ديمقراطية السّذج

ديمقراطية السّذج​  - La démocratie des crédules

جيرالد برونير Gérald Bronner

ترجمة: د. المنجي محمد القردلي

تقديم: د. حبيب بن بلقاسم

دار جامعة الملك سعود للنشر، 2019

 

لماذا تغزو أساطير المؤامرة أذهان معاصرينا؟ ولماذا تتجه السياسة في معالجتها إلى نمط حياة المشاهير؟ ولماذا أصبحنا دائمًا شديدي الحذر من رجال العلم؟ كيف أمكن لشاب يدّعي أنّه ابن مايكل جاكسون، وأنّه تعرض للاغتصاب ومغتصبه نيكولا ساركوزي، ويحظى بمقابلة في نشرة رئيسة، وفي فترة الساعة الثامنة؟ وكيف أفسح المجال لأمور وهمية ومختلقة بل غارقة في الكذب أن تنشر على العموم، وتكسب تأييد الجمهور، وأن يكون لها وقع على القرارات السياسية، وأن تشكل جزءًا من العالم الذي نعيش فيه؟ ألم يكن من المعقول أن نأمل مع التدفق الحر للمعلومات وزيادة مستوى التعليم في ميل المجتمعات الديمقراطية نحو شكل من أشكال الحكمة الجماعية؟ تحاول هذه التجربة المحفزة عبر أمثلة عديدة الإجابة عن كل هذه الأسئلة مبينًا كيف تآلفت ظروف الحياة المعاصرة مع أداء قوانا العقلية؛ لتجعل منا مجرد مخدوعين، وهو الأمر الذي يدعونا بإلحاح إلى تفهّم ما يجري حولنا.

تقديم الكتاب:

هذا الكتاب الذي بين أيدينا يعدّ كتابًا جديدًا لعالم الاجتماع الفرنسي جيرالد برونير Gérald Bronner، بعنوان "ديمقراطية السذَّج" الذي يذم فيه الإنترنت كمصدر أصبح يهيمن على نشر المعرفة، ويتحدى أعتى وسائل التربية ونشر المعرفة مثل المدرسة والكتاب. صاحبه أستاذ مشارك بجامعة باريس- ديدرو، وكان قد تحصَّل به في عام 2013م على جائزة "بروكوب الأنوار". كما عُرف بتأليفه لكتاب آخر يحمل عنوان "إمبراطورية المعتقدات" الصادر عن نفس الدار النشر عام 2003م.

أمّا مترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية فهو عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود الدكتور المنجي القردلي، متخصص في مجال علم الاجتماع، والمعروف باهتمامه بقضايا الترجمة من وإلى الفرنسية، وتجربته السابقة في الإعلام بكل من القناة الثانية بالتلفزيون السعودي (محررًا ومذيعًا للنشرة الفرنسية) ووكالة الأنباء السعودية (مترجمًا).

ينتقد مؤلف "ديمقراطية السذَّج" هذه الوسيلة (الإنترنت) التي أشاعت معاني جديدة مختلفة للديمقراطية التي تحولت في هذا الزمن إلى "ديمقراطية تشاركية"، أو "ديمقراطية تشاورية"، وهي مفاهيم ومقاربات جديدة أصبحت منتشرة في أيامنا انتشارًا واسعًا شمل الفضاء العربي. ومن مخاطر الإنترنت أن جميع مستعمليها يرغبون في الإدلاء بآرائهم والمشاركة في اتخاذ القرارات؛ بناءً على معلومات متداولة عن طريق هذه الوسيلة دون التأكد من مصداقيتها. وتقوم هذه المفاهيم الجديدة على "أغلبية وهمية" ليس لها علاقة بالديمقراطية الحقيقية؛ لأنها تنبني في غالبيتها على الإشاعة.

في هذا العصر الرقمي وفي فضاء السوق المعرفية تلعب الإنترنت أدوارًا سريعة وواسعة وضاغطة (50% من مستخدمي الإنترنت يمضون أكثر من 70% من وقت الربط في البحث عن المعلومة عن طريق محرك جوجل خاصة) مما يؤكد أن الإنترنت أصبحت سلطة ومرجعًا لا مفرّ منه.

لكنّ هذا السوق يتطلب برأي الكاتب الحذر والدقة عن طريق ما سماه "الحق في الشك" الذي يقابل "الحق في المعلومة".

فصاحب الكتاب يعتبر أن الإنترنت هي أداة للديمقراطية الجامحة والمنفلتة التي تضخّم الظواهر بحكم أنها تقلل من تكاليف العرض، ويضرب أمثلة عديدة على ذلك حدثت في العالم خلال العشرين سنة الماضية، وهو لا يتناول الانعكاسات الخطيرة لهذه الظاهرة الاتصالية على المستويات السياسية والإعلامية فقط بل يقوم بتقديم تحليل استدلالي عميق لمخاطر الإنترنت على المعرفة بوجه خاص، ومن هنا موضع الكاتب في علم اجتماع الاتصال من جهة وأبعاد هذا العلم المعرفية من جهة ثانية، فتحرير أسواق الاتصالات بالاعتماد على آليات الاحتكار والمنافسة الشرسة وحرب الأسعار ومعارك التسوق، كل ذلك أدى إلى الابتعاد عن خدمة العلوم ونشر المعارف كما كان الأمر سابقًا. ويستعمل الكاتب ذكاءه في الاستدلال على كيفية تفكيك "الأسطورة الرقمية" متسائلًا عن سرّ انتشار نظرية المؤامرة. فكيف يمكن نشر الأحداث المفبركة المنتجة على صفحات الويب ويتم تصديقها إلى درجة أن أغلبها يؤثر في القرارات السياسية؟

هذه الديمقراطية الإعلامية القائمة على حرية تبادل الآراء والأفكار وتداولها على الإنترنت بغض النظر عن مدى صحتها، إنما هي ديمقراطية ساذجة برأي المؤلف، كما يعتبر أن منتجيها ومتداوليها سذجًا بالضرورة.

ومن مخاطر الإنترنت لديه أنها تمثل فضاءات للانتقام من السلطة القائمة تتجمع فيها الأحلام: أحلام الكلام والاعتراض والتحريض (لا أحد يصمُت)، وإذا كانت التكنولوجيا تسمح لنا بتجاوز حدود الإدراك فتؤسس لـ "مجتمع الشفافية" عند بعضهم -وهذا من فضائلها نظريًا – إلاّ أن هذا المجتمع البديل يبني معرفته على حشد كبير من الكذب الذي لا يخدم إلا سُلُطاتٍ مضادة كثير منها يكون مختبئًا ومشكوكًا في مصداقيته، كما يتم في هذا الحشد التلاعب بالرأي العام في إطار سوق إعلامية واسعة توظف السذاجة الجماعية وتحركها.

وفي هذا الإطار من تحليله لخصائص المجتمع الجديد، مجتمع هو صنيعة الإنترنت التي تبرز نكهة سوسيولوجية الكاتب (علم اجتماع الاتصال)، وتتوضح الجرأة السوسيولوجية التي تشكل الصفة اللازمة لعلماء الاجتماع النوعيين من أمثاله حينما يتحدث جيرار برونير عن "جنوح المهنة"، أي تجاوزها لخطوطها الحمراء ولمشروعيتها (مهنة المساهمة في كشف الحقائق والتحقيق في القضايا الغامضة وتعميم الإعلام)، وهكذا الجنوح المهني في الإعلام المرتبط بالأساس بالإنترنت تجسّده حركات وممارسات تلخص عادة في عبارات جاهزة، لكنها غير بريئة مثل "السبق الإعلامي"، و"الحصول على المعلومة بسرعة"، و"نشر الخبر بسرعة"، و"التنافس الإعلامي" ...، إنها أنانية المصالح الاجتماعية الجديدة، مخاطرها موجهة إلى الضرر بالخارج أكثر من توجهها إلى ضرر الأنانية الداخلية، وهذا ما سماه الكاتب بـ "السوق الهرطقي للإعلام"1 ، ومن مظاهر هذه الهرطقة وامتداداتها تتلخص أفكار الكاتب فيما يلي:

  • يعتبر أن عصرنا تتفوق فيه السذاجة، وهي سذاجة تدّعي أنها مستقلة، ولكنها مليئة باتهامات "الإنتاج العلمي التقليدي" وأسسه المعرفية.
  • الديمقراطية تشكو من مرض جيني ينتظر أن تحدث ثورة ما في السوق المعرفية تبدو الآن بعيدة لوجود مشكلة إيطيقية.
  • وعلى الرغم من ذلك فإن الكاتب "من عشاق الديمقراطية"؛ لذلك هاجمها في صورها الراهنة المتوسلة بالإعلام الشعبي رغم حبه لها، لذلك اكتفى بالقيام " بفحصٍ قاسٍ للوضع الذي نعيشه".
  • والسؤال الهام الذي يطرحه: كيف نضمن أنّ مشاركة المواطنين (الجمهور) -التي نقبل بها من ناحية المبدأ- لن تكون كارثية النتائج؟ فالشعب لا يمكنه أن يكون فيلسوفًا من الأصل كما يقول أفلاطون، وبذلك ينفي الكاتب صحة مقولة "حكمة الجماهير"، فالتعدد لا يلغي الكفاءة، ومشاركة الجماهير هامة في تقاسم الموارد، وفي العدل لا في كل شيء؛ لأن الكفاءة تغلب العدد.

كما أن تطبيقات العلم تتطلب وتستلزم أخلاقيات لا يكون الجميع متفقين عليها. وليس الجمهور دائمًا مولعًا بالعلم ومؤمنًا به؛ لأن الحكمة لا تلتقي دائمًا مع "المشاورات العامة حيث إن تطورها قد يعيق حقائق نفسية واجتماعية لم يتعرف عليها دعاة دمقرطة الديمقراطية"...

ويتعرض الكاتب إلى تفسير هذه الظواهر مستعينًا بعلم النفس الاجتماعي من خلال متابعة التأثيرات العاطفية والوجدانية لروح الجماعة و"سلوك القطيع"، وأمعية المواقف "التبعية"، و" الانجرار" للمواقف والتفسيرات غير العقلانية أصلًا.

من هذا المنطلق فإن هذا الكتاب يعتبر إضافة حقيقية للعلوم الاجتماعية في العالم العربي اليوم وخاصة في مجال علم الاجتماع وعلوم الاتصال، فهو يمثل نافذة هامة ومفيدة للتواصل مع الإنتاج المعرفي القائم على تحقيقات ومتابعات معمقة ودقيقة في الأوساط الأكاديمية الغربية؛ ولذلك فان ترجمة هذا الكتاب كان له فوائد جمّة على المتخصصين العرب في مثل هذه الموضوعات خصوصًا أن العرب يعتبرون اليوم من أكثر الأمم تفاعلًا مع وسائل التواصل الحديثة سلبًا وإيجابًا. وما أحوجنا نحن التابعون إلى تحليلات من داخل فضاء التجارب الديمقراطية يقدّم صاحبها رأيًا شجاعًا ومختلفًا يذكّرنا بموقف أستاذه بيار بورديو، ولكنه يضيف إليه شيئًا جديدًا هو أن الديمقراطية المنشودة يجب أن تكون منضبطة في مواجهة الديمقراطية المنفلتة؛ التي يساهم السذّج أو من يتقمصون السذاجة في نشرها في عالمنا اليوم.
 

1. الهرطقة، بالإنجليزية :( heretic) ويطلق عليها أيضا الزندقة هي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرة، وخاصة الدين، بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء أساسية منها بما يجعلها بعد التغير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة.