب اولياء الأمور على أبنائهم عندما يشاهدون بؤر الانحراف الخطيرة التي تتربص بأطفالهم في هذه العوالم الغامضة الافتراضية التي تسعى بكل ما تستطيع كي تقدم نفسها على أنها واقعية وليست وهمية. يجدر كذلك ذكر ضعف دور مؤسسات التنشئة الاجتماعيّة، فرغم ما لها من دور توعوي وتربوي، إلا أنها لا تؤدي دورا فعالا في توجيه الطفل أثناء استخدامه للإنترنيت لأسباب مختلفة تتمثّل أساسا في الدور السّلبي الذي تؤدّيه دور الحضانة ف مستوى الارتباط العاطفي بين الطفل وأسرته، حيث بيّنت النتائج المتوصل إليها وجود علاقة طردية، ذات دلالة إحصائية، بين الأطفال الذين قضوا السنوات الأولى من حياتهم في دور الحضانة، وبين الأطفال الذين يفضلون شبكة الانترنيت على الجلوس في الوسط الأسري. وهذ حقيقة أكّدتها العديد من الدراسات التي أشارت إلى ضعف العلاقات الأسرية بين الأولياء الطفل الذي يقضي فترات حياته الأولى خارج الأسرة. من الأسباب التب تحول دون أداء مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة دورها على الوجه الصحيح، نذكر أيضا طبيعة التكوين المدرسي للطفل. فالمدرسة التي تلعب دورا سلبيا في عملية توجيه الطفل للاستخدام السليم لشبكة الانترنيت. فهي من جهة تحثّه على مواكبة هذا التطور التكنولوجي في عملية البحث والتنقيب العلمي، وقد يكون التقييم العلمي له على هذا الأساس. لكن من جهة أخرى، لا تقوم المدرسة بتوعية الطفل، ومتابعته للاستخدام السليم للشبكة. نذكر كذلك تواضع وضعف المستوى التعليمي للأولياء، خاصة الآباء، إضافة إلى التباين في القدرة على التحكم في شبكة الانترنيت، بين الأطفال وأوليائهم. لقد أفضى هذا الوضع إلى ظهور خلل في علاقة الأطفال بأوليائهم، خلل في المستوى الفكري يقود الطفل إلى التقليل من شأن ثقافة الأولياء، التي يعتبرها كلاسيكية، لا تتماشى مع متغيرات العصر، ويعزله عن جوّه الأسري، لصالح شبكة الانترنيت، حيث أصبح يفضّل قضاء وقت فراغه في الإبحار عبر الشبكة، بدل الجلوس مع أفراد الأسرة، وقضاء وقت فراغه في جوّ حميمي.

ونشير عند هذا الحدّ إلى حرص الطفل على عدم تدخل أوليائه في استخدامه لشبكة الانترنيت، حتى في مقاهي الانترنيت، حيث يرافقه الأولياء. فهو لا يتقبّل مرافقتهم إلا لدوافع مادية، تتمثل في تحمل الأولياء لتكاليف استخدام الانترنيت. فالأنترنت في اعتبار الطفل هيّ بديل للنقائص التي يجدها في أسرته، كالإهمال، الفراغ، المشاكل الأسرية وغيرها. هذه الدوافع التي أشار إليها الطفل، هي مؤشر أيضا لعدم التوافق بين الطفل والأسرة، ما يدفع بهذا الأخير إلى البحث عن بديل أخر من أجل إشباع حاجاته. ويرى الباحثون في مجال التربية وعلم الاجتماع أن العولمة أفرزت مفاهيم جديدة على مجتمعاتنا الشرقية وأحدثت خللا في دور الوالدين. وقد يكون لضعف المنظومة التربوية أثر عميق في تأهيل الطفل للتبني الإيجابي للتكنولوجيا الحديثة. فهذه المنظومة تشجّع بشكل سلبي على استخدام شبكة الانترنيت، فهي بدل من أن تقدم للتلميذ مفاتيح البحث الأساسية ومتابعته في مناهج الاستغلال الصحيح للمعلومة عبر شبكة الانترنيت، تدفعه إلى البحث العشوائي في هذا الفضاء الأزرق دون متابعة أو مرافقة. فينبغي للمدرسة أن ترافق التلميذ من أجل استيعاب ثورة المعلومات وتحفيزهم نحو الاستخدام الأمثل عن طريق البرامج التربوية والعلمية مستغلين القدرات المؤثرة في الإعلام لإنجاح هذه المهمة مع حث الأساتذة في المدارس لتعزيز دورهم في توعية الطلاب على كيفية استثمار التكنولوجيا واستخدامها ايجابيا، ومحاولة جذب انتباههم وتشجيعهم على البرامج المدروسة جيدا والمخطط لها بطرق تهدف الى تحسين مهارات الإنسان وإرشادهم من خلال الدروس على كيفية تنظيم وقتهم في استخدام التقنيات, مع التنبيه المستمر على تفضيل الواجبات المدرسية والنشاطات الرياضية على ألعاب الكمبيوتر.

4. خاتمة الدراسة

لقد بات من الضروري تطوير فكر الأولياء والمربّين ومهاراتهم التكنولوجية، فطفل اليوم على مستوى عال من التمكّن في التقنيات الحديثة خصوصا شبكة الانترنيت، كما بينته النتائج المبينة في الجداول أعلاه. فالأسرة التي لا تحوز على مستوى جيد في استخدام التكنولوجيا الحديثة ستجد نفسها في عالم أخر غير ذلك الذي يعيشه الطفل. كذلك المدرسة تحتاج إلى إعادة هيكلة منظومتها التعليمية وفق متطلبات العصر الحديث. ويواجه التعليم فى الوطن العربي تحديات متلاحقة تتمثل في مسايرة الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، وهي ما تعرف باسم الثورة الصناعية الثالثة، لذا كان من الأهمية أن تتفاعل العملية التعليمية مع التقدم الصناعي لما له من تأثير مباشر على الحياة الاجتماعية والمتغيرات الثقافية بالمجتمع. فالتكنولوجيا ليست فقط مجرد تغيير في صناعة الأجهزة واستخداماتها بل أن التكنولوجيا الحقيقية تمتد إلى ما يصاحب التغييرات في سلوكيات الأفراد في المجتمع وتغلغلها في الإطار الثقافي للمجتمعات وإكساب معارف وخبرات ومهارات تدريبية عليهم. 

يتبيّن من هذه الدراسة حجم الفجوة المعرفية بين الأطفال والأولياء التي أولدت نوعا من التباعد بين الأسرة كمؤسسة تنشئة والطفل الذي وجد في الانترنيت بديلا فكريا وثقافيّا يُشبع احتياجاته الاجتماعيّة والنفسيّة. إنّ ما تختصّ به الانترنيت من مؤثرات حسية وفنية ومعرفية أدّى إلى استقطاب الطفل وإبهاره ما جعل هذا الأخير يفضلها ويعتبرها مرجعا ثقافيّا ومعرفيّا بديلا عن الأسرة. في المقابل، ساهمت الأسرة في هذا تشكّل هذا الوضع المعقّد من خلال عدم قدرتها على احتواء مشاغل الطفل اليوميّة، التربويّة والترفيهيّة. وقد بيّنت نتائج الدراسة مدى ارتباط الطفل الجزائري بشبكة الانترنيت لدرجة الإدمان وعدم قدرته على الانقطاع عن استخدام تطبيقاتها "الساحرة". وهذه حقيقة أكّدنها النسب العالية لاستخدام الطفل اليومي لشبكة الانترنيت، استخدام شارف على الإدمان جعله يكتشف الفرق المعرفي بينها وبين الأولياء، مما عزّز ثقته فيها، معتبرا إياها مصدرا أساسيا في تكوين معارفه.

الهوامش:

  1. الصادق رابح (2004)، الإعلام والتكنولوجيا الحديثة، دار الكتاب الجامعي، ص9، 10.

  2. محمد لعقاب (2007)، وسائل الإعلام والاتصال الرقمية، ط 1، دار هومة، ص 31 ـ 36.

3. رشا عبد الله (2005)، الأنترنيت في مصر والعالم العربي، أفاق للنشر والتوزيع، مصر، ص19.

4. عبد الحميد صالي (2010)، التكنولوجيا الحديثة وتربية الطفل، مجلة العدن، الطبعة الثانية، اليمن، ص57.

5. علي أسعد وطفة (1999)، بنية السلطة، وإشكالية التسلّط التربوي في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 118.

6. سعيد بن سعيد العلوي (2001)، الأسرة والقيم في عالم اليوم، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، ص22.

7. محمد شقرون (1990)، الظاهرة الدينية كموضوع للدراسة: شروط إمكانية قيام سوسيولوجيا دينية في المجتمعات، المستقبل العربي، العدد 133، ص 67.

8 علي مانع (1996)،جنوح الأحداث والتغير الاجتماعي في الجزائر المعاصرة، دراسة في علم الاجتماع المعاصر ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 40.

9. بيرى الوحيشي أحمد (1989)، الأسرة والزواج: مقدمة في علم الاجتماع العائلي، الجامعة المفتوحة، طرابلس، ص 403.

10. أودريجورس (1999)، تقنيات المعلومات في المكتبات والشبكات، ترجمة حشمت قاسم، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض.

811. M. Ghorbal (1981), La Personnalité Maghrébine, moryau a tabo – islamique, Un Formation Psychiatrique, Vol 57, N 4, P 39

12. حافظ سليم (2018)، البرامج التعليمية في المؤسسات التربوية الجزائرية، دار الحكمة، الجزائر، ص 48