أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي

أخلاقيات الإعلام في الزمن الرقمي

تأليف مشترك:

د. حبيب بن بلقاسم، د. هالة بن علي برناط، د. فاتن بن لاغة الطّابعي،

مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، جانفي 2020

اكتست مسألة أخلاقيات الإعلام في السنوات الأخيرة أهمية قصوى سواء أكان ذلك في المؤسسات الإعلامية أو في معاهد الإعلام وكليّاته أو لدى منظمات المجتمع المدني. وقد أخذ موضوع أخلاقيات الإعلام (صدقة، 2008) أحجاما لم يعرفها من قبل حتى في الدول الغربية، التي تنعم أساسا بقسط كبير من الحريات الإعلامية وحيث تحظى وسائل الإعلام بجمهور واسع وسلطة حقيقية، إذ ظهرت الحاجة الملحة لتنزيه المهنة وتشجيع ممارستها على أساس قيم أخلاقية بعدما تبين أن تطبيق هذه القيم هو عنصر أساسي لنجاح وسائل الإعلام في أداء دورها وللحفاظ على مستواها المهني. وقد ظهر بوضوح أن غياب القيم الأخلاقية قد فتح الأبواب أمام كل أنواع الفساد الممكنة وأضعف ثقة الجماهير بوسائل الإعلام.

ويعود تزايد الاهتمام بموضوع أخلاقيات الإعلام في بداية هذا القرن الواحد والعشرين إلى الثورة الكبيرة في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال، فثورة المعلومات التي يعيشها العالم في الوقت الراهن أصبحت تمثل أحد أهم مراحل التطور التاريخي الكبرى في تاريخ الإنسانية. وقد نتج عن هذه الثورة المعلوماتية تغيرات كبرى طالت الصناعة الإعلامية، وأنماط استهلاك المعلومات، وإنتاجها، ونشرها، والتشارك في مضامينها.

ومع ظهور الإعلام الشبكي المرتكز على الإنترنت كوسيلة تواصل ودخول الكثير من الإعلامين فيه سواءً متخصصين أو غير متخصصين نشأت عدة ظواهر نذكر منها: كسر احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى وظهور فئة من الفاعلين "الإعلاميين" الجدد، من غير المتخصصين في الإعلام، إلا أنهم أصبحوا محترفين في استخدام تطبيقات الإعلام الجديد، بما يتفوقون فيه على أهل الاختصاص الأصليين. كما ظهرت منابر جديدة للحوار، فقد أصبح باستطاعة أي فرد في المجتمع أن يرسل ويستقبل ويتفاعل ويعقّب ويستفسر ويعلّق بكل حرية، وبسرعة فائقة. وبذلك ظهر ما يسمى بإعلام المواطن وإعلام الجمهور إلى الجمهور وظهرت مضامين ثقافية وإعلامية جديدة.

وأصبح المتلقي/ الجمهور يشارك بفضل هذه الفضاءات الإلكترونية الافتراضية في وضع أجندات النقاش حيث نجح هذا الإعلام الجديد أحياناً في تسليط الضوء بكثافة على قضايا مسكوت عنها في وسائل الإعلام التقليدية، مما جعل هذه القضايا المهمة هاجساً للمجتمع، للتفكير فيها ومناقشتها ومعالجتها.

إننا أصبحنا مع هذه الأشكال الجديدة في الممارسة الإعلامية، بحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة الأخلاقيات المهنية في وقت تزداد فيه الظاهرة الإعلامية تعقيدا مع غموض وعدم وضوح الشخصيات الحقيقية التي تتفاعل في إطار الإعلام الجديد أحياناً، كما أن الحرية التي أصبحت لا تحدها حدود الزمان والمكان والرقابة تتيح نشر أخبار غير صحيحة، وشائعات مغرضة، وأفكار خاطئة، كما يمكن أن تقود إلى ارتباطات مدمرة بشبكات الجريمة المنظمة، والإرهاب، والمخدرات، وغسيل الأموال، وغيرها من المخاطر المحتملة. وفي الحقيقة، تطرح الفضاءات الإلكترونية الجديدة العديد من التساؤلات حول أخلاقيات ممارسة مهنة الإعلام ومدى احترام الفاعلين الجدد في الحقل الإعلامي لآداب ومعايير المهنة من التزام الدقة والموضوعية والتوازن والتثبت من صحة الخبر ومصادره واحترام المواثيق المهنية. وتطرح قضية أخلاقيات الإعلام اليوم في علاقتها مع مبدأ ومفهوم المهنية في ممارسة العمل الإعلامي على اعتبار أن الالتزام بأخلاقيات المهنة هي التي يمكن أن تؤسس لإعلام نزيه قادر على لعب دوره ومسؤوليته الاجتماعية تجاه الفرد والمجتمع.

من هذا المنطلق جاءت فكرة هذا الكتاب الذي يحاول أن يعطي تعريفا دقيقا لأخلاقيات الإعلام والمبادئ المهنية لهذه الأخلاقيات، والمواثيق الأخلاقية والمرجعيات القانونية المنظمة لأخلاقيات العمل الصحفي. كما يحاول هذا الكتاب أن يعطي فكرة واضحة عن بعض الممارسات التطبيقية المتعلقة بأخلاقيات ممارسة العمل الإعلامي كمسألة الخصوصية والملكية الفكرية، وعلاقة الصحفي بمصادر الأخبار ومفهوم القذف والذم والقدح والتحقير، وجرائم النشر، والتطفل. ويسعى الكتاب إلى أن يبين أهمية الجانب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية لضمان جودة الانتاج الاعلامي وضمان أن يلعب الإعلام دوره في إرساء التنمية والديمقراطية في مجتمعاتنا العربية.